آخر الأخبار

غياب السلطة الواحدة في اليمن يمسّ بفاعلية حالة الطوارئ

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

عدن– في خطوة تعكس عمق الأزمة السياسية والأمنية التي يمر بها اليمن، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، يوم الثلاثاء الماضي، حالة الطوارئ في عموم البلاد. وجاء هذا القرار، الذي وصفه مراقبون بأنه الأوسع نطاقا منذ قيام الجمهورية، ليشمل كل الجغرافيا اليمنية دفعة واحدة.

كما أتى الإعلان ضمن حزمة من القرارات الاستثنائية، في ظل تسارع الأحداث، خصوصا في المحافظات الجنوبية، بعد سيطرة قوات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي على محافظتي حضرموت و المهرة، ورفضها الانسحاب التزاما بمطالب إقليمية ودولية.

وقد أعاد هذا المشهد إلى الواجهة أسئلة جوهرية حول مفهوم حالة الطوارئ في اليمن، وإطارها الدستوري، وحدود تطبيقها القانونية.

مصدر الصورة محافظ حضرموت يعلن نجاح عملية تأمين المعسكرات بشكل كامل في مدينة سيئون (الجزيرة)

ما هي حالة الطوارئ؟

تعرف حالة الطوارئ، وفق الدساتير والقوانين في عدد من الدول، بأنها وضع استثنائي تعلنه السلطة المختصة عند تعرض الدولة أو جزء منها لخطر جسيم، مثل الحرب أو التمرد المسلح أو الكوارث الكبرى.

ويتيح هذا الإعلان اتخاذ تدابير غير اعتيادية لمواجهة الخطر، مع فرض قيود مؤقتة على بعض الحقوق والحريات، ضمن ضوابط قانونية محددة.

وفي السياق اليمني، ينص الدستور على أن إعلان حالة الطوارئ يتم بقرار من رئيس الجمهورية أو من يقوم مقامه دستوريا، ويجب أن يعرض هذا القرار على مجلس النواب خلال 7 أيام من تاريخ الإعلان، وإلا اعتبر كأنه لم يكن.

كما يشترط الدستور أن تكون حالة الطوارئ محددة زمنيا، وأن تُمدد فقط بموافقة البرلمان، مع مراعاة أن تتناسب الإجراءات الاستثنائية مع طبيعة الخطر دون المساس بالحقوق الأساسية غير القابلة للتقييد.

متى تُعلن حالة الطوارئ؟

حدد الدستور اليمني أسباب إعلان حالة الطوارئ بشكل حصري، عند:


* قيام الحرب أو التعرض لعدوان خارجي.
* الفتنة الداخلية أو الاقتتال المسلح.
* وقوع كوارث طبيعية تهدد حياة المواطنين وأمن الدولة.
إعلان

ويهدف إعلان الطوارئ، بحسب الدستور، إلى حماية الجمهورية وسلامة أراضيها، وحفظ الأمن والنظام العامّين. وخلال فترة الطوارئ، يتعزز دور القوات المسلحة والأمن، ويُمنَح رئيس الدولة صلاحية الدعوة إلى التعبئة العامة بعد موافقة مجلس النواب، بما يعني استنفار قدرات الدولة لمواجهة الخطر الداهم.

وفي المقابل، شدد الدستور على تحريم تسخير القوات المسلحة أو الأجهزة الأمنية لصالح حزب أو جماعة أو فرد، وجرم إنشاء التشكيلات العسكرية الموازية، وحصر استخدام القوة بيد الدولة لضمان وحدة القرار العسكري وحماية المجتمع من الفوضى.

مصدر الصورة تحركات عسكرية لقوات درع الوطن في محافظة حضرموت (الجزيرة)

طوارئ غير معلنة

ورغم هذا الإطار الدستوري الواضح، يرى مختصون أن اليمن يعيش منذ سنوات حالة "طوارئ واقعية" غير معلنة، تفرض فيها قيود أمنية وتنفذ اعتقالات، وتعطل بعض الحقوق، دون إعلان رسمي أو غطاء قانوني، في ظل الانقسام السياسي وتعدد مراكز النفوذ في البلاد.

ويعتبر مراقبون أن الأزمة الراهنة في المحافظات الجنوبية تجسيد لهذا الخلل البنيوي، نتيجة توسّع التشكيلات العسكرية الخارجة عن إطار الدولة خلال السنوات الماضية، مما أسهم في تصاعد النزعات الانفصالية وتهديد وحدة البلاد.

ولم يكن إعلان حالة الطوارئ جديدا على اليمن، إذ شهد شطرا البلاد قبل الوحدة حالات متعددة، ارتبطت غالبا بالصراعات السياسية والانقلابات أكثر من ارتباطها بالكوارث الطبيعية.

قبل الوحدة:


* شمال اليمن: حالات طوارئ متكررة منذ ثورة 26 سبتمبر/أيلول (1962-1970)، أبرزها أثناء حصار صنعاء عام 1967، وحركة يونيو/حزيران التصحيحية 1974، وما بعد اغتيال الرئيس أحمد الغشمي عام 1978.
* جنوب اليمن: بدأت بـ"طوارئ عدن" إبان الاحتلال البريطاني عام 1963، وتكررت بعد الاستقلال، خصوصا في أحداث 1969 و1978، وأحداث يناير/كانون الثاني الدامية عام 1986.

بعد الوحدة:


* مايو/أيار 1994: إعلان الطوارئ مع اندلاع حرب الانفصال.
* مارس/آذار 2011: عقب أحداث "جمعة الكرامة" خلال ثورة الشباب.
* ديسمبر/كانون الأول 2025: إعلان الطوارئ الشامل في عموم الجمهورية، على خلفية تطورات حضرموت والمهرة.

لماذا الطوارئ الآن؟

يرى عضو مجلس الشورى اليمني صلاح باتيس، أن إعلان الطوارئ جاء استجابة لتهديد مباشر يستهدف كيان الدولة ومركزها القانوني، وأن البلاد كانت "بأمس الحاجة لإعلان حالة الطوارئ في ظل التهديد المباشر للشرعية الدستورية والوحدة الوطنية، وكل المكتسبات التي تحققت منذ انقلاب الحوثي".

ويضيف باتيس في حديثه للجزيرة نت، أن الخطر لا يقتصر على جماعة الحوثي، بل يمتد أيضا إلى ممارسات المجلس الانتقالي الجنوبي، من خلال السيطرة على العاصمة المؤقتة عدن وعلى موارد الدولة، ومحاولات التمدد العسكري نحو حضرموت والمحافظات الشرقية، بما يهدد المنشآت والمواقع الإستراتيجية، والمصالح المشتركة، والأمن الإقليمي، لا سيما أمن السعودية وسلطنة عُمان.

وبحسب باتيس، فإن إعلان الطوارئ رافقته إجراءات تهدف إلى "الحسم وبسط نفوذ الدولة ومؤسساتها"، من بينها تكليف قوات " درع الوطن"، وبدء عمليات عسكرية محدودة لتسلّم المعسكرات في محافظتي حضرموت والمهرة بعد استنفاد محاولات الحل السلمي.

إعلان

تحديات التنفيذ

وعلى الرغم من الإعلان الرسمي، يواجه تطبيق حالة الطوارئ تحديات جوهرية، خصوصا في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة الشرعية. ففي الجنوب، لا تزال محافظات عدن والمناطق المحيطة بها خاضعة لنفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي، مما يجعل فرض قرارات الدولة أو مراقبة تنفيذها أمرا بالغ الصعوبة.

أما في الشمال، فتواجه الحكومة معضلة أكثر تعقيدا في مناطق سيطرة جماعة الحوثي، حيث يغيب وجود مؤسسات الدولة فعليا، وتدار تلك المناطق عبر سلطات أمر واقع موازية خارج الإطار الدستوري والقانوني.

ويشير مختصون إلى أن هذه التحديات تجعل من إعلان الطوارئ على المستوى الوطني إجراء رمزيا إلى حد كبير في تلك المناطق، مما يعقد جهود الحكومة الرامية إلى بسط نفوذها وإعادة توحيد القرار الأمني والعسكري.

وعلى الصعيد القانوني، لا يمتلك اليمن حتى اليوم قانونا نافذا ومستقرا ينظم حالة الطوارئ بشكل تفصيلي. ففي مارس/آذار 2011، أقر البرلمان مشروع "قانون حالة الطوارئ" وسط اعتراضات سياسية واسعة شككت في شرعيته، مما جعل الاستناد إليه محل جدل مستمر.

وينص المشروع، إلى جانب الدستور، على أن إعلان الطوارئ لا يتم إلا في حالات محددة، مع ضرورة تحديد أسبابها ونطاقها الجغرافي ومدتها، كما يشترط عرض القرار على مجلس النواب خلال 7 أيام، ويؤكد أن تجاوز هذه المدة يؤدي إلى زوال حالة الطوارئ بحكم الدستور، ولا يجوز تمديدها إلا بموافقة البرلمان.

ويمنح المشروع السلطة التنفيذية صلاحيات استثنائية واسعة، تشمل: تقييد حرية التنقل والتجمع، فرض حظر التجول، إغلاق المحال والمؤسسات، مراقبة وسائل الإعلام والاتصالات، الاستيلاء المؤقت على الممتلكات، فرض الحراسة على الأموال، إخلاء أو عزل مناطق، سحب تراخيص السلاح، وتنظيم حركة النقل.

جدل قانوني واسع

ويرى خبراء قانونيون أن إعلان حالة الطوارئ في اليمن، رغم استناده إلى نص دستوري صريح، يظل محل جدل قانوني واسع، في ظل غياب قانون خاص ينظم آليات الإعلان والتطبيق وحدود الصلاحيات والرقابة.

وفي هذا السياق، يؤكد رئيس منظمة "سام" للحقوق والحريات المحامي توفيق الحميدي، أن الدستور يمنح رئيس الجمهورية صلاحية إعلان حالة الطوارئ بنص صريح، غير أن غياب قانون خاص ينظم تفاصيل الإعلان وتطبيقه وضوابطه يجعل أي قرار من هذا النوع محل جدل دستوري متجدد.

ويضيف الحميدي للجزيرة نت أن الإشكالية الأبرز تكمن في شرط الرقابة البرلمانية، مؤكدا أن عرض قرار إعلان الطوارئ على مجلس النواب خلال سبعة أيام يمثل شرطا دستوريا جوهريا، وأن أي تمديد لاحق لا يكون مشروعا إلا بموافقة صريحة من البرلمان، خاصة أن القرار نص صراحة على أن مدة الطوارئ "قابلة للتمديد".

كما يشير إلى أن تطبيق حالة الطوارئ عمليا في اليمن يصطدم بعقبة مركزية تتمثل في غياب سلطة موحدة قادرة على إصدار الأوامر وتنفيذها ومحاسبة من يعرقلها، وهو ما يجعل فاعلية الطوارئ موضع شك في السياق اليمني الراهن.

ويضيف أن هذا الانقسام لا يعرقل تنفيذ التدابير فحسب، بل قد يحولها إلى عامل إضافي للتصعيد بدلا من أن تكون أداة لضبط الأمن واستعادة دور الدولة، لاسيما في ظل ضعف الضمانات القضائية وتآكل الرقابة المؤسسية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا دونالد ترامب أمريكا إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا