آخر الأخبار

من المرأة التي وقفت خلف الملثم؟

شارك

غزة- كانت إسراء تحمل منشورًا ورقيًا أسقطته الطائرات الإسرائيلية تكشف فيه هوية الناطق باسم المقاومة، تُقدّم فيه إغراءً ماليًا لمن يقدّم لهم معلوماتٍ عنه.

رفعت المقص الصغير، جزّت حدود الصورة بيد ترتجف، ثم علّقتها على الحائط المتقشر في غرفة نزوحها الضيقة التي لا تتجاوز مساحتها 12 مترا مربعا.

صورة من يراه الناس ناطقًا عسكريًا اسمه أبو عبيدة، بينما لا تراه هي إلا حبيبًا اسمه حذيفة.

كان ابنها الصغير يمان يراقبها بصمت، يتسمر بالصورة كأنها آخر خيط يربطه بوالده يهمس"بابا بابا"، وبينما تردد إسراء بعقلها كي لا تنساه يا يمان، يذوب قلبها شوقًا لتحسس وجهه الغائب عنها منذ شهور.

بجوار الصورة، تعلّق أدعية علّها تهدئ من روعها؛ فكل ما يحيط بها يدعو إلى الرعب، في ظل غياب الأمان الذي كانت تجده بين ذراعي حذيفة. فلا أهلها يسندونها، ولا هواتف نقالة تحمل إليها أي خبر. وهكذا، باتت لا تعرف شيئاً عن العالم، ولا العالم يعرف عنها شيئاً. وهو ما قد يبدو أمراً طبيعياً لزوجة مطارد من الصف الأول، تجيش إسرائيل كل عيونها ومنظومتها لتعقب أثره.

مصدر الصورة الشهيد الناطق باسم كتائب القسام (سابقًا)، المعروف بأبي عبيدة، حذيفة سمير الكحلوت (الجزيرة)

لقاء الهدنة

وبعد أكثر من عام على غيابه وتوقها لصوته وصورته، ومع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، وزوال الحاجز الفاصل بين شمال القطاع وجنوبه، تلاشت الحدود وزال الخوف، وارتوى القلب بما انطفأ منه منذ شهور.

كان حذيفة حينها من أوائل العابرين والواصلين إلى جنوب القطاع، مُحملاً بالهدايا لأطفاله الأربعة، وفي كفه هدية خاصة لإسراء: قرط ذهبي ثقيل، يكافئها به على صبرها على بُعده.

كانت تلك الهدية خيطاً يمدّها بدفء الحب الذي افتقدته منذ شهور الحرب الطويلة، وتعيد إلى قلبها شرارة الحب الأولى التي كانت قد بدأت قبل 20 عاماً، حين كانت فتاة في السابعة عشرة من عمرها، فقد درست الثانوية العامة وهي في كنفه، ثم أكملت دراستها الجامعية في تخصص الصحافة والإعلام، وكانت مميزة في دراستها.

مصدر الصورة الشهيدة ابنة الناطق باسم كتائب القسام، ليان حذيفة الكحلوت (الجزيرة)

معك حتى الموت

منذ اللحظة التي التقت فيها إسراء بحذيفة، لم تفارقه. ورغم عودة الحرب، لم تسمح لنفسها بأن تعيش مرارة بعده عنها مرة أخرى. وكان لسان حالها له في كل لحظة: "معك للأبد وحتى الموت"، وقد صدقت وعدها.

ناج وحيد في بيت أبو عبيدة

بعد 9 أشهر من تلك اللحظة، التقت الجزيرة نت بالناجي الوحيد من عائلة أبو عبيدة، التي كانت تتألف من 6 أفراد.

إعلان

مادّاً قدمه المصابة بثقل أسياخ البلاتين المزروعة فيها، بوجه شاحب يبدو عليه ثقل الأرق، وبعقل لم يستوعب بعد فداحة الأحداث التي مر بها، يجلس إبراهيم (18 عاماً).

إبراهيم، الناجي الوحيد وأكبر أبناء الملثم، من بين أربعة أبناء: اثنتان من الإناث واثنان من الذكور، وهم ليان (15 عاماً)، ومنة الله (12 عاماً)، ويمان (7 أعوام).

"كيف خرجتَ من هذا الاستهداف الطاحن سالمًا؟" سألته الجزيرة نت. تبسّم ثم أجاب: "ليتني أستطيع أن أعرف الإجابة."

سيناريوهات عدة لطالما ترددت في ذهن إبراهيم؛ أن يرتقي وحده، أو أن يستشهد والده وحده، أو أن يرتقوا جميعاً. إذ لم يكن يتخيل أبداً أن تنتهي القصة بهذا الشكل، كما لم يخطر بباله أن يكون تفسير رؤيته التي رأى فيها نفسه يطلق خمس رصاصات في الهواء، ليلة استهدافهم، هو أن خمس أرواح ستصعد إلى السماء وتتركه وحيداً!

مصدر الصورة الشهيدة ابنة الناطق باسم كتائب القسام، ليان حذيفة الكحلوت (الجزيرة)

اللحظات الأخيرة

يسترجع إبراهيم اللحظة التي انقلبت فيها حياته رأسًا على عقب، قائلًا: "كانت صينية الباذنجان "الصومي" آخر طعام اجتمعنا عليه، وكان والدي يوقد نار الحطب بيديه لنتناوله".

بعد أن اجتمعوا لأداء صلاة العصر، حملت إسراء مصحفها وبدأت بترتيل وردها من سورة البقرة، بينما كان يمان ملاصقًا لأخيه إبراهيم ممسكًا يده. حينها، انهالت القنابل على رؤوسهم، ففرقهم ضغط الانفجار، وطار يمان بعيدًا مسافة أمتار. لم يفقد إبراهيم وعيه، لكنه كان عاجزًا عن الحركة لإصابته البالغة، فصار يناديه: "قل أشهد أن لا إله إلا الله يا حبيبي،" لكنه لم يجب، فأدرك أنه استشهد على الفور. استمر في المناداة فلم يجبه أحد، فتيقن بأن رؤيته قد تحققت، وارتقى خمستهم، وبقي هو وحيدًا.

ويقول إبراهيم للجزيرة نت: "كنا ندرك حجم المخاطرة في وجودنا مع والدي، إلا أن أمانًا عجيبًا كان يغمرنا بوجوده،" يصمت قليلًا كأنه يستعيد شعورًا ما، ثم يكمل: "كنت مستغربًا من حالة الطمأنينة التي كنا فيها، ففي الفترة التي انفصلنا فيها عنه كنت أخاف كثيرًا".

يحفظ إبراهيم ما كان والده يقوله لهم عند اشتداد القصف من حولهم، حيث كان يواسي صغاره ويهدئ من روعهم قائلًا: "ما أكثر شيء يمكن أن يحدث؟ أن نموت معًا؟ الموت غير مؤلم، ويا مرحبًا بلقاء الله".

مصدر الصورة أبناء الناطق باسم كتائب القسام- المعروف بأبو عبيدة- والذين ارتقوا في نفس الاستهداف (الجزيرة)

عائلة قرآنية

صنعت إسراء وزوجها من أفراد أسرتها حفظة للقرآن، فحفظه ثلاثة منهم. استغلت إسراء فترة الحرب والتزام أبنائها أماكنهم، فأشرفت على إتمام حفظ ابنها إبراهيم خلال الشهر الأول من الحرب، ثم أتمت ليان حفظه في منتصفها، لتختمه منة التي بدأت به كاملاً خلال الحرب.

يقول إبراهيم واصفاً والدته: "لم تكن تترك قيام الليل، وكنا نسمع صوت دعائها لنا ولوالدينا كل ليلة، كما كانت تحثنا على قراءة أذكار الصباح والمساء، وعلى أداء الصلاة في وقتها، وكانت حازمة في كل ما يخالف الدين".

خلال الحرب، كان أبو عبيدة يتحدث مع أبنائه بالهمس، خشية أن ترصده الطائرات المخصصة لذلك، فكان يشرح لأطفاله بصوت خفيض جداً تدبر أسماء الله الحسنى، فيتدبرون معه اسمين كل يوم، ويلقنهم العقيدة التي درسها في كل حوار وموقف.

إعلان

بدأ إبراهيم يستوعب وضع والده ومسماه العسكري قبل سنوات قليلة، وبدأت الأم تلقن ابنها وإخوته محاذير أمنية للحفاظ على سلامة الوالدين، بدءاً من استخدام هواتف خاصة آمنة تُغطّى كاميراتها ويُفعّل فيها عدم التعقب، وانتهاءً بعدم قدرته على السؤال عن جثماني والديه، وذلك لدواعي التنظيم الأمني.

"النفي المطلق" كان أولى التعليمات التي تربى عليها أبناء أبو عبيدة لإزاحة شبهة الاسم، خاصةً بعدما نشر الاحتلال اسمه وصورته. يقول إبراهيم: "كثيراً ما كنت أقع في شرك الأسئلة، حين أُسأل عن اسمي فأنفي، حتى أنني خلال إصابتي نفيت علاقتي به وأنا على سرير العلاج".

مصدر الصورة الناطق باسم كتائب القسام حذيفة سمير الكحلوت، المعروف بأبو عبيدة مع ابنه إبراهيم (الجزيرة)

ومنذ اللحظة التي عُين فيها أبو عبيدة ناطقاً عسكرياً، وهو يغير موقع سكنه بشكل دوري. وفي حالات السلم والهدوء الميداني، كانت العائلة تمارس حياتها بشكل طبيعي من حيث التنقل والاتصالات، أما في حالة الحرب أو التصعيد، فيبدأون باتخاذ التدابير الأمنية المكثفة.

يقول إبراهيم إن والده نجا من عدد من محاولات الاغتيال، كانت إحداها محاولة اختطاف قبل سنوات. أما آخرها وأشدها غرابة، فكانت خلال الحرب حين كان جنود الاحتلال في البناية نفسها التي كان فيها أبو عبيدة، حتى إنه حوصر فيها 14 يوماً، متأهباً للاشتباك معهم، لكنهم انسحبوا دون أن يمسه سوء. يقول إبراهيم: "لقد حدثني والدي بهذه القصة، وكانت كرامة كبيرة له أن يكون في معقلهم وأن يعمي الله عيونهم عنه".

أما عن علاقة والده بوالدته، فيصفها بأنها لم تكن عادية، بل كانت علاقة فريدة قائمة على الاحترام المتبادل والتفاهم اللامحدود. ويضيف: "كنت أستغرب من توافق الأفكار بينهما". وهو كلام تؤيده والدة أبو عبيدة، التي كانت بجوار حفيدها، وقالت للجزيرة نت إنه خلال 20 عاماً ارتبطت فيها إسراء بحذيفة، لم تسمع شكوى واحدة من كليهما، بل كانت حالة الاحترام بينهما لافتة بشكل كبير في العائلة.

الشهيدة ابنة الناطق باسم كتائب القسام، منة حذيفة الكحلوت (الجزيرة)

تقول والدة أبو عبيدة إن ابنها تزوج إسراء زواجاً تقليدياً، بعدما نصحه صديقه المتزوج من شقيقتها بالارتباط بها، فأطرى على العائلة، وعلى هدوء الفتاة وتدينها المناسب لوضعه.

يكمل الرواية عماد، شقيق إسراء، الذي يوضح للجزيرة نت أن شقيقته لم تتردد في الموافقة على أبي عبيدة زوجاً، رغم أنه كان ناطقاً منذ ذلك الحين. فقد كان انتماؤها المعنوي للمقاومة يجعل من تقدم حذيفة لطلب الزواج منها كنزاً لا يمكن رده، فحملت مسؤولية هذا الأمر باقتدار، دون انتظار لأي نظرة إيجابية أو ثناء من أحد حولها.

يصفها شقيقها بأنها كانت فتاة من طراز الصحابيات، لم تتذمر يوماً من شكل حياتها أو التحفظات المفروضة عليها. وكانت كتومة جداً، تلتزم الصمت حيال كل ما يمكن أن يؤذي زوجها أو يكشف سره.

وهذه الصفة لم تكن غريبة على صديقاتها اللواتي درسن معها ورافقنها خلال دراستها الجامعية، ثم صدمن يوم ارتقائها بأنها زوجة الناطق باسم القسام.

فقد أجمعن للجزيرة نت أن كلامها كان قليلاً ومحسوباً، وأن علاقاتها كانت محدودة، كما أنها لم تكن تختلط بالكثيرات منهن. تقول صديقتها خلود (اسم مستعار): "لقد أكرمني الله بصحبتها، ولم أعلم أنها زوجة الناطق إلا بعد ارتقائها، رغم أننا التقينا مرات عديدة، لكنها لم تتحدث عنه أبداً أمامنا".

كانت إسراء، بحسب صديقاتها، نموذجاً للأم المسلمة والمربية الحقة، حازمة في أمور الدين مع أبنائها، وتكتم أسرار زوجها بحرص شديد، هادئة جداً، متواضعة، كتومة، وكأن حضورها يشع هدوءاً وسكينة.

تقول صديقتها آلاء: "لقد كانت كالنسمة، هينة ولينة، حضرت وارتقت دون أن تؤذي أحداً، أو تترك ذكرى سيئة في قلب أي شخص". ورغم تحفظها، لم تكن إسراء تختلف عن قريناتها، فلم يحجم وضعها أو ارتباطها بأبي عبيدة من طموحها واندفاعها للحياة، كما يقلن.

إعلان

وهكذا طُوي الفصل الأخير من حكاية أبي عبيدة، الذي كشف اللثام عن وجهه أخيراً، وعن زوجته إسراء جبر، التي كانت حامية سره، وشريكة دربه، ورفيقة صبره.

وقفت خلفه بينما كان يتحرك في الظل، تدير خيوط حياته بهدوء، وتحمي أسراره، وتحافظ على توازنه، لتثبت أن وراء كل عظيم امرأة صنعت من صمتها وصبرها على مشقة الطريق بطولة لا تضاهيها بطولة نساء العالم.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا