آخر الأخبار

أرق وتوتّر وحذَر.. لماذا يصبح النوم في مكان جديد مهمة شاقة؟

شارك

ليس من الغريب أن نشعر بالإرهاق في نهاية يوم طويل، ثم نعجز عن النوم لمجرّد وجودنا في غرفة فندق أو منزل غير مألوف. تشير الأبحاث إلى أن هذا الأمر لا يعود إلى سبب واحد، بل إلى تداخل معقّد لعوامل بيولوجية ونفسية تدفع الدماغ إلى التعامل بحذر مع البيئة الجديدة.

توضح شارلوت غوبتا، الباحثة في مجال النوم في معهد أبلتون، أن اضطراب النوم خارج المنزل يرتبط أساسًا بتعطّل الإشارات التي يعتمد عليها الدماغ للشعور بالأمان والاستقرار. ولفهم هذه المسألة، يمكن التوقف عند مجموعة من العوامل التي تجعل النوم في بيئة غير مألوفة أمراً صعبًا.

1. غياب إشارات الأمان

الدماغ مبرمج على حبّ التوقع والثبات، لا سيما ليلًا، خلال أكثر سلوكياتنا هشاشة: النوم. فهناك منظومة متكاملة من الإشارات الداخلية والخارجية تتعاون لتهيئة الظروف المناسبة للراحة.

على المستوى الداخلي، يبعث الجسم إشارات على دخوله مرحلة الاستعداد للنوم عبر خفض درجة حرارته الأساسية وزيادة إفراز هرمون الميلاتونين المحفّز للنوم، ما يقلّل من مستوى اليقظة. أما خارجيًا، فيفترض أن تدعم البيئة هذه الإشارات بدل أن تنافسها. في المنزل، تشكّل العادات المعتادة والمحيط المألوف رسالة طمأنة للجسم بأن المكان آمن للنوم.

غير أن الانتقال إلى مكان جديد غالبًا ما يربك هذه المنبهات البصرية والسمعية والحسية. قد تختلف الإضاءة ، مثل وهج ساعات غرف الفنادق أو إنارة الشارع المتسرّبة من النافذة. وقد تظهر أصوات غير معتادة، كصوت المصعد أو حركة المرور أو الجيران.

حتى تفاصيل الفراش تلعب دورًا: سرير أكثر صلابة أو وسائد أكثر ليونة من المعتاد. أضف إلى ذلك تغيّر السلوكيات اليومية، مثل تناول الطعام في وقت متأخر أو استخدام الحاسوب المحمول فوق السرير، ما يربك الإشارات المرتبطة بالاستعداد للنوم.

مصدر الصورة امرأة مستلقية على جانبها فوق وسادة بيضاء Canva

2. تأثير "الليلة الأولى"

من منظور آخر، قد يكون الاستيقاظ المتكرر في مكان جديد سلوكًا وقائيًا يتيح رصد التهديدات المحتملة بسرعة أكبر. هذه الظاهرة تُعرف باسم "تأثير الليلة الأولى"، وتعني أن الدماغ لا ينطفئ بالكامل في البيئة غير المألوفة.

وقد أظهرت تسجيلات نشاط الدماغ أنه خلال الليلة الأولى في مكان جديد، يبقى الجانب الأيسر أكثر استجابة للأصوات غير المعتادة، حتى أثناء النوم العميق، مقارنة بالليلة الثانية.

ومع التكيّف التدريجي مع البيئة، يتراجع هذا التيقظ عادةً. ومع ذلك، قد تستمر عوامل أخرى في التأثير على النوم حتى بعد بدء الاعتياد على المكان.

3. التوتر والسفر

لا يقتصر الأمر على البيئة الفيزيائية، فالنوم في مكان جديد قد يكون بحد ذاته مصدرًا للتوتر. قد ينشغل الدماغ بالتفكير في ترتيبات الرحلة، أو في موعد طائرة مبكرة، أو في احتمال نسيان أغراض مهمة، فضلًا عن اضطراب فروق التوقيت.

كما أن مشاعر الحنين إلى المنزل أو الحماس أو الترقب أو القلق يمكن أن تعرقل النوم. حتى التوتر الإيجابي، كالحماس لرحلة كبيرة، يفعّل أنظمة الاستثارة نفسها التي ينشّطها التوتر السلبي، إذ لا يميّز الدماغ بين أسباب تشغيل هذه الأنظمة. والمشكلة أن ارتفاع مستوى الاستثارة والنوم حالتان متنافستان، فعندما تكون استجابة التوتر نشطة، فإنها تعيق قدرة الدماغ على الانفصال التدريجي والدخول في النوم، حتى لو كان الجسد مرهقًا.

في المقابل، ينام بعض الأشخاص بشكل أفضل بعيدًا عن المنزل، فالابتعاد بالنسبة لهم قد يعني التحرر من مشتتات الحياة اليومية: لا مسؤوليات منزلية، ولا مهام متراكمة، وحدود أوضح بين "وقت العمل" و"وقت الراحة". وتشير أبحاث إلى أن من لا يحصلون على قسط كافٍ من النوم في المنزل يميلون إلى النوم بشكل أفضل أثناء السفر.

مصدر الصورة رجل مستلقٍ على جانبه ويحتضن الوسادة. Canva

كيف يمكن التخفيف من هذه المشكلة؟

أولًا، من المهم طمأنة النفس: ليلة سيئة في مكان جديد لا تعني وجود خلل شخصي، بل تعكس استجابة وقائية طبيعية من دماغ مبرمج على الألفة والأمان، وقد يحتاج الأمر إلى ليلة أو ليلتين للتأقلم.

ثانيًا، يُستحسن اختيار مكان إقامة ملائم للنوم متى كان ذلك ممكنًا، فالكثير من الفنادق تُصمَّم خصيصًا لتعزيز جودة النوم، من خلال قوائم لاختيار الوسائد، وأطعمة غنية بالميلاتونين ضمن خدمة الغرف، وهي تفاصيل قد تُحدث فارقًا فعليًا.

ثالثًا، يُستحسن التعامل مع اليوم الأول بوصفه مرحلة انتقالية، مع توقع أن الليلة الأولى قد لا تكون مثالية، وتجنّب جدولة مهام مرهقة في صباح اليوم التالي كلما أمكن.

وأخيرًا، يمكن "حمل روتين النوم في الحقيبة" كما يفعل الأهل مع أطفالهم، إذ يساعد اصطحاب عناصر مألوفة مثل غطاء وسادة خاص، أو قناع للنوم، أو عطر مهدئ، على منح الدماغ إشارات مألوفة في بيئة غير مألوفة.

أما إذا لاحظت أن نومك يتحسّن بعيدًا عن المنزل، فقد تكون تلك فرصة لإعادة تقييم بيئة نومك المعتادة: التأكد من أن الغرفة باردة ومظلمة، وأن السرير مريح بوسائد داعمة وملاءات نظيفة، واعتماد روتين مهدئ قبل النوم عبر خفض الإضاءة وتقليل استخدام الشاشات مساءً، والالتزام بمواعيد نوم واستيقاظ منتظمة، حتى في عطلات نهاية الأسبوع.

يورو نيوز المصدر: يورو نيوز
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار