آخر الأخبار

حرب السرديات.. من الغاية الإلهية إلى صراع الهويات بواشنطن وطهران

شارك

عندما بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران الشهر الماضي، كانت رسائلهما متطابقة تماما بشأن الهدف الشامل المتمثل في تغيير النظام، ولكن بعد نحو 3 أسابيع بدأت أهداف الحرب تتباعد، وتعددت السرديات بشأن حرب بدا أنها تتجاوز السياسة، وتتخذ بعدا دينيا.

ففي وقت تسقط فيه القوات الأمريكية والإسرائيلية آلاف القنابل على دولة ذات أغلبية مسلمة، قام وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث ، في مؤتمر صحفي، بإضفاء بعد أخلاقي مسيحي على العمليات العسكرية الأمريكية، بما يوحي بأنها تحظى بتفويض إلهي، وقال "قدراتنا أفضل. إرادتنا أفضل. قواتنا أفضل. وعناية الله القدير تحمي هؤلاء الجنود، ونحن ملتزمون بهذه المهمة".

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 خيارات محفوفة بالمخاطر.. سيناريوهات نقل الحرب على إيران إلى البر
* list 2 of 2 هذه الفخاخ الخمسة تواجه ترمب في حرب إيران end of list

ومع أن هيغسيث تجنب إلى حد ما تصوير الإسلام كعدو -حسب صحيفة نيويورك تايمز– فقد وصف الولايات المتحدة بأنها دولة تأسست على مبادئ مسيحية، وكان يصف عمليات مكافحة الكارتلات بأنها جزء من حرب أوسع للدفاع عن الدول المسيحية ضد ما سماه "الشيوعية المخدراتية" والإلحاد والاستبداد.

وقبل ذلك أثارت حملة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التي استمرت أشهرا لإقناع ترمب بمهاجمة إيران، وتصريحات وزير الخارجية ماركو روبيو التي ألمح فيها إلى أن إصرار إسرائيل على الضرب دفع الولايات المتحدة للتحرك، أغضب أنصار شعار "أمريكا أولا"، وشككوا في دور دولة أجنبية في جر الولايات المتحدة إلى الحرب.

مصدر الصورة بيت هيغسيث قام بإضفاء بعد أخلاقي مسيحي أمام الصحافة على العمليات العسكرية الأمريكية (الفرنسية)

وقد علق الكاردينال بييرباتيستا بيتزابالا، البطريرك اللاتيني في القدس على تصريحات وزير الحرب الأمريكي الذي استشهد بالمزمور 144 لطلب البركة الإلهية على الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، وقال "الله مع من يموتون في الحرب، وليس مع من يسيئون استخدام اسمه".
سبق أن ارتفعت أصوات عدة كاردينالات أمريكيين ضد الحرب في إيران، معتبرين إياها "غير شرعية من الناحية الأخلاقية" لغياب أي تهديد "مباشر وقابل للتحقق"، وفق الكاردينال روبرت ماكلروي، كما وصف الكاردينال بليز كوبتش، رئيس أساقفة شيكاغو، مونتاج فيديو للبيت الأبيض يمزج بين هوليوود والضربات الحقيقية بأنه "تمثيل مخيف"، وأضاف "حرب حقيقية بموتى حقيقيين ومعاناة حقيقية تعالج كلعبة فيديو، هذا مقزز".

إعلان

وتأتي هذه التصريحات في سياق دعوات البابا ليو الـ14 لوضع حد للنزاع، عندما ندد البابا الأمريكي بـ"السعي العبثي لحل المشاكل عبر الحرب" وحذر من ميل بعض الأطراف "لإشراك الله في هذه القرارات المأساوية".

سرقة السردية

وقد حاولت الإدارة إعادة صياغة الرواية بأن الحرب كانت قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وحده، ولكن هذه الرسالة تضررت بعد استقالة مسؤول مكافحة الإرهاب جو كينت، الذي كتب أن الولايات المتحدة انجرت إلى حرب أخرى في الشرق الأوسط "بسبب ضغوط من إسرائيل ولوبيها القوي في أمريكا".

وجاءت استقالة جو كينت لتؤكد إلى حد ما أن هدف الحرب المعلن لا يمثل الحقيقة، عندما قال "لم تكن إيران تشكل تهديدا وشيكا لبلدنا، ومن الواضح أننا بدأنا هذه الحرب بسبب ضغوط من إسرائيل ولوبيها القوي في أمريكا".

مصدر الصورة كنت: تحقيق إف بي آي يهدف إلى "سرقة السردية" لإخفاء الأسباب الحقيقية للحرب على إيران (أسوشيتد برس)

وقال كينت الذي يعد من الداعمين المخلصين للرئيس ترمب، ولكنه يعتقد أنه تعرض للتضليل، إن "مسؤولين إسرائيليين كبارا وأعضاء مؤثرين في الإعلام الأمريكي شنوا حملة تضليل قوضت بالكامل برنامج "أمريكا أولا"، وروجوا لمشاعر مؤيدة للحرب لتشجيع الصراع مع إيران".

وقد أشار أحد المعلقين في صحيفة واشنطن بوست إلى أن جو كينت، عندما يلقي باللوم على إسرائيل ولوبي أمريكي قوي، فإنه لا يناقش السياسة الخارجية فحسب، بل يستدعي فكرة قديمة جدا تفيد أن اليهود هم القوة الخفية وراء الحروب الأمريكية.

وأشار موقع ذا هيل إلى وجود تحقيق يستهدف جو كينت بشأن تسريب وثائق، ولكن كينت الذي نفى الاتهامات بأنه سرب وثائق سرية إلى وسائل الإعلام أو إلى شخصيات مثل المعلق اليميني تاكر كارلسون، يقول إن تحقيق مكتب التحقيقات الفدرالي يهدف إلى "سرقة السردية" لإخفاء الأسباب الحقيقية للحرب على إيران".

وقال كينت خلال مقابلة مع ميغان كيلي "إذا كنت في دوائر حركة " ماغا" لفترة كافية، فأنت تفهم طبيعة هذا الأمر. هذا مجرد محاولة للسيطرة على السردية، وجعلنا نناقش أمورا مثل التسريبات والتحقيق، بدلا من القضية الأساسية، وهي لماذا دخلنا الحرب مع إيران".

ورغم تمسك الإدارة الأمريكية بالسردية الأصلية لسبب الحرب، فقد أدى الهجوم إلى ارتفاع أسعار الطاقة، وأثار ردا إيرانيا تمثل في إطلاق صواريخ على منشأة الغاز الرئيسية في قطر وعلى العاصمة السعودية، مما يعكس تردد ترمب في إدارة حرب غير شعبية أسفرت حتى الآن عن مقتل 13 أمريكيا.

فرصة إسرائيل لتدمير الخصم

وبالفعل كشف انتقاد ترمب للهجمات الإسرائيلية على حقل "بارس الجنوبي" الضخم للغاز عن حجم التوتر بين الحليفين، وكذلك عن تذبذب موقف الرئيس تجاه الصراع، وقال ترمب إن إسرائيل "اندفعت بعنف" ضد إيران، ونأى بنفسه عن الهجوم على أكبر مكمن للغاز الطبيعي في العالم.

ونفى البيت الأبيض أن تكون أهداف الحرب غير واضحة أو مفتوحة، وقال مسؤول إن ترمب حدد 4 أهداف، تقوم على تدمير برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني وإغراق البحرية الإيرانية وتحييد حلفاء إيران الإقليميين ثم ضمان عدم امتلاك إيران سلاحا نوويا.

إعلان

غير أن نتنياهو من جانبه، وجد في هذه الحرب فرصة لتدمير خصم رئيسي في ظل رئيس أمريكي منحه حرية عسكرية أكبر من أي زعيم أمريكي سابق، بحسب مسؤولين، وقد ظهر هدف تغيير النظام بوضوح في التكتيكات العسكرية الإسرائيلية.

ومع ذلك، نفى مسؤولون إسرائيليون وجود خلاف بين الحليفين، وأكدوا أن ترمب ونتنياهو يتحدثان يوميا ويتبعان إستراتيجية "فرق تسد" بناء على نقاط القوة المشتركة، لكن مسؤولين آخرين قالوا إن الخلافات بدأت تظهر في الأسبوع الثاني من الحرب، بعد الهجمات على منشآت النفط الإيرانية وتداعيات إغلاق مضيق هرمز.

أما الآن، وبعد 3 أسابيع من الحملة، فيواصل القادة الأمريكيون والإسرائيليون التنبؤ بأن إيران على وشك الهزيمة عسكريا، وأن نظامها سيخرج من الحرب إما ضعيفا بشكل كبير أو مزاحا بالكامل، كما يرى الكاتب محمد آية الله طبار.

تعزيز الشرعية داخليا

ولكن مع أن واشنطن وإسرائيل محقتان في أن قصفهما ألحق أضرارا جسيمة بالقدرات العسكرية الإيرانية، فإن اعتقادهما أن طهران على وشك الانهيار خطأ على الأرجح -حسب الكاتب- لأن الجمهورية الإسلامية حافظت على تماسك ملحوظ منذ بدء الهجمات، ولا يزال نظام القيادة والسيطرة قائما رغم خسارة العديد من القادة.

مصدر الصورة قيادة إيران الجديدة تستخدم هذه الحرب لتعزيز موقعها الداخلي (الصحافة الإيرانية)

وإضافة إلى ذلك تحتفظ إيران بقدرة كافية على إطلاق الصواريخ، وقد استطاعت بسرعة تعيين مجتبى خامنئي زعيما أعلى جديدا، كما يرى الكاتب في مقاله بمجلة فورين أفيرز.

وليس هذا الصمود مفاجئا -حسب الكاتب- لأن طهران كانت تستعد، على مدى أكثر من عقدين منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، لهجوم أمريكي واسع، وتشير إلى أنها سترد بعنف، في إستراتيجية بنيت على إحداث أكبر قدر من الفوضى بهدف استعادة الردع، وهو ما قامت به بالفعل.

وأشار الكاتب إلى أن قيادة إيران تستخدم هذه الحرب لتعزيز موقعها الداخلي، بعد أن كان النظام قبل بدء القصف، يواجه حالة من عدم الشعبية العميقة في الداخل، مع احتجاجات متكررة لم يتمكن من قمعها إلا عبر مزيد من القمع.

ولذلك فإن الحرب مع واشنطن توفر له مصدرا جديدا محتملا للشرعية، لأنها تتيح للقادة الإيرانيين القول إنهم يقفون بشجاعة في وجه "غزاة أجانب"، كما تعزز شعورا بالتماسك يشبه ما نشأ بعد الحرب الإيرانية العراقية.

وإذا كانت ردود إيران قبل الحرب تتسم بالحذر وتجنب استفزاز هجوم مباشر على أراضيها، فقد أصبحت القيادة الإيرانية الآن ترى أن قواعد الحرب لم تعد قائمة، وأن اغتيال المرشد الأعلى خلال شهر رمضان جعل تقريبا كل الأهداف "مشروعة".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا