توجد أطنان من احتياطيات الذهب الألمانية في أقبية بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في نيويورك . وهل هذه الثروة من الذهب في مأمن من مصادرتها من قبل الحكومة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب ؟. أسئلة وأجوبة وجدل حول إمكانية إعادة سبائك الذهب إلى ألمانيا.
تعتبر احتياطيات الذهب الألمانية من ملكية البنك المركزي الألماني (دويتشه بوندسبانك). وتستخدم للحفاظ على استقرار القيمة النقدية. ومع أنَّ البرلمان الألماني (البوندستاغ) يمكنه "مناقشة مستقبل الاحتياطيات وضمانها"، كما يطالب العديد من السياسيين الألمان، ولكن القرار النهائي حول إيداع الاحتياطيات وتخزينها يعود إلى البنك المركزي الألماني.
تعتبر خزانة بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، والتي تحتوي على نحو 6 آلاف طن، أكبر منشأة لتخزين الذهب الحكومي في العالم. ويبلغ إجمالي احتياطيات الذهب الألمانية بحسب البنك المركزي الألماني 3350 طنًا.
ولكن هناك 1236 طنًا (37 بالمائة) من ذهب ألمانيا، بقيمة نحو 160 مليار يورو، مخزونة لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. وتوجد كمية أخرى من ذهب ألمانيا (13 بالمائة) مخزونة لدى بنك إنكلترا في لندن ، والباقي (50 بالمائة) لدى البنك المركزي الألماني في مدينة فرانكفورت الألمانية.
تعود هذه الاحتياطيات إلى فترة تأسيس النظام النقدي العالمي بموجب اتفاقية بريتون وودز في عام 1944. وهذا النظام المالي أسسته الولايات المتحدة الأمريكية ويحدد سعر صرف ثابت لجميع عملات الدول المنضوية في الاتفاقية مقابل الدولار الأمريكي . وانضمت ألمانيا إلى هذا النظام عام 1952.
وخلال الحقبة المعروفة باسم المعجزة الاقتصادية الألمانية في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، تم استبدال فوائض الصادرات الألمانية من الدولار بالذهب. ومن أجل التبسيط وتوفير التكاليف تم تخزين الذهب في الولايات المتحدة الأمريكية.
وكذلك لعبت الاعتبارات الأمنية دوراً خلال الحرب الباردة : كان لا بد من حفظ الذهب في مكان بعيد عن الاتحاد السوفيتي .
من الممكن أن يرتبط التخزين في الخارج بمخاطر. وفنزويلا خير مثال على أنَّ الذهب يجب أن يكون موجودًا داخل خزانة الدولة في حالات الطوارئ.
فقد رفض في عام 2018 بنك إنكلترا منح الحكومة الفنزويلية في كاراكاس حق الوصول إلى احتياطياتها من الذهب المخزنة في لندن. وبرر البنك رفضه هذا بسبب العقوبات المالية المفروضة على نظام الرئيس مادورو .
بالإضافة إلى ذلك لم يكن واضحاً بالنسبة لبنك إنكلترا من الذي يملك في حالة فنزويلا حق إصدار التعليمات. وذلك لأنَّ الحكومة البريطانية اعترفت في نهاية كانون الثاني/يناير 2019 - بالاتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول الاتحاد الأوروبي - بالسياسي المعارض آنذاك خوان غوايدو "كرئيس مؤقت" لفنزويلا، وسحبت اعترافها بمادورو كرئيس دولة شرعي.
يختلف الخبراء في الإجابة على هذا السؤال. والكثيرون منهم يطالبون بإعادة احتياطيات الألمانية إلى ألمانيا، ويبررون ذلك بفقدان الثقة في الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس الحالي دونالد ترامب.
وبالنسبة لشتيفان ريسه، خبير استراتيجيات سوق رأس المال في شركة الاستثمارات أكاتيس Die ACATIS Investment Kapitalverwaltungsgesellschaft mbH، من الممكن أن يقول ترامب "لقد استثمرتم قليلًا في الدفاع"، كما أوضح الخبير لـDW: "ومن الممكن أن يقول: هذا دين لنا عليكم ونحن نقوم بتسويته الآن".
وكذلك يرى أخيم فامباخ، رئيس "مركز لايبنيتس للأبحاث الاقتصادية الأوروبية" (ZEW)، أنَّ "الولايات المتحدة الأمريكية لا تعتبر حالياً شريكاً موثوقاً للاتحاد الأوروبي. ولذلك يجب إعادة تقييم الموثوقية بالولايات المتحدة الأمريكية".
بينما يعتقد آخرون أنَّ هذا رأي مبالغ فيه. وضمن هذا السياق قال يوهانس بيرمان، العضو السابق في مجلس إدارة البنك المركزي الألماني لـDW: "بصرف النظر عن مالك الذهب، إذا أقدمت الولايات المتحدة الأمريكية على مصادرته فجأة من مالكه، فستفقد نيويورك مكانتها كمركز لتجارة الذهب".
وبالمثل لا يرى رئيس البنك المركزي الألماني، يوآخيم ناغل، أية مخاطر. وحول ذلك قال في حوار مع صحيفة فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ الألمانية: "أنا لا أشك في بقاء ذهبنا محفوظًا بأمان لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك".
نعم. وذلك بسبب الأزمة المالية العالمية في عام 2008 وأزمة اليورو في عام 2010. في الفترة بين عامي 2013 و2017 نقل البنك المركزي الألماني نحو 300 طن من ذهب ألمانيا من الولايات المتحدة الأمريكية و374 طناً من فرنسا إلى مقر البنك الاتحادي الألماني في مدينة فرانكفورت.
نعم. فقد سحب البنك المركزي الهولندي من نيويورك في عام 2014 نحو 122 طناً من الذهب، وذلك بحجة التمكن من الوصول بسرعة إلى احتياطيات الذهب في حالة الأزمات. وقد راجعت النمسا و بلجيكا استراتيجيات تخزين ذهبهما. ومنذ عام 2018 زادت المجر و بولندا من مخزوناتهما، ولذلك أعادتا احتياطياتهما إلى اخل أراضيهما.
بيع الذهب لتأمين السيولة: تقوم روسيا باستمرار منذ غزوها أوكرانيا ببيع أجزاء من احتياطياتهاصورة من: Tass Belousov Vitaly/dpa/picture-allianceعلى الرغم من من أنَّ العقبات التي تعترض هذا الاستخدام كبيرة، إلا أنَّ هذا الاتجاه يسير على قدم وساق. فقد باعت روسيا ، بحسب تقارير إعلامية محلية، جزءاً من احتياطياتها لتمويل ميزانيتها. ولذلك فقد انخفضت احتياطات الذهب لدى صندوق الثروة السيادي الروسي من 405.7 طن إلى 173.1 طن منذ الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.
وبحسب بيانات منصة "غولد ريبورتر" Goldreporter، تستخدم كل من تركيا وأوزبكستان وكازاخستان احتياطياتها من الذهب بشكل منتظم من أجل تأمين السيولة.
وفي إيطاليا يطالب الحزب الحاكم "فراتيلي دي إيطاليا" ("إخوة إيطاليا") بضرورة اعتبار الاحتياطيات ملكية عامة.
ويرى الخبراء في مثل هذا التعريف خطرًا يتمثل في أنَّ الحكومات المستقبلية يمكنها بهذه الطريقة استخدام احتياطيات الذهب بشكل أسهل من أجل سداد الديون أو تمويل الميزانية. وهذا التدخل السياسي قد يهز ثقة المستثمرين الدوليين.
أعده للعربية: رائد الباش
المصدر:
DW