في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تقف حلب">مدينة حلب اليوم، بعد سنوات من الحرب، عند مفترق طرق صعب بين ذاكرة الخراب ومحاولات حثيثة لإعادة الحياة لشوارعها، في وقت يعود فيه ملايين السوريين إلى أحياء مدمّرة تفتقر إلى الحدّ الأدنى من مقومات العيش.
وأوضح تقرير مطول نشرته صحيفة غارديان البريطانية، وأعدّه المصوّر والصحفي غيث عبد الأحد، أن أحياء كاملة في حلب تحوّلت إلى هياكل أسمنتية فارغة، وأن مشاهد الحياة القليلة المتبقية باتت استثناء في مدينة كانت يوما من أقدم وأهم حواضر هذه المنطقة.
وحسب غارديان، عاد قرابة 3 ملايين سوري إلى البلاد بعد عام واحد من سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، كثيرون منهم استقروا في أحياء أشباح بلا ماء أو كهرباء.
وأضافت الصحيفة أن مسؤولا محليا في حلب قدّر أن نحو ثلثي المدينة مدمّر، وأن إزالة الركام وحدها ستستغرق سنوات طويلة، بينما قد تحتاج المدينة إلى عقود لتعود إلى ما كانت عليه.
وأكد المسؤول -الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن اسمه- أن معظم جهود الترميم حاليا فردية وغير منظمة، مما يجعلها خطيرة، لكنها الخيار الوحيد أمام سكان لا يستطيعون تحمّل الإيجارات أو العيش في مخيمات.
ويأتي التقرير بعد أن شهدت أحياء مدينة حلب الشمالية، خلال الفترة من السادس إلى التاسع من يناير/كانون الثاني الجاري، تصعيدا عسكريا بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية ( قسد)، تركز بشكل أساسي في أحياء مثل الشيخ مقصود والأشرفية، إضافة إلى قصف متبادل شمل مناطق أخرى.
وانتهى القتال بخروج قسد كليا يوم 11 يناير/كانون الثاني من الحيين نحو مناطق شمال شرق سوريا.
وسلط التقرير الضوء على حي العامرية شمالي حلب، الذي كان خط تماس بين قوات النظام والمعارضة، قبل سقوط نظام بشار الأسد، حيث لاحظ المراسل أن الشوارع شبه خالية، والمباني منزوعة الواجهات، في حين عاد بعض السكان إلى بقايا منازلهم، يجمعون الحجارة والأنقاض لإعادة استخدامها في ترميم ما يمكن ترميمه.
والتقى عبد الأحد رجلا اسمه أبو عرب عاد إلى منزل عائلته بعد 13 عاما ليجده بلا سقف، بأعمدة مكشوفة، وجدران سوداء من أثر النار والقتال.
وتبع المراسل الرجل إلى منزله، ليخبره الأخير بأنه بدأ أعمال الترميم وحده، ويضطر للنوم بجانب أكياس الإسمنت حتى لا تسرق، بينما تنتظر عائلته في سكن مستأجر خارج الحي.
وفي غرفة صغيرة بلا سقف، أشار أبو عرب إلى الفراغ أمام المراسل وقال: "هنا كان سريري، وهنا مكتبي"، وتابع أن والده المسعف بنى المنزل في أوائل الثمانينيات من "أفضل إسمنت"، وكان الطابق الأرضي عيادة، والقبو مخزنا، وعلى السطح حديقة صغيرة من الريحان والنعناع.
تلك الذكريات، التي تبدو بعيدة المنال الآن، هي ما تشجع أبو عرب اليوم على مهمة إعادة البناء الشاقة، وفق ما نقله المراسل.
وقال أبو عرب إنه اضطر للنزوح من المنزل مع عائلته في ظل توسع الحرب، ولكنه دأب على زيارته، وكان في كل مرة يجد البيت أكثر خرابا مما سبق؛ ففي البداية دخل الجيران وأخذوا حاجيات ضرورية مثل قناني الغاز، وهو أمر تفهمه. لكن مع مرور الوقت، تم تجريد المنزل بالكامل من محتوياته.
وأضاف: "عندما رأيت الناس يبحثون في ملابس والدتي وأختي، وصورنا العائلية، وحتى شهادات والدي"، ولم يستطع إنهاء الجملة، في إشارة إلى حجم الخسائر العاطفية والمادية التي تكبدها، حاله كحال المئات ممن عانوا تحت وطأة النزوح والحرب، وفق المراسل.
وبعد انسحاب فصائل المعارضة عام 2017، تحوّلت العامرية إلى ضاحية أشباح، ومُنع السكان من العودة، وجُرِّدت الأبنية من كل ما له قيمة، بينما بقيت صور بشار الأسد وحدها معلّقة، شاهدة على أعمال السرقة، وفق سرد أبو عرب.
وعندما حاول العودة إلى منزله في إحدى المرات، وجده قد تحوّل إلى موقع عسكري، حيث اعتقله جنود النظام المخلوع وعلّقوه في سقف المنزل وعذّبوه، للاشتباه بكونه أحد الثوار أو متعاونا معهم، قبل أن يُجنَّد قسرا لعدم أدائه الخدمة العسكرية، ويتعرض لاحقا لإصابة خلّفت لديه عرجا دائما.
ويرى المراسل أن عودة أبو عرب إلى منزله، وبنائه شيئا فشيئا، قد تكون الطريقة المثلى لطرد أشباح الحرب من حلب.
وانتقل التقرير إلى المدينة القديمة، مبرزا مكانة حلب التاريخية التي تعود إلى 5 آلاف عام، ودورها بوصفها مركزا تجاريا وثقافيا حافظ على طابعه رغم الحروب والكوارث.
وذكّر بأن سكان حلب نجحوا في ثمانينيات القرن الماضي في حماية مدينتهم القديمة من مشاريع تحديث مدمّرة، مما أكسبها الطابع التراثي الذي اشتهرت به.
وأضاف المراسل أن الحرب دمّرت هذا الإرث، إذ احترقت أسواق المدينة القديمة، ودُمّرت أسواق ونزل وحمّامات ومساجد، بينها أجزاء من الجامع الكبير بحلب، وسقطت مئذنته الشهيرة، في حين أدت المعارك والأنفاق المفخخة إلى محو معالم عمرها قرون.
وسلّط التقرير الضوء على أنس، وهو و تاجر ومصنّع ألبسة من أسواق حلب القديمة، كان بعيدا عن السياسة حتى اعتقلته أجهزة الأمن السوري السابقة بلا سبب وعذبته، مما دفعه لحمل السلاح والدفاع عن المدينة، قبل أن يهاجر إلى تركيا مع انسحاب فصائل المعارضة في 2017.
وفي تركيا، أعاد أنس بناء حياته من جديد عبر صناعة الملابس، ونجح في توسيع عمله وتأمين سكن أولاده. لكنه ظل يعيش الألم والحنين لحلب القديمة، ويروي لأحفاده قصصا عنها، حتى عاد إليها بعد انهيار نظام الأسد.
وأضاف التقرير أن بعض أسواق المدينة القديمة أُعيد ترميمها جزئيا، وعادت إليها الحركة، في حين لا تزال غالبية الأسواق مدمّرة.
كما أشار إلى التحديات الاقتصادية التي تواجه السكان، إذ أدّى تخفيض الرسوم الجمركية بعد سقوط النظام إلى إغراق الأسواق بالبضائع الصينية الرخيصة، مما يهدد ما تبقى من الصناعات المحلية. ونقل المراسل عن أنس قوله إن "إغلاق الحدود" و"حماية الإنتاج المحلي" كفيل بتوفير آلاف فرص العمل.
وأشار التقرير في نهايته إلى أن إعادة إعمار حلب ربما لا تبدأ بمشاريع كبرى، بل بمحاولات فردية بطيئة، في مدينة لا تزال تتساءل إن كانت ستُبنى من جديد يوما ما.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة