في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
رام الله- استجاب الفلسطينيون في الضفة الغربية لدعوات الفصائل والقوى الوطنية والإسلامية لإضراب شامل رفضًا لقانون إعدام الأسرى الذي صدّق عليه الكنيست الإسرائيلي، في خطوة تعكس تصاعد الغضب الشعبي تجاه ما يُنظر إليه كتصعيد خطير بحق المعتقلين.
وبينما بدت الشوارع خالية والمحلات مغلقة، تبرز تساؤلات ملحة حول السبل المتاحة للتصدي للقانون الإسرائيلي وكيفية إفشاله، ومدى تأثير الإضرابات في وقت الإبادة.
والاثنين الماضي، صدّق الكنيست الإسرائيلي بالقراءتين الثانية والثالثة وبأغلبية 62 صوتا ومعارضة 48 على مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين الذين يدانون بقتل إسرائيليين، دون أن يشمل إسرائيليين يقتلون فلسطينيين.
يقول فخري البرغوثي، الذي اكتوى بنار الأسر لعقود، إن التصدي لقانون إعدام الأسرى يتطلب وحدة شاملة لكافة مكونات الشعب الفلسطيني، مشددًا على "ضرورة النزول الجماعي إلى الشوارع والميادين للتعبير عن الرفض القاطع".
وأضاف أن "التحرك الشعبي الواسع، بمشاركة مختلف الفئات والأجيال، يمثل الوسيلة الأكثر فاعلية في مواجهة هذه السياسات، باعتباره قادرًا على إحداث ضغط حقيقي يتجاوز حدود المواقف الرمزية".
وتابع أن "الإضراب وحده غير كافٍ ولا يشكل ضغطا حقيقيا على الاحتلال ما لم يترافق مع حضور شعبي واسع ومكثف في الشوارع والميادين.. الرسالة يجب أن تتجاوز التوقف عن العمل لتصل إلى تأثير ميداني مباشر يعكس حجم الغضب الشعبي، فالاحتلال لن يتراجع عن قراراته إلا تحت ضغط ملموس على الأرض بما في ذلك تعطيل الطرق".
في شارع خلا من الحيوية والحركة وأغلقت المتاجر أبوابها، تحدث محمد صرصور من مدينة البيرة عن وجود "تقصير واضح تجاه قضية الأسرى من مختلف الأطراف،" معتبرًا أن ما يجري "لا يرقى إلى حجم معاناتهم".
وأضاف، في حديثه للجزيرة نت، أن "الأسرى بحاجة إلى تحرّك جاد ومستمر يتجاوز ردود الفعل المؤقتة"، واعتبر أن العودة السريعة إلى الحياة اليومية تعكس ضعف المتابعة والاهتمام.
ويرى أن معاناة الأسرى لا تحظى بالقدر الكافي من الدعم، سواء على المستوى الشعبي أو الرسمي أو العربي والإسلامي، مؤكدًا أن ما يُقدَّم لهم حتى الآن لا يوازي تضحياتهم.
يتابع صرصور أن الاحتلال الإسرائيلي يمارس القتل فعليا بحق الأسرى، سواء نُفذ الإعدام رسميا أم لا، من خلال ما يتعرضون له من معاناة نفسية وسوء معاملة يومية، فـ"الأسرى المحكومون بالمؤبدات، في ظل هذه الظروف القاسية، قد يتلقّون إقرار القانون كنوع من الخلاص من عذابات السجن، لا كخبر صادم، لأن ما يعيشه الأسرى اليوم يفوق قدرة الإنسان على الاحتمال".
وفي تسليط الضوء على الوسائل الفعلية لدعم الأسرى، يركّز صرصور على أهمية الوقوف مع عائلات الأسرى كأولوية قصوى، بعيدًا عن مجرد الإضراب.
ويشير إلى معاناة الأهالي نتيجة وقف رواتبهم من قبل السلطة الفلسطينية، مؤكّدًا أن "أمهات وأبناء الأسرى يعانون بشدة، وواجب الشعب دعم هذه العائلات ماديا ومعنويا لتعزيز صمودها في مواجهة هذه التحديات".
بدوره، يقول نافذ جفّال -وهو والد شهيد- إن ما يواجهه الأسرى في سجون الاحتلال من سياسات قمعية وتعسفية ممنهجة، ثم سن قوانين تمس حياتهم مباشرة، مثل قانون الإعدام، "يتطلب موقفا وطنيا موحدا يعكس خطورة المرحلة وأهمية حماية الأسرى الذين قدّموا حياتهم فداءً للحرية والكرامة".
ويضيف، في حديث للجزيرة نت، أنه يقع على عاتق المجتمع الفلسطيني بكل مكوناته أحزابًا، وقوى وطنية، ومؤسسات، وأفرادًا، مسؤولية "الرفض الواضح لهذه السياسات الجائرة. نحن بحاجة إلى موقف وطني موحد يعكس خطورة هذه المرحلة، ويؤكد أن قضية الأسرى قضية مركزية لا يمكن تجاهلها".
وبرأيه، فإن الالتزام بالإضراب بدا ملحوظا في جميع قرى ومدن الضفة "ما يشكل مؤشرا إيجابيا على التعبير الشعبي عن الرفض، إلا أن هذا الالتزام لا يزال يمثل الحد الأدنى المطلوب مقارنة بحجم المعاناة والتحديات التي يواجهها الأسرى"، بحسبه.
في تقييمهم لدور الإضراب الشعبي، يبين محللان تحدثا للجزيرة نت أن الإضرابات والحراكات الشعبية لا تقتصر على كونها احتجاجًا رمزيًا، بل تمتلك أبعادًا متعددة تؤثر على المجتمع الفلسطيني وعلى الرسائل الموجهة للداخل والخارج، ويتجاوز كونه مجرد تحرك محلي محدود ليصبح أداة ضغط سياسي ودبلوماسي على عدة مستويات.
ويقول المحلل السياسي سليمان بشارات إن الإضراب بطبيعته يمنح طاقة مجتمعية للقضايا الأساسية، ويُقرأ من قبل الاحتلال الإسرائيلي على أنه تحدٍّ من قبل أكبر شريحة ممكنة من المجتمع.
ويضيف أن قضية الأسرى، كما قضية المسجد الأقصى واعتداءات المستوطنين، تمتلك القدرة على إشعال شرارة المواجهة إذا ما تم تنفيذ عمليات الإعدام فعليا، محذرًا من أن "القانون الجديد قد يشكل لاحقًا سببًا لتصعيد واسع إذا لم تُتخذ خطوات رادعة".
ويلفت إلى أن "الإضراب يبعث رسالة قوية بالرفض الحقيقي لممارسات الاحتلال وتشريعاته، ويعزز وعي المجتمع وإعادة ترتيب أولوياته تجاه القضايا الأساسية، ومثل هذه التحركات لا تمثل فقط ضغطًا على الاحتلال، بل تعيد طرح قضية الأسرى أمام العالم كقضية قانونية وحقوقية وإنسانية، ما يضع المسؤولية على المجتمع الدولي لإيجاد آليات لمواجهة السياسات الإسرائيلية والانتهاكات المرتكبة بحق الأسرى".
ويتحدث المحلل الفلسطيني عن ضرورة تحويل بيانات الاستنكار والرفض الدولية والإقليمية للقانون الجديد إلى إرادة سياسية فعلية، تشمل فرض عقوبات ومقاطعات متعددة المستويات على إسرائيل، معتبرًا أن "الاحتلال لم يعد يستجيب للخطاب السياسي وحده".
ويعتبر بشارات أن المرحلة الحالية تتيح استثمار ضعف صورة إسرائيل عالميا لتعزيز سردية العزلة الدولية لها. كما يؤكد أن المؤسسات الدولية مثل محكمة العدل الدولية، ومحكمة الجنايات الدولية، ومجلس حقوق الإنسان، ومجلس الأمن، يمكن أن تصدر مواقف رافضة لسياسات الاحتلال، بما فيها قانون الإعدام.
من جهته، يرى المحلل السياسي ياسين عز الدين، أن الضفة الغربية تفتقر إلى وجود حركة وطنية حقيقية، ويقول: "العمل الفصائلي تم تفريغه من محتواه نتيجة ممارسات السلطة والاعتقالات المتواصلة التي ينفذها جيش الاحتلال، ما يقلل من قدرة المجتمع على توجيه ضغط فعّال تجاه القوانين الإسرائيلية والسياسات المهددة للأسرى".
ويضيف، في حديثه للجزيرة نت، أن إعلان الإضراب أصبح في كثير من الأحيان مجرد "رفع عتب"، للتأكيد على وجود رد فعل، في حين تظل المشاركة الشعبية في الوقفات والمَسيرات أقل بكثير من المستوى المطلوب.
ويشدد عز الدين على أن هذا الواقع "يستدعي من الشباب في الضفة البحث عن تحركات أكثر تأثيرًا، خارج الإطار الرسمي الذي تفرضه السلطة الفلسطينية ويهدف إلى تفريغ أي حراك من مضمونه الوطني".
ويذهب عز الدين إلى أن الإضراب "أصبح شكليا في ظل الوضع التجاري والاقتصادي المتدهور بفعل الحواجز والإغلاقات وانعدام الرواتب، ما يضعف أثره الواقعي". ويتساءل عن الفائدة الفعلية من الإضراب، وهل سيقتصر دوره على كونه رسالة إعلامية فقط، مشيرًا إلى أن زخم الأحداث الإقليمية قد يجعل هذه الرسالة غير واضحة أو ضائعة أمام المتابعين.
ويرى عز الدين أن هناك بدائل كثيرة للإضراب، أهمها الحراك الشعبي الحقيقي لمواجهة جميع القضايا وليس فقط قضية الأسرى "مثل التوجه إلى الحواجز التي يغلق بها الاحتلال المناطق الفلسطينية لكسرها ومواجهة الجنود بشكل مباشر وإرسال أعداد كبيرة من المتطوعين إلى المناطق المهددة بالاستيطان للدفاع عن المزارعين والبدو كشكل من أشكال المقاومة الشعبية".
ويعتبر المحلل الفلسطيني أن إعادة فتح المدارس والجامعات "أمر أساسي" لإعادة تفعيل الحركة الوطنية بين الطلاب، الذين تأثر شعورهم بالتحرك والدفاع عن القضايا الوطنية سلبًا نتيجة اعتماد وزارة التعليم الفلسطينية على التعليم عن بُعد.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة