آخر الأخبار

لماذا ينجح الصيام المتقطع أحيانا ويفشل كثيرا؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في السنوات الأخيرة، لم يعد الصيام المتقطع مجرد خيار غذائي بين خيارات متعددة، بل تحول إلى ظاهرة عالمية، تروج لها منصات التواصل الاجتماعي، ويتحدث عنها المؤثرون وكأنها الحل النهائي لمشكلة السمنة والمشكلات الأيضية.

يقدم هذا النظام على أنه بسيط، وفعال، ولا يحتاج إلى حساب السعرات أو الحرمان من الأطعمة المفضلة. يكفي، كما يقال، أن تصوم لساعات محددة، ثم تأكل ما تشاء خلال نافذة زمنية قصيرة، وسيقوم جسمك بالباقي. هذه الفكرة جذابة للغاية، خاصة في زمن يبحث فيه الناس عن حلول سهلة وسريعة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يدعم العلم هذه الصورة الوردية؟

عندما نبتعد قليلا عن الضجيج الإعلامي ونعود إلى الدراسات العلمية المحكمة، نجد صورة أكثر رزانة وأقل إثارة. فقد قارنت العديد من التجارب السريرية بين الصيام المتقطع والأنظمة الغذائية التقليدية القائمة على تقليل السعرات الحرارية.

مصدر الصورة عندما يختصر الإنسان ساعات الأكل، فإنه غالبًا ما يقلل عدد الوجبات (غيتي)

ماذا تقول الدراسات العلمية؟

وكانت النتيجة متكررة وواضحة: لا يوجد تفوق حقيقي للصيام المتقطع من حيث فقدان الوزن. بمعنى آخر، إذا استهلك شخصان نفس عدد السعرات الحرارية يوميا، أحدهما يتبع الصيام المتقطع والآخر يوزع وجباته على مدار اليوم، فإن النتيجة على الميزان ستكون متشابهة في معظم الحالات.

هذه النتيجة ليست مفاجئة لمن يفهم أساسيات علم التغذية. ففقدان الوزن، في جوهره، يعتمد على مبدأ بسيط: أن يستهلك الجسم طاقة أكثر مما يتناول. هذا ما يعرف بالعجز في السعرات الحرارية. توقيت الأكل، سواء كان خلال 8 ساعات أو 16 ساعة، لا يغير هذه القاعدة الأساسية.

لذلك، فإن الصيام المتقطع لا يعمل لأنه ينشط الأيض بشكل سحري أو لأنه يحرق الدهون تلقائيا، بل لأنه، في كثير من الحالات، يساعد الناس على تناول سعرات أقل دون وعي مباشر.

لماذا ينجح الصيام المتقطع فعليًا؟

وهنا يكمن التفسير الحقيقي لنجاح الصيام المتقطع لدى بعض الأشخاص. عندما يختصر الإنسان ساعات الأكل، فإنه غالبا ما يقلل عدد الوجبات والوجبات الخفيفة، وبالتالي تنخفض كمية الطعام الإجمالية.

إعلان

شخص كان يأكل من الصباح إلى منتصف الليل، قد يجد نفسه الآن يأكل فقط بين الظهر والمساء. هذا التغيير وحده قد يؤدي إلى فقدان الوزن، ليس لأن النظام فريد من نوعه، بل لأنه ببساطة قلل السعرات.

مصدر الصورة قد يبدأ الشخص بحماس ويفقد بعض الوزن ثم يجد صعوبة في الاستمرار فيعود تدريجيا إلى عاداته السابقة (غيتي)

خرافة "كل ما تشاء"

لكن في المقابل، يظهر أحد أكثر المفاهيم الخاطئة انتشارا: الاعتقاد بأنه يمكن تناول أي شيء خلال فترة الأكل دون حساب. هذا التصور، الذي تروج له بعض المحتويات على الإنترنت، يتعارض تماما مع العلم.

الجسم لا يتجاهل السعرات فقط لأنك صمت لساعات. إذا تناولت كمية كبيرة من الأطعمة الغنية بالسكر والدهون خلال نافذة الأكل، فإنك قد تعوض، أو حتى تتجاوز، السعرات التي كنت ستتناولها في نظام عادي. في هذه الحالة، لن يحدث فقدان للوزن، بل قد يحدث العكس.

بل إن بعض الأشخاص يقعون في فخ التعويض المفرط، حيث يشعرون بجوع شديد بعد ساعات الصيام، فيتناولون كميات أكبر من المعتاد. وهنا يتحول الصيام المتقطع من أداة لتقليل السعرات إلى عامل قد يزيدها. وهذا يفسر لماذا لا ينجح هذا النظام مع الجميع، رغم بساطته الظاهرة.

غير أن التحدي الأكبر لممارس الصيام المتقطع لا يتعلق بفعالية النظام على المدى القصير، بل بقدرته على الصمود مع مرور الوقت. كثير من الناس يمكنهم الالتزام بالصيام المتقطع لأسابيع أو حتى أشهر، لكن القليل منهم يستطيع الحفاظ عليه لسنوات.

اصطدام النظام بواقع الحياة

الحياة اليومية ليست مختبرا: هناك عمل، ومناسبات اجتماعية، وعادات عائلية، وسفر. كل هذه العوامل تجعل الالتزام بنوافذ أكل صارمة أمرا صعبا لدى الكثيرين. ويزداد الأمر صعوبة مع عدم قدرة عدد كبير من الأفراد على تحمل الشعور بالجوع لساعات طويلة.

ولهذا السبب، نلاحظ نمطا متكررا: يبدأ الشخص بحماس، يفقد بعض الوزن، ثم يجد صعوبة في الاستمرار، فيعود تدريجيا إلى عاداته السابقة… ويستعيد الوزن الذي فقده. هذه الظاهرة ليست خاصة بالصيام المتقطع، لكنها تظهر بوضوح عندما يكون النظام غير متوافق مع نمط حياة الشخص.

من هنا، تبرز فكرة أساسية كثيرا ما يتم تجاهلها في النقاشات حول الأنظمة الغذائية: لا يوجد نظام واحد يناسب الجميع. ما ينجح لشخص قد يفشل لآخر، ليس بسبب ضعف الإرادة، بل بسبب اختلاف البيولوجيا، ونمط الحياة، والعادات، وحتى البيئة الاجتماعية.

الصيام المتقطع قد يكون خيارا ممتازا لمن لا يشعر بالجوع في الصباح، أو لمن يفضل وجبات أقل وأكبر. لكنه قد يكون مرهقا وغير عملي لشخص آخر يحتاج إلى توزيع وجباته على مدار اليوم للحفاظ على طاقته وتركيزه.

العلم الحديث في التغذية بدأ يتحرك بعيدا عن فكرة "النظام المثالي للجميع"، ويتجه نحو مفهوم أكثر واقعية: النظام الأفضل هو النظام الذي يمكنك الالتزام به على المدى الطويل. ليس الهدف أن تخسر الوزن بسرعة خلال شهرين، بل أن تحافظ على نتائجك لسنوات دون أن تشعر بأنك في صراع دائم مع نفسك.

في هذا السياق، يصبح النقاش حول "أي نظام أفضل" أقل أهمية من سؤال آخر أكثر عمقا: هل هذا النظام يناسب حياتي؟ هل أستطيع اتباعه في أيام العمل، وفي العطل، وفي المناسبات؟ هل يمكنني الاستمرار عليه دون شعور دائم بالحرمان أو الضغط؟

إعلان

الأدوية.. نقطة حساسة

ومن الجوانب التي ينبغي الانتباه إليها عند اتباع الصيام المتقطع مسألة توافقه مع تناول الأدوية. فبعض العلاجات يجب أخذها مع الطعام لتقليل تهيج المعدة أو لتحسين امتصاصها، بينما يتطلب بعضها الآخر جرعات موزعة على مدار اليوم في أوقات محددة. الالتزام بنوافذ أكل ضيقة قد يربك هذا التنظيم، أو يدفع البعض إلى تأخير جرعاتهم أو تجاوزها، وهو ما قد يؤثر سلبا على فعالية العلاج.

كما أن فترات الصيام الطويلة قد تزيد من احتمالية حدوث آثار جانبية لدى بعض المرضى، خاصة في حالات مثل السكري أو أمراض المعدة. لذلك، من الضروري استشارة الطبيب قبل اعتماد الصيام المتقطع، خصوصا لمن يتناولون أدوية بانتظام، لضمان التوفيق بين النظام الغذائي والعلاج دون الإضرار بالصحة.

الصيام المتقطع، إذن، ليس عدوا ولا معجزة. هو مجرد أداة من بين أدوات متعددة. يمكن أن يكون مفيدا للبعض، وغير مناسب لآخرين. لكن ما يجب أن يكون واضحا هو أنه لا يتفوق سحريا على تقليل السعرات الحرارية، وأن نجاحه، مثل أي نظام غذائي، يعتمد في النهاية على عاملين أساسيين: تحقيق عجز في السعرات، والقدرة على الاستمرار.

ربما أهم ما يمكن أن يقدمه لنا العلم في هذا المجال ليس نظاما جديدا، بل فهما أعمق: أن الطريق إلى صحة أفضل لا يمر عبر حلول سريعة أو وعود مبالغ فيها، بل عبر اختيارات واقعية، قابلة للتطبيق، ومستدامة مع مرور الزمن.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار