لم تكن القمة الأفريقية التاسعة والثلاثون، المنعقدة في أديس أبابا (14–15 فبراير/شباط 2026)، مجرد اجتماع دوري في أجندة الاتحاد بل محطة كاشفة لعمق التحولات التي تعصف بالقارة.
فقد التأمت في سياق يتسم بتنامي الانقلابات العسكرية (3 انقلابات في مدغشقر وغينيا بيساو وبنين خلال الفترة من أكتوبر/تشرين الأول إلى ديسمبر/كانون الأول الماضيين فقط، نجح اثنان في حين فشل الثالث)، واستمرار النزاعات المسلحة في السودان والكونغو الديمقراطية، وتصاعد التوترات الإقليمية في القرن الأفريقي، فضلًا عن تداعيات الاعتراف الإسرائيلي الأحادي بأرض الصومال. وجاء انعقادها في ظل قيادة جديدة للمفوضية برئاسة محمود علي يوسف، بما أضفى عليها بُعدًا سياسيًّا إضافيًّا، خاصة في ما يتصل بالقضايا الأفريقية/العربية التي حضرت بقوة في النقاشات والبيان الختامي.
يمكن القول بوجود عدة ملاحظات أولية، بعضها يتعلق بالجانب الشكلي: الحضور والمشاركة، وبعضها الآخر يتعلق بالمضمون: قضايا النقاش.
أولًا: إن فكرة مشاركة إسرائيل لم تكن مطروحة هذه المرة عكس القمة الماضية التي استبقتها مفوضية الاتحاد بصدور بيان عنها يقضي بمشاركة الأعضاء المراقبين بالاتحاد (87 عضوًا) فقط، مقابل عدم مشاركة السفراء المعتمدين لدى دولة المقر، إثيوبيا، والبالغ عددهم 135 سفيرًا معتمدًا، منهم إسرائيل التي استغلت ذلك لمحاولة المشاركة، عامي 2023 و2024، لكن تم طردها.
وبالتالي لم تشارك أو تحاول إسرائيل المشاركة هذه المرة عكس المرات السابقة، خاصة في ظل وجود يوسف على رأس المفوضية، وهو الرافض لفكرة التطبيع مع إسرائيل أو حتى حصولها على صفة مراقب في الاتحاد.
ثانيًا: عودة غينيا للمشاركة في أعمال القمة بعد قرار مجلس السلم والأمن عودتها للاتحاد بعد تعليق عضويتها عام 2021 بعد الانقلاب الذي أطاح بالرئيس، ألفا كوندي.
هذا القرار جاء بعد الانتخابات التي شهدتها البلاد نهاية ديسمبر/كانون الأول الماضي، وأسفرت عن فوز قائد المجلس العسكري، مادمادي دومبويا، بنسبة بلغت 86.72%.
لكن في المقابل هناك 6 دول ما زالت في انتظار قرار مماثل، وهي السودان، أكتوبر/تشرين الأول 2021، ومالي، يونيو/حزيران 2021، وبوركينا فاسو، يناير/كانون الثاني 2022، والنيجر، أغسطس/آب 2023، ومدغشقر، نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وغينيا بيساو، نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
لكن يُلاحظ في هذا الشأن تبني رئيس المفوضية مقاربة مختلفة بالنسبة لهذه الدول، فمن وجهة نظره لا يعني تعليق العضوية أنها مطرودة أو مرفوضة في الاتحاد الأفريقي؛ حيث أعطى يوسف تعليماته للجهات المعنية في الاتحاد بضرورة مشاركة هذه الدول أو معرفة رأيها في الأمور التي تتعلق بالتنمية المستدامة بالشؤون الإنسانية، عضوية النيباد، المراكز الصحية وغيرها.
ثالثًا: عدم توجيه القمة الدعوة لمشاركة عبد الله حمدوك، رئيس الوزراء السوداني المخلوع من قبل البرهان، بها، عكس القمة الماضية، والتي كانت بمنزلة عملية استفزازية للسودان، وهو ما أكده البرهان في حينها؛ حيث رفض في تصريحات له في اليوم التالي للقمة 38 العام الماضي، خارطة كل من الاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية للتنمية "إيغاد"، لوقف الحرب في السودان،.
كما أبدى غضبه من مشاركة حمدوك في أعمال القمة، وأعلن رفضه ما سماها "محاولات فرض حكومة من الخارج"، مؤكدًا: "ما دام أننا موجودون والشعب السوداني موجود، فلن يحكمنا أي ممن يتجولون في الخارج".
رابعًا: يرتبط بالنقطة السابقة حرص السودان هذه المرة على المشاركة في اجتماعات القمة رغم تعليق العضوية، والسعي لرفع هذا التعليق عكس المرة الماضية.
لذا كانت المشاركة السودانية غير الرسمية عبر وزير الخارجية، محيي الدين سالم، في اجتماعات مجلس السلم والأمن على المستوى الوزاري قبيل القمة، وهو ما انعكس في صدور بيان ختامي عن المجلس بخصوص السودان، عكس القمة 38 التي أدَّت حدَّة الانقسامات بها لفشل اجتماع المجلس على المستوى الرئاسي في إصدار بيان ختامي في حينها والاكتفاء بعقد مفوض مجلس السلم والأمن الأفريقي، بانكولي أديولي، بعدها بيومين جلسة خاصة لتوضيح بعض النقاط حول الصراع في السودان وغيره.
خامسًا: عدم تطرق القمة لموضوع سدِّ النهضة رغم التوترات المصرية-الإثيوبية الأخيرة.
ورغم أن موضوع القمة الرئيس جاء تحت عنوان "ضمان توافر المياه بشكل مستدام وأنظمة الصرف الصحي الآمنة لتحقيق أهداف أجندة 2063".
ورغم تصريحات رئيس المفوضية في افتتاح القمة بأهمية تحويل الموارد المائية إلى جسور للسلام والتقارب بين الشعوب الأفريقية، إلا أن عدم التطرق المباشر للموضوع قد يرجع لعدم الرغبة في إغضاب إثيوبيا دولة مقر الاتحاد الأفريقي.
ولعل هذا ربما يفسر أيضًا عدم حضور الرئيس المصري لهذه القمة، أو حتى رئيس حكومته، والاكتفاء بمشاركة وزير الخارجية، رغم أن جدول أعمال القمة تضمن كلمة للسيسي بوصف مصر رئيسة مجلس السلم والأمن لهذا الشهر، فبراير/شباط.
سادسًا: يرتبط بالنقطة السابقة، عدم الإشارة الواضحة للنزاع الإثيوبي-الإريتري بخصوص موضوع الحدود ورغبة إثيوبيا في أن يكون لها منفذ على البحر الأحمر، وفي مراجعة اتفاقية الحدود بينهما. ويبدو مرة أخرى أن القمة تراعي أنها تُعقد في إثيوبيا دولة المقر، مع أن التصعيد بخصوص الحدود من جانب أديس أبابا، وليس من قبل أسمرة، وقد يؤدي عدم تسويته إلى حدوث مواجهات وحرب بين الجانبين على غرار ما حدث في الفترة من 1998-2000.
سابعًا: عدم اتخاذ المجلس إجراءات فعلية للحدِّ من ظاهرة الانقلابات العسكرية، خاصة ما يتعلق بعدم السماح بتحول العسكر من الزي العسكري إلى الزي المدني عبر انتخابات "شكلية" مضمونة النتائج لصالحهم، وما يترتب عليها من رفع تعليق العضوية في الاتحاد عن الدولة التي شهدت هذه الانقلابات، وهذه الانتخابات "الهزلية" "كما حدث مع غينيا مؤخرًا".
وهي النقطة التي تطرق إليها الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في كلمته الافتتاحية، وأكدها أيضًا رئيس أنغولا، رئيس القمة المنتهية ولايته؛ حيث أشار إلى أن الانقلابات العسكرية في أفريقيا غير مقبولة لأنها تقوض النظام الدستوري ومن يحاولون الالتفاف بالانتخابات بعد الانقلابات غير مقبول.
لكن هذه التصريحات لم تلق آذانا صاغية لدى القادة الذين قد يقيدون أنفسهم حال اتخاذهم مثل هذا القرار، والذي يرتبط بأمر آخر لم يتم بحثه في هذه القمة، أو القمم السابقة عليها، وهو المتعلق برفض تعديل الدستور الوطني لأي بلد بما يسمح للرئيس بتولي السلطة أكثر من ولايتين متتاليتين، وهي الثغرة التي يستغلها العديد من الرؤساء لاستمرار بقائهم في السلطة دون تعارض "شكلي" مع قوانين الحوكمة والديمقراطية والحكم الرشيد في القارة. وهي الظاهرة التي تُعرف بالانقلاب الدستوري. لذا جاء البيان الختامي للقمة ليؤكد "فقط" على المبدأ التقليدي بعدم التسامح مطلقًا مع التغييرات غير الدستورية للحكومات.
ثامنًا: اعتماد القمة مذكرة التفاهم بين الاتحاد الأفريقي والمجموعات الاقتصادية الإقليمية والآليات الإقليمية بشأن استخدام قوة التدخل السريع الأفريقية التابعة لهذه المنظمات، داعية إلى تعزيز التنسيق والاستعداد العملياتي.
ومعنى هذا أن الاتحاد الأفريقي لا يزال يعوِّل كثيرًا على دور هذه المنظمات فيما يتعلق بتسوية الصراعات الواقعة في إطارها الإقليمي، وإن كان عليها إخباره بأية خطوات قد يتم اتخاذها في هذا الشأن من أجل ضمان استمرار التنسيق بينهما. وهو أمر أكدته نصوص البروتوكولات المنشئة لهذه الآليات.
فعلى سبيل المثال، نصَّت المادة 52 من البروتوكول المنشئ لآلية الإيكواس لمنع وإدارة وحل الصراع وحفظ السلام والأمن (1999) على أنه ينبغي للآلية، فيما يتعلق بتنفيذ مهامها لحفظ السلم والأمن، التعاون الكامل مع آلية منظمة الوحدة الأفريقية في حينها، كما ينبغي عليها، وفقًا لأحكام الفصلين السابع والثامن من ميثاق الأمم المتحدة، إعلام المنظمة الدولية بأي تدخل عسكري تقوم به.
تاسعًا: التأكيد مجددًا على الموقف الأفريقي المشترك بشأن إصلاح مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وتكرار الطلب الأفريقي بضرورة التمثيل العادل لأفريقيا في مؤسسات الحوكمة العالمية، وهو ما أكد عليه غوتيريش في كلمته أمام القمة.
حيث أشار إلى أن غياب أفريقيا عن المقاعد الدائمة في مجلس الأمن الدولي أمر لا يمكن السكوت عنه، وأن الوقت قد حان لتصحيح المظالم التاريخية التي تعرضت لها القارة، التي يجب أن تكون شريكًا أصيلًا في صنع القرار العالمي لا مجرد موضوع للنقاش. لكن يبدو أن هذه التصريحات لم تُترْجَم لواقع عملي في هذه القمة أو في سابقتها.
رغم أهمية قضيتي السودان والصومال قبيل انعقاد القمة إلا أنه من الواضح أن وجود شخصية إفريقية/عربية، مثل محمود علي يوسف، أسهم في مزيد من الاهتمام بها.
فالمفوضية تعد بمنزلة الجهاز التنفيذي الرئيسي للاتحاد الأفريقي، وهي المسؤولة عن تنفيذ السياسات والقرارات التي يقرها مؤتمر الاتحاد (رؤساء الدول والحكومات) والمجلس التنفيذي (وزراء الدول الأعضاء)، كما تعمل أمانةً عامةً للاتحاد الأفريقي، وتؤدي أدوارًا جوهرية لدعم أهداف الاتحاد، وأبرز مهامها: تنفيذ القرارات وتنسيق الأنشطة ووضع السياسات وتعزيز التكامل الأفريقي والترويج للمصالح الأفريقية وإدارة الشؤون الإدارية والمالية وتعزيز حقوق الإنسان والديمقراطية وإدارة الأزمات والنزاعات.
ولقد أدرك رؤساء الدول الأفريقية أهمية منصب رئيس المفوضية، لأنه لا يعكس فقط مصالح القارة وإنما السياسة الخارجية للدولة التي يمثِّلها المفوض وذلك بالمخالفة لميثاق الاتحاد لكن هذا ما كان يحدث فعليًّا أو على الأقل خلال الفترة الماضية.
وهناك أمثلة عديدة منها تبني رئيسة المفوضية الأفريقية السابقة، دلاميني زوما، عام 2016، حق شعب الصحراء في تقرير مصيره الذي قد يؤدي للانفصال، مؤكدةً في قمة الاتحاد الأفريقي بإثيوبيا، يناير/كانون الثاني 2016، أن الدول الأفريقية مدينة للشعب الصحراوي بالعمل على تنظيم "استفتاء تقرير المصير لأن ذلك كان وعدًا"، وهو نفس ما أكده في حينها رئيس القمة، روبرت موغابي، رئيس زيمبابوي؛ حيث قال في افتتاحيته: "ما زالت لدينا مسألة الصحراء الغربية وهي دَيْنٌ علينا يجب أن ندفعه لشعبها، ويبقى السؤال: متى ندفع هذا الدين؟ ومتى نقرر استقلال الشعب الصحراوي؟"
هذا التبني حدث رغم قيام 28 دولة من دول الاتحاد في حينها "أي أكثر من نصف عدد الدول الأعضاء" بالتوقيع على طلب تعليق عضوية الجمهورية الصحراوية لتسهيل عودة المغرب لعضوية الاتحاد.
هذا الموقف تكرر مرة أخرى مع تبني رئيس المفوضية المنتهية ولايته، موسى فكي، فكرة حصول إسرائيل على عضوية مراقب في الاتحاد عام 2021، وتبني المرشح السابق، رايلا أودينجا، ذات الموقف أيضًا.
صحيح أن مثل هذه التوجهات الخاصة برئيس المفوضية لا يمكن حسمها بقرار مباشر منه، لكنه قد يستطيع توجيه كل من المجلس التنفيذي ومؤتمر رؤساء الدول بشأنها على اعتبار أنه المسؤول الأول عن الأجندة التي تقدم لكليهما.
وهو ما قد يدفع إلى الاعتقاد بأن القضايا العربية مثل فلسطين، فضلًا عن التعاون العربي الأفريقي، ورفض التدخلات الخارجية في شؤون القارة، ستكون في مقدمة الأجندة الأفريقية خلال السنوات الأربع القادمة "مدة الولاية الأولى ليوسف"، ويبدو أن هذا هو ما نشاهده في أرض الواقع.
استحوذت قضية الصومال على اهتمام مجلس السلم والأمن؛ حيث كانت الأوضاع الداخلية في هذا البلد الأفريقي/العربي في مقدمة أولوياته، لاسيما فيما يتعلق بالاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، والوضع الراهن بخصوص البعثة الأفريقية لحفظ السلام هناك "أوسوم" (AUSSOM). فقد أدان المجلس، وكذلك البيان الختامي، بشدة الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، وأعلن رفضه الاعتراف أحادي الجانب بـ"ما يسمى بجمهورية أرض الصومال"، داعيًا للإلغاء الفوري للقرار، البند 8.
أولًا: ترحيب المجلس في البند 15 بإرسال مصر قوات دولية للمساهمة في هذه البعثة بدل قوات بوروندي المنسحبة، علمًا بأن هذه القوات المصرية ستعمل جنبًا إلى جنب القوات الإثيوبية والأوغندية التي أشاد المجلس في البند 14 بدوريهما في البعثة من خلال إرسالهما قوات إضافية بدل قوات الدول الراغبة في الانسحاب.
وبالرغم من أن هذه الخطوة "المشاركة المصرية وزيادة عدد القوات الإثيوبية والأوغندية" قد تنعكس إيجابيًّا على أداء البعثة، إلا أن هناك بعض المخاوف من حدوث آثار عكسية بسبب الخلافات الراهنة بين مصر وإثيوبيا بخصوص سدِّ النهضة.
ثانيًا: بالنسبة لإشكالية تمويل البعثة الأفريقية، فيُلاحَظ أن المجلس أقرَّ بمشكلة التمويل الأفريقي الذاتي لهذه القوات، وتبنَّى صياغات عامة في هذا الشأن "تكثيف حشد الموارد بهدف تأمين تمويل مستدام وقابل للتنبؤ ومرن ومتعدد السنوات للبعثة، والطلب من مفوضية الاتحاد الأفريقي مواصلة مشاركاتها مع مجلس الأمن الدولي لتطبيق قراره رقم 2719 (2023) بشأن البعثة؛ وحث المجلس على الوفاء بمسؤوليته الأساسية في صون السلم والأمن الدوليين؛ ومناشدة شركاء الاتحاد الأفريقي بدعم الجهود الجارية والنظر في المساهمة بشكل مباشر في تمويل بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال"، البند 16 من قرارات المجلس.
كذلك قام المجلس بالتعويل على تمويل المنظمات الإقليمية والجهات المانحة الأخرى لهذه البعثة، خصوصًا مع قرار ترامب بوقف تقديم التمويل اللازم لها؛ حيث أعرب المجلس في البند 17 عن تقديره العميق للمنظمات الإقليمية والثنائية ومتعددة الأطراف، بما في ذلك الدول المانحة، لمساهمتها القيِّمة في السلام والاستقرار في الصومال، ودعم الجهود الجارية لتأمين تمويل كاف متعدد السنوات ويمكن التنبؤ به ومستدام ومرن لهذه البعثة. لكن يبدو أن مشكلة التمويل ستظل عائقًا أمام قيام الأوسوم بتحقيق أهدافها.
كان من الواضح قبل بدء القمة، وجود اهتمام بقضية السودان خاصة بعد إعلان الخرطوم قبل انعقادها العودة للهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية "الإيغاد" بعد إلغاء البرهان القرار الذي اتخذه، في يناير/كانون الثاني 2024، بتعليق عضويته فيها بعد سماحها بمشاركة قائد قوات الدعم السريع، حميدتي، في قمة استثنائية عُقدت في أوغندا، وربط حينها عودة بلاده للمنظمة باعتذار الإيغاد عن ذلك.
كما رفض خطة خارطة طريق إيغاد منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من عامين، عندما أعلنت وجود فراغ دستوري في السودان، يستلزم نشر قوات من إقليم شرق أفريقي. كما كان من الواضح حرص البرهان هذه المرة على مشاركة السودان ورغبته في رفع تعليق عضوية بلاده في الاتحاد منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025..
لقد أكد مجلس السلم والأمن الاعتراف بالحكومة السودانية الحالية "موقف أقرب للبرهان"، ورفض الحكومة الموازية من قبل التحالف التأسيسي السوداني (تأسيس) بقيادة قوات الدعم السريع، وطالب جميع الدول الأعضاء والشركاء بعدم الاعتراف بما يسمى بـ"الحكومة الموازية"، مع إعادة تأكيد دعمه لسيادة السودان ووحدة أراضيه داخل حدوده المعترف بها دوليًّا، البند 11.
لكن ومع ذلك، ورغم إدانة المجلس للانتهاكات التي تقوم بها الدعم السريع في الفاشر، البند 3، إلا أنه لم يستبعد هذه "الميليشيات" من أي عملية سياسية، بل أكد -وفق البند 7- ضرورة استئناف حوار شامل بين السودانيين يركز على المصالحة والبحث عن حل سياسي ودي، تحت رعاية العملية التي يقودها الاتحاد الأفريقي، بالتنسيق مع (إيغاد) والأمم المتحدة والدول المجاورة ومسارات دعم السلام الإقليمية والدولية الأخرى في السودان، بما في ذلك الحوار الرباعي "مصر والسعودية والإمارات والولايات المتحدة"، والخماسي "الاتحاد الأفريقي، وإيغاد، والجامعة العربية، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة"، دعمًا لخفض التصعيد، وهدنة إنسانية، ووقف الأعمال العدائية، من أجل استعادة السلام والاستقرار في السودان.
ويلاحَظ من جهة أخرى اكتفاء المجلس بالتنديد برفض التدخلات الخارجية في السودان، لكن دون إدانة واضحة مثلًا للدول التي تدعم قوات الدعم السريع؛ حيث جاء في البند 10: "يدين المجلس بشدة التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية للسودان ويدعو جميع الجهات الفاعلة الخارجية للامتناع عن الأعمال التي من شأنها أن تستمر في تأجيج الصراع".
كما يلاحظ كذلك عدم تراجع المجلس عن قراره الصادر، في أكتوبر/تشرين الأول 2021، بشأن تعليق عضوية الخرطوم بالاتحاد، وهو ما حدا بالقوى المشاركة في حكومة تأسيس "الموازية" لوصف هذا الموقف بأنه "تاريخي"
تكشف هذه القمة، بكل ما أحاط بها من رهانات وتحديات، عن مفارقة إفريقية عميقة: وفرة في الخطاب، وحذر في الفعل. فبين التأكيد على المبادئ الكبرى، والتردد في معالجة جذور الأزمات، تظل القارة تدور في فلك المعالجات الجزئية والتوازنات السياسية الضيقة.
إن الاتحاد الأفريقي أمام اختبار تاريخي: إما أن يتحول من منصة بيانات إلى أداة صناعة قرار فعَّال، أو يبقى إطارًا بروتوكوليًّا يواكب الأزمات دون أن يسبقها. وحين تدرك النخب الأفريقية أن السيادة لا تُصان بالخطاب بل بالإرادة، وأن الاستقرار لا يُستوْرَد بل يُبنى، آنذاك فقط يمكن أن تبدأ أفريقيا كتابة فصل جديد من تاريخها السياسي بمداد الفعل لا حبر البيانات.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة