مع استمرار الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في مقابلة مع قناة إن بي سي الأميركية، أن طهران لن تغلق مضيق هرمز.
لكن الممر بقي مغلقاً تقريباً بفعل الحرب. السفن التجارية وناقلات النفط والغاز اختارت عدم المرور عبره، وهو ما رفع تكاليف النقل والتأمين، وأربك أسواق الطاقة في الدول المصدّرة والمستهلكة على حدّ سواء.
من بين هذه الدول الصين، المستورد الأكبر للطاقة في العالم، والتي سارعت إلى إجراء محادثات مع ايران للسماح لسفن النفط الخام والغاز الطبيعي المسال القطري بالمرور الآمن عبر مضيق هرمز، بحسب ما ذكرت ثلاثة مصادر دبلوماسية لرويترز الخميس.
وتعتمد بكين بدرجة كبيرة على نفط الشرق الأوسط. ويقول هنري توغندهات، من معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، إن “هرمز يبقى القلق الرئيس للصين، لأن نحو 45% من وارداتها النفطية تمر عبره”.
فكيف يمكن لأي اضطراب في منطقة الخليج أن ينعكس على اقتصاد الصين؟
الطريق الأسرع لانتقال تأثير الحرب إلى الصين يمر عبر أسعار الطاقة. فمع تصاعد التوترات في الخليج واستهداف إيران بعض المنشآت النفطية، تجاوز سعر النفط 80 دولار ً ا للبرميل وسط مخاوف من تعطل الإمدادات أو اتساع نطاق الصراع.
بالنسبة للصين، يمثل هذا الارتفاع عبئا اقتصاديا مباشرا كونها تستورد الجزء الأكبر من احتياجاتها النفطية. وتشير تقديرات الطاقة الدولية إلى أن أكثر من نصف وارداتها النفطية تأتي من الشرق الأوسط.
وقد بدأت آثار ذلك تظهر بالفعل، حيث خفّضت بعض المصافي الصينية معدلات التشغيل أو سرّعت أعمال الصيانة لتجنب شراء النفط بأسعار مرتفعة، بينما اتخذت الحكومة إجراءات لضمان استقرار السوق المحلية، من بينها تقليص مؤقت لصادرات الوقود المكرر.
ويظهر الضغط الأكبر في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الصلب والبتروكيماويات والأسمنت، وهي قطاعات أساسية في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على التصنيع والتصدير.
ومع ذلك، يرى باحثون أن الصين تمتلك عدة هوامش أو “عوازل” قد تمنحها وقتا للتعامل مع الأزمة.
الهامش الأول الذي يمكن للصين الركون إليه مؤقتاً هو الاحتياطيات النفطية.
في هذا الإطار، يقدّر توغندهات أن بكين بدأت، خلال العام الماضي، بناء مخزونها النفطي بشكل جدي، حيث بات يكفيها نحو 104 أيام، وهو ما يمنح الصين قدرة على شراء الوقت لا تملكها كثير من الاقتصادات الآسيوية التي تعتمد على الواردات اليومية.
وتبرز المقارنة مع كوريا الجنوبية هذا الفارق بوضوح. فقد أكد مسؤول كوري أن احتياطيات بلاده من الغاز الطبيعي المسال تكفي لنحو 9 أيام فقط، بينما تستورد سيول 20% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز.
العازل الثاني، الذي يشير إليه توغندهات، يتعلق بالنفط الإيراني الموجود أصلًا في البحر. فمع تراجع الطلب الصيني نسبيًا خلال 2025، بقيت الكثير من ناقلات نفط إيرانية قبالة السواحل بانتظار التفريغ، وهي معطيات بدأت تظهر منذ ديسمبر الماضي. وبهذا المعنى، تحوّلت حمولة هذه الناقلات إلى “مخزون عائم” يمكن للصين اللجوء إليه إذا احتاجت.
وهناك عامل آخر يمنح بكين قدرًا من المرونة، هو الإنتاج المحلي. فبحسب توغندهات، لا تزال الصين تنتج نحو 27% من استهلاكها النفطي محلياً، ما يخفف جزئياً من اعتمادها الكامل على الإمدادات البحرية.
لكن هذه “الهوامش”، مهما منحت الصين وقتاً إضافياً، لا تلغي حجم المخاطر إذا طال أمد الحرب.
بحسب أنطوان هالف، الزميل غير المقيم في مركز سياسة الطاقة العالمية في جامعة كولومبيا، فإن قدرة بكين على امتصاص الصدمة تبقى محدودة زمنياً.
يحذر هالف من أن إغلاقاً مطولاً لمضيق هرمز لن يقتصر أثره على نقص الإمدادات النفطية، بل قد يقود أيضاً إلى ركود اقتصادي عالمي بفعل اضطراب أسواق الطاقة والتجارة الدولية.
ويعتبر المضيق أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، إذ يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية وجزء كبير من صادرات الغاز الطبيعي المسال. وتكمن حساسية هذا المضيق بالنسبة للصين في اعتمادها الكبير على نفط الخليج. وهذا الاعتماد هو ما يفسر يقظة بكين الشديدة تجاه أي تصعيد في المنطقة، سعيًا لحماية مصالحها الطاقية.
ويفسر ذلك الدوافع التي تقف وراء المساعي الصينية للحفاظ على أمن الملاحة في هذا المضيف الحيوي.
وحتى في غياب إغلاق رسمي، يمكن أن تتعطل حركة الملاحة بسبب ارتفاع تكاليف التأمين وتخوف شركات الشحن من العبور، وهو ما يسميه خبراء الطاقة “الاختناق اللوجستي”.
يبقى السيناريو الأكثر خطورة هو احتمال تعطل الملاحة لفترة طويلة. وبحسب هالف، فإن حجم التأثير سيعتمد بشكل أساسي على مدة الإغلاق.
“من الصعب المبالغة في حجم التأثير إذا طال الإغلاق” يوضح هالف، مشيراً إلى اعتماد الصين على الخليج في أكثر من نصف وارداتها النفطية. وبالتالي، فإن أيّ اضطراب كبير في الإمدادات سيوجه صدمة واضحة للاقتصاد الصيني.
ومع ذلك، يرى هالف أن بعض النفط يمكن تحويله عبر مسارات بديلة تتجاوز المضيق، مثل ميناء جاسك الإيراني أو الفجيرة الإماراتي، أو عبر خطوط نقل إلى البحر الأحمر، لكنه يؤكد أن هذه المسارات لن تعوض سوى جزء محدود من الإمدادات المتوقفة.
على أن الأهم هو أن الصين لا تبدو مستعدة للانخراط المباشر في الصراع، رغم ما يفرضه من مخاطر. يقول توغندهات إن “هذه الأزمة ليست التلة التي ستموت عليها الصين، لكن ذلك لا يعني أنها ستبقى بعيدة عن القلق”.
المصدر:
الحرة
مصدر الصورة