آخر الأخبار

هل قررت الحكومة السورية إنهاء "قسد" في حلب؟

شارك

التصعيد العسكري الذي تشهده مدينة حلب السورية مختلف عن المرات السابقة، التي اندلعت فيها اشتباكات بين "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) التي تسيطر على حيي الشيخ مقصود والأشرفية في المدينة، وقوات الحكومة السورية في مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2025، ثم تكررت في 22 ديسمبر/كانون الأول 2025، واقتصرت على مناوشات محدودة، ثم انتهت بالتوصل إلى تهدئة ووقف إطلاق النار.

يبدو أن الحكومة السورية قررت، هذه المرة، إخلاء المدينة من جميع مقاتلي "وحدات حماية الشعب" التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، التي تشكل العماد الأساسي لـ "قسد"، الأمر الذي يفتح الباب أمام تكهنات حول حدوث مواجهة كبيرة بين الطرفين، إذا لم يتم التوصل إلى تفاهم جديد حول تنفيذ اتفاق 10 مارس/آذار الموقع بين الرئيس السوري أحمد الشرع، وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي.

تعارض المواقف

تتعارض مواقف كل من الحكومة السورية وقيادات "قسد"، خاصة الجناح المتشدد فيها، حيث تطالب الحكومة السورية المجموعات المسلحة التابعة لـ "قسد" بالخروج من داخل حيي الشيخ مقصود والأشرفية، وتدعو إلى تحييد المدنيين بشكل كامل عن أي تجاذبات سياسية أو إعلامية.

غير أن قيادات "قسد" تعارض موقف الحكومة وإجراءاتها، وترى أن وضع الحيين مرتبط بتنفيذ كافة بنود اتفاق 10 مارس/آذار، وترفق ذلك بمطالبتها بالاعتراف الدستوري بحقوق الأكراد، متهمة الحكومة بفرض حصار متواصل عليهما منذ أكثر من ستة أشهر.

تجادل الحكومة السورية بأن إجراءاتها تأتي حصرا في إطار حفظ الأمن، ومنع أي أنشطة مسلحة داخل المناطق السكنية أو استخدامها كورقة ضغط على مدينة حلب، مع الالتزام التام بحماية المدنيين وضمان سلامتهم، وعدم التعرض لممتلكاتهم، لأن عملياتها تستهدف المجموعات المسلحة.

وقد نشرت وزارة الدفاع السورية خرائط بالمواقع العسكرية التي ستُستهدف في الحيين، وطالبت كافة الأهالي بالابتعاد عنها، وقامت بتأمين ممرات آمنة لخروج المدنيين من الحيين، وقامت بتأمين أماكن لإيوائهم، وإغاثتهم. كما فرضت السلطات السورية حظر تجوال في الحيين، وأعلنت تصنيفهما منطقتين عسكريتين مغلقتين، في خطوة تعكس نية المضي قدما في الخيار العسكري.

أسباب التصعيد

يعبر التصعيد الجديد عن فشل المفاوضات بين الطرفين الرامية إلى تنفيذ اتفاق الأول من أبريل/نيسان 2025، الخاص بمدينة حلب، الذي أبرم من أجل تنفيذ اتفاق 10 مارس/آذار، لكنه لم يجد طريقه إلى التنفيذ الكامل، على الرغم من انقضاء المدة المحددة لتنفيذه. وبعدها تبادل الطرفان الاتهامات بشأن المسؤولية عن هذا التصعيد في توقيت بالغ الحساسية.

إعلان

غير أن وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى أشار إلى ضرورة التفريق بين اتفاق 10 مارس/آذار الذي يحدد احتمالية انضمام هياكل "قسد" إلى الدولة السورية، واتفاق الأول من أبريل/نيسان الذي يحصر الحيين بتسوية أمنية وسياسية. واتهم المصطفى "قسد" ببدء التصعيد فور انتهاء جولة التفاوض في دمشق، حيث استهدفت بالطائرات المسيرة قوات الجيش العربي السوري في مدينة دير حافر، ثم امتد التصعيد إلى داخل الحيين في مدينة حلب.

في المقابل، قالت "قسد" إن تهديد "حكومة دمشق" وتوابعه بقصف حيي الشيخ مقصود والأشرفية يُعد تمهيدا لارتكاب مجازر وعمليات قتل جماعي بحق الأهالي، وحملتها كامل المسؤولية والتبعات عن أي جريمة لاحقة.

المرجح هو أن الوسيط الأميركي سيكون دوره فاعلا في إيجاد مخرج ينهي تواجد المجموعات المسلحة من "وحدات الشعب الكردية"، مقابل ضمانات، وترتيبات خاصة في الحيين

وكان لافتا إعلان "قسد" أنها سحبت مقاتليها من الحيين في وقت سابق، ما يعني أن المجموعات المسلحة فيهما لا تتبع لها، وهو أمر ردت عليه الحكومة السورية بأن ما ورد في بيان "قسد" بشأن الأوضاع في مدينة حلب، ولا سيما في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، يتضمن مغالطات جوهرية وتوصيفات لا تعكس الواقع الميداني، وتخالف اتفاقية الأول من أبريل/نيسان 2025.

وتضمن اتفاق الأول من أبريل/نيسان عدة بنود رئيسية، من أبرزها إنشاء مركز أمني تابع لوزارة الداخلية السورية داخل حيي الشيخ مقصود والأشرفية، على أن تتولى قوى الأمن الداخلي التابعة للوزارة الإشراف على الحواجز الرئيسية.

لذلك اعتبرت الحكومة السورية أن "تأكيد قوات سوريا الديمقراطية، عدم وجودها العسكري داخل مدينة حلب، كما ورد في بيانها، يُعد إقرارا صريحا يُعفيها كليا من أي دور أو تدخل في الشأن الأمني والعسكري للمدينة، ويؤكد أن المسؤولية الحصرية عن حفظ الأمن وحماية السكان تقع على عاتق الدولة السورية ومؤسساتها الشرعية".

وترى الحكومة السورية أن حماية جميع المواطنين السوريين، بمن فيهم الأكراد، "هي مسؤولية وطنية وقانونية ثابتة لا تقبل المساومة أو التفويض، وتمارس دون أي تمييز على أساس العرق أو الانتماء، وترفض بشكل قاطع أي محاولات لتصوير الإجراءات الأمنية على أنها استهداف لمكون بعينه".

واعتبرت أن نزوح المواطنين من الحيين يشكل دليلا على ثقة المواطنين الأكراد بالدولة السورية، وقدرتها على توفير الحماية والأمن لهم، ويدحض الادعاءات التي تزعم وجود تهديد أو استهداف موجه ضدهم.

المواقف الدولية

تراقب دول عديدة تطورات الوضع في حلب، حيث تعتبر تركيا نفسها معنية بها، وأعلن رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش، أن بلاده تتابع تطورات حلب "ساعة بساعة"، مؤكدا استعداد أنقرة لدعم الحكومة السورية لإنهاء الاشتباكات.

لكن وزارة الدفاع التركية أكدت أن الجيش السوري "ينفذ العمليات العسكرية بمفرده"، وبالتالي فإن الدعم التركي هو دعم سياسي ولن يتجاوز هذا الحد إلى تقديم أي دعم عسكري.

في المقابل، سارع الساسة الإسرائيليون إلى التعبير عن "قلقهم"، وقال وزير الخارجية جدعون ساعر، إن الهجمات السورية على ما سماها "الأقلية الكردية" في مدينة حلب "خطيرة ومقلقة"، داعيا المجتمع الدولي إلى تحمل "واجب أخلاقي" تجاه الأكراد.

وهو أمر يشير إلى محاولة استغلال إسرائيلية رخيصة، فضلا عن أنه يثير الاستهجان لأن إسرائيل لا يحق لها الحديث عن الواجب الأخلاقي بعد جرائم الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين في غزة.

إعلان

أما الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، فقد دعا جميع الأطراف في سوريا إلى خفض التصعيد فورا، وممارسة أقصى درجات ضبط النفس، واستئناف المفاوضات لتنفيذ اتفاق 10 مارس/آذار 2025، المتعلق بإدماج قوات سوريا الديمقراطية في هياكل الدولة السورية.

الموقف الأميركي

على الرغم من وساطتها ورعايتها لاتفاق 10 مارس/آذار فإن الولايات المتحدة تبنت موقفا حذرا ومتوازنا، تجاه التصعيد بين "قسد" والحكومة السورية، حيث لا تزال الإدارة الأميركية تعتبر "قسد" شريكا أساسيا في الحرب ضد تنظيم الدولة "داعش"، وتسعى للحفاظ على قدراتها العسكرية وهيكليتها التنظيمية ضمن بيئة مستقرة نسبيا.

وفي الوقت نفسه، تدعم الحكومة السورية في سعيها لبسط سيادتها ووحدة جيشها، خاصة بعد أن انخرطت سوريا في التحالف الدولي ضد التنظيم.

ووفق هذه المعطيات، تراقب واشنطن التطورات عن كثب، وقامت بالتواصل مع الحكومة السورية ومع قيادات "قسد" بغية التوصل إلى تسوية الأوضاع ووقف لإطلاق النار، حسبما أفادت صحيفة وول ستريت جورنال.

المرجح هو أن الوسيط الأميركي سيكون دوره فاعلا في إيجاد مخرج ينهي تواجد المجموعات المسلحة من "وحدات الشعب الكردية"، مقابل ضمانات، وترتيبات خاصة في الحيين.

ما يدعم السعي الأميركي هو إدراك الإدارة الأميركية حساسية الملف الكردي بالنسبة إلى تركيا، الحليفة لها، لذلك ترغب في منع انخراطها المباشر في أي صدام محتمل يعرض تفاهماتها الإقليمية للخطر.

ولعل الأفكار الأميركية تدور حول دعم حل سياسي، ينهض على دمج تدريجي لـ "قسد" في وزارة الدفاع السورية، مع منح مناطق شمال شرقي سوريا بعض مقومات حكم ذاتي.

في حال فشل المساعي الأميركية ستذهب الأمور نحو السيناريو الأسوأ الذي يعني فرض وقائع جديدة على الأرض بالقوة العسكرية. وهو أمر ينطوي على مخاطر عالية، خاصة على مستوى الضحايا المدنيين، فضلا عن الكلفة السياسية والأمنية الكبيرة، سواء بالنسبة إلى الحكومة السورية أو إلى "قسد".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا