منذ أسابيع، ومع تصاعد خطاب التهديد بين الولايات المتحدة وإيران، تجدّد الحديث عن احتمال تصعيد عسكري في المنطقة، ودخل كثيرون في حالة ترقّب لمعرفة كيف يمكن أن ينعكس ذلك على حياتهم اليومية.
في منطقتنا العربية، تتباين التجارب بين دول شهدت حروباً وصراعات مسلّحة خلال فترات مختلفة، وأخرى لم تعرف القصف المباشر في تاريخها الحديث، لكنها لم تكن بمنأى عن التأثيرات السياسية والنفسية المرتبطة بالتوتّرات الإقليمية.
ففي دول اختبرت نزاعات متكرّرة، أصبحت تداعيات الحرب جزءاً من الحياة اليومية والذاكرة الجمعية، تنتقل آثارها عبر الأجيال.
أمّا في دول أخرى، فقد أسهمت التهديدات المستمرة وأخبار التصعيد في تشكيل حالة من القلق والتعاطف، إلى جانب الترقّب لانعكاس الأزمات على واقعها الاقتصادي، أو أسعار السلع والمحروقات، أو حركة الطيران.
في عمّان أو القاهرة أو الرياض، قد لا تُسمع أصوات القصف يومياً، لكن عبارات مثل "تصعيد" و"ضربة محتملة" و"رد عسكري" تتكرّر في نشرات الأخبار على نحو شبه مستمرّ.
وفي فترات الهدوء في مدن مثل بيروت أو دمشق أو غزة، قد يمرّ يوم كامل من دون انفجار واحد. المقاهي مفتوحة، المدارس تعمل، وحركة السير تمضي ببطئها المعتاد. غير أنّ التغطيات الإعلامية التي تتناول احتمالات الحرب تظلّ حاضرة، وتصل إلى مسامع مشاهدين خبروا الحروب بأعنف صورها، وتستدعي لديهم قلقاً كامناً وتجارب لم تندثر آثارها.
تقول ماري المزوق، معالجة نفسية إكلينيكية متخصصة في العلاج المعرفي السلوكي، في مقابلة مع بي بي سي عربي: "عندما يعيش الناس تحت تهديد حرب طويل الأمد، فإن الجهاز العصبي لا يميز بين حرب تحدث فعلاً وحرب قد تحدث. الجسد يستجيب لتوقع الخطر بحد ذاته".
تُعرّف "هيئة الخدمات الصحية الوطنية" في بريطانيا الضغط النفسي بأنه "استجابة طبيعية لضغط ذهني أو عاطفي".
غالباً ما يرتبط هذا الشعور بالإحساس بفقدان السيطرة. وعندما يشعر الإنسان بالخوف أو القلق، يفرز الجسم هرمونات التوتر مثل الأدرينالين والكورتيزول.
قد يكون هذا مفيداً أحياناً، لأنه يساعد على التركيز واليقظة وإنجاز المهام. لكن إذا استمر الضغط لفترة طويلة، فقد يتحول إلى مشكلة.
توضح الهيئة أن الضغط يمكن أن يسبب أعراضاً جسدية مثل: الصداع أو الدوار، توتر أو ألم في العضلات، مشكلات في المعدة، ألم في الصدر أو تسارع ضربات القلب، ومشكلات جنسية.
كما قد يسبب أعراضاً نفسية مثل: صعوبة في التركيز، صعوبة في اتخاذ القرارات، الشعور بالإرهاق، القلق المستمر، والنسيان.
وقد تظهر تغيرات في السلوك، مثل: سرعة الانفعال، النوم أكثر من اللازم أو أقل من اللازم، الأكل أكثر من اللازم أو أقل، تجنب أماكن أو أشخاص معينين، زيادة التدخين أو شرب الكحول
وتشير الهيئة إلى أنه ليس من السهل دائماً ملاحظة أن الضغط هو سبب هذه التغيرات.
في هذا السياق، تقول المعالجة ماري المزوق لبي بي سي عربي إن الخطاب السياسي المتكرر عن الحرب "يبقي الدماغ في حالة بحث مستمر عن الخطر، حتى من دون وجود قصف فعلي". وتضيف: "ما بتنا نعاينه إكلينيكياً ليس مجرد قلق تقليدي، بل جهاز عصبي لا ينطفئ بالكامل".
وتوضح أن كثيرين في أماكن متأثرة بالنزاعات، مثل لبنان وسوريا والأراضي الفلسطينية والعراق، يعانون من توتر عضلي مستمر، اضطرابات هضمية، أرق، صداع، خفقان في القلب، وإرهاق مزمن. وتؤكد: "هذه ليست أعراضاً متخيلة، بل استجابة بيولوجية لعدم اليقين الطويل".
بحسب "جمعية علم النفس الأمريكية" فإن الضغط يصبح أكثر خطورة عندما يبدأ بالتأثير في القدرة على عيش حياة طبيعية لفترة طويلة. كلما طال أمد الضغط، زادت آثاره على العقل والجسم.
وتحذر الجمعية من أن التنشيط الطويل لنظام الاستجابة للضغط، والتعرض المستمر للكورتيزول وغيره من هرمونات التوتر، يمكن أن يعطل معظم عمليات الجسم.
وقد يزيد ذلك من خطر: القلق والاكتئاب، مشكلات الجهاز الهضمي، الصداع وتوتر العضلات، أمراض القلب والنوبات القلبية، ارتفاع ضغط الدم والسكتة الدماغية، اضطرابات النوم، زيادة الوزن، وضعف الذاكرة والتركيز.
كما تشير الجمعية الأمريكية إلى أن الضغط المزمن قد يضعف جهاز المناعة، ما يجعل التعافي من الأمراض أكثر صعوبة. وقد يؤدي أيضاً إلى سلوكيات غير صحية يلجأ إليها بعض الأشخاص للتأقلم، مثل الإفراط في الأكل أو التدخين.
في هذا الإطار، توضح المزوق أن الجسم "غير مصمم للبقاء في وضعية (القتال أو التحفّز) للبقاء على قيد الحياة إلى أجل غير محدد". وتشرح أن الكورتيزول يساعدنا على البقاء يقظين والاستجابة للخطر، "لكن عندما يبقى مرتفعاً لفترات طويلة، يمكن أن يؤثر في النوم، والمناعة، والمزاج، والهضم، والصحة الجسدية بشكل عام".
وتضيف أن التعرض المتكرر لأخبار التهديد وخطاب الحرب يعزز أنماط التفكير الكارثي. فعندما تكون لغة الحرب جزءاً من الحياة اليومية، يصير العقل في حالة استعداد لأسوأ السيناريوهات كنوع من الحماية الذاتية، "لكن هذا الاستعداد له كلفة نفسية عالية".
وتشدد على نقطة أساسية: "كثير من الناس في هذه المناطق (الموجودة تحت تهديد حرب مستمرّة) لا يبالغون في ردود فعلهم. استجاباتهم متناسبة مع البيئة التي يعيشون فيها".
تؤكد "هيئة الخدمات الصحية الوطنية" في بريطانيا أن هناك خطوات عملية يمكن أن تساعد في التعامل مع الضغط، منها:
كما توصي "جمعية علم النفس الأمريكية" بالتالي:
من جانبها، تقترح المزوق أدوات عملية لتنظيم الجهاز العصبي وخفض مستويات الكورتيزول، وتقول: "خفض الكورتيزول لا يعني تجنب الواقع، بل إعطاء الجهاز العصبي إشارات أمان كافية كي يتعافى".
ومن بين هذه الأدوات:
وتختم المزوق حديثها لبي بي سي عربي بالقول: "الصحة النفسية في مناطق النزاع ليست مرتبطة فقط بصدمة الماضي، بل أيضاً بعبء الانتظار؛ انتظار أمر خطير قد يأتي أو قد لا يأتي".
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة