في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
يشهد القطب الشمالي -منذ مطلع العام الجاري- حشدا عسكريا أوروبيا غير مسبوق؛ فمع إصرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على الاستحواذ على جزيرة غرينلاند التابعة للدانمارك، وتلويحه باستخدام القوة أو الضغوط الاقتصادية ثم تراجعه عن ذلك، انتقل الموقف الأوروبي من التركيز على أروقة الدبلوماسية لحل الأزمة إلى تعزيز الوجود العسكري في الجزيرة.
الموقف الأوروبي الذي بدأ بالتنديد والتفاوض سرعان ما أخذ منعطفا آخر بعد يوم من لقاء عقد في واشنطن في منتصف يناير/كانون الثاني الماضي بين مسؤولين من الولايات المتحدة والدانمارك وغرينلاند، وخلص إلى وجود خلاف جوهري بين تلك الأطراف بشأن الجزيرة التي تتمتع بحكم ذاتي تحت السيادة الدانماركية.
وفي اليوم التالي للاجتماع المذكور، أعلنت دول أوروبية إرسال بعثة عسكرية مشتركة إلى الجزيرة، وتتالت بعد ذلك المبادرات والمناورات العسكرية الرامية إلى تعزيز الوجود العسكري الأوروبي في المنطقة.
وقدم المسؤولون الأوروبيون مبررات عديدة لذلك، تراوح بين "تعزيز الأمن في وجه التهديدات الروسية والصينية في القطب الشمالي" كما ورد في تصريحات لوزير الدفاع الدانماركي ترولس لوند بولسن في 14 يناير/كانون الثاني الماضي، في خطوة بدت ردا على ما ورد في تصريحات لترمب برر فيها سعيه للاستحواذ على الجزيرة بسد الباب أمام أطماع موسكو وبكين في الاستحواذ عليها.
وتسارعت -منذ ذلك الوقت- خطوات الدانمارك وحلفائها الأوروبيين إلى فرض واقع عسكري جديد يهدف إلى ترسيخ السيادة وصد الأطماع الخارجية.
في منتصف يناير/كانون الثاني 2026، أطلقت الدانمارك مناورات "الصمود القطبي" (Arctic Endurance)، التي مثلت التحول الأبرز في الإستراتيجية الدفاعية الدانماركية بشأن غرينلاند.
وقال وزير الدفاع الدانماركي إن الهدف من هذه العملية هو إقامة وجود عسكري أكثر ديمومة في الجزيرة بالاعتماد على الجيش الدانماركي وحلفائه، عبر تنفيذ تدريبات مشتركة وتعزيز الانتشار العسكري.
وأعلن الجيش الدانماركي استمرار العملية والمناورات طوال عام 2026، معززا وجوده بـ200 جندي إضافي، كما أعلن نشر فرقاطة حربية وطائرات مقاتلة من طراز " أف 35" في الجزيرة.
ولم تكن الدانمارك وحيدة في هذا التحرك؛ إذ سارعت فرنسا لإرسال نخبة من مشاتها الجبليين (Chasseurs Alpins) المتخصصين في القتال وسط الثلوج، وأعلنت باريس إرسال 15 جنديا منتصف يناير/كانون الثاني الماضي.
تلا ذلك وصول خبراء استطلاع من ألمانيا، بالإضافة إلى مشاركة رمزية وفنية من دول مثل السويد، والنرويج، وفنلندا، وبريطانيا، وهولندا، وبلجيكا، عبر إرسال ضباط ارتباط وفرق استطلاع متخصصة.
ووثقت وسائل إعلام تدفق عشرات الجنود الأوروبيين إلى غرينلاند منذ الشهر الماضي، تزامنا مع نشر أصول عسكرية في الجزيرة.
وفي خطوة جديدة تعزز الوجود الأوروبي في القطب الشمالي، أعلن حلف شمال الأطلسي ( الناتو) الأربعاء إطلاق عملية عسكرية جديدة سماها "حارس القطب الشمالي"، مؤكدا أنها ستنسق الوجود العسكري المتزايد للحلفاء في المنطقة، وتتضمن تدريبات على غرار تلك التي تجريها الدانمارك في غرينلاند.
ولم يحدد الحلف عدد القوات أو أنواع الأصول العسكرية المشاركة في المهمة، لكن الأمين العام للحلف مارك روته قال إن المهمة ستجمع جهود مختلف أعضاء الناتو تحت قيادة واحدة.
ورأى مراقبون في الخطوة سعيا من الحلف إلى نزع فتيل التوتر الشديد بين أعضائه بعد المساعي الأمريكية للاستحواذ على غرينلاند.
وسارعت دول أوروبية عديدة بإعلان مشاركتها في العملية التي أطلقها الحلف، من بينها ألمانيا، التي أكد وزير دفاعها بوريس بيستوريوس أن جيش بلاده سيشارك في المرحلة الأولى من المهمة بأربع طائرات من طراز "يوروفايتر" وقدرات للتزود بالوقود جوا، مشيرا إلى استمرار التنسيق بين أعضاء الحلف بشأن الخطوات التالية خلال اليومين المقبلين.
كما أعلنت السويد -اليوم الخميس- أنها سترسل طائرات مقاتلة من طراز "غريبن" للقيام بطلعات جوية في المنطقة المحيطة بآيسلندا وغرينلاند ضمن العملية التي أطلقها الناتو.
وقال رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترشون -في بيان- إن هذه الخطوة "تعزز الردع وتحمي مصالحنا المشتركة، وتسهم في استقرار منطقة بالغة الأهمية لأوروبا، وتعزز التعاون عبر الأطلسي".
وأضاف "ستساهم السويد مبدئيا في مهمة حارس القطب الشمالي بمقاتلات جاس 39 غريبن في المنطقة المحيطة بآيسلندا وغرينلاند".
وقال الجيش السويدي -في بيان منفصل- إن عددا لم يحدده من القوات السويدية سيكون على الأرض أيضا في غرينلاند.
وأضاف "سيجري جنود من القوات الجوية والجيش السويدي تدريبات في غرينلاند لمدة أسبوعين".
وفي ظل هذه التعزيزات العسكرية، تتحول غرينلاند تدريجيا من منطقة حكم ذاتي هادئة إلى "ثكنة قطبية" دولية، تتشابك فيها الرغبة في صد المطامع الأمريكية مع ضرورة سد الثغرات أمام القوى الشرقية، بينما تحذر روسيا من أن هذه "العسكرة المتسارعة" قد تنهي عهد التعاون في القطب الشمالي.
المصدر:
الجزيرة