بعد مضي ما لا يزيد على أربعة أشهر على توليه المنصب، يجد رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي كيفن وورش نفسه عالقا بين الأسواق المالية التي تتوقع زيادة في أسعار الفائدة، والرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي يريد من البنك المركزي خفض تكاليف الاقتراض أو إبقاءها من دون تغيير.
ويتوقع معظم الاقتصاديين أن يلتزم وورش وزملاؤه في لجنة السياسات بما تقتضيه توقعات الأسواق عندما يعلن الاحتياطي الفدرالي قراره يوم الأربعاء.
وقد ترك وورش لنفسه هامشا ضيقا للمناورة بعد أن حذر في مؤتمر "جاكسون هول" للاحتياطي الفدرالي في أواخر آب/أغسطس من أن التضخم ما زال أعلى بكثير من هدف البنك المركزي البالغ اثنين في المئة.
وتعززت توقعات الرفع بعدما أظهرت أحدث أرقام التضخم أن الضغوط على الأسعار ما زالت مرتفعة بعناد، إذ تشير أسواق العقود الآجلة إلى احتمال يقارب 90 في المئة لزيادة قدرها ربع نقطة مئوية.
ومن شأن خطوة كهذه أن ترفع النطاق المستهدف لسعر الفائدة من 3,5-3,75 إلى 3,75-4 في المئة.
ولم يمنح المؤتمر الصحفي الذي عقده لاحقا المستثمرين وضوحا يذكر بشأن كيفية نية البنك المركزي التعامل مع التضخم المستمر. ومنذ ذلك الحين ارتفعت تكاليف الاقتراض طويل الأجل، وقفز عائد سندات الخزانة لأجل 10 أعوام هذا الأسبوع فوق 5 في المئة، وهو مستوى لم يُسجَّل منذ سنوات.
كما ارتفعت معدلات الرهن العقاري، التي تتأثر مباشرة بعوائد سندات الخزانة أكثر من تأثرها بسعر الفائدة القياسي للاحتياطي الفدرالي. وبلغ متوسط سعر الفائدة على الرهن العقاري الثابت لأجل ثلاثين عاما 6,76 في المئة في الأسبوع المنتهي في العاشر من أيلول/سبتمبر، بحسب "فريدي ماك".
ويحذر اقتصاديون من أنه إذا أبقى الاحتياطي الفدرالي أسعار الفائدة بلا تغيير مرة أخرى، فإنه يخاطر بتكرار رد الفعل الذي شهدته الأسواق بعد اجتماعه في تموز/يوليو، إذ يطالب المستثمرون عموما بعوائد أعلى على السندات الحكومية وسندات الشركات عندما يتوقعون بقاء التضخم مرتفعا.
وتقول ديان سوانك، كبيرة الاقتصاديين في "كيه بي إم جي": "هنا يكمن التناقض: رفع الفائدة الآن قد يخفض أسعار الفائدة الطويلة الأجل لاحقا".
وتضيف: "إذا أُعيدت الثقة في هدف الاثنين في المئة، يمكن أن يتراجع هامش التضخم. أما إذا فشلوا، فستتشدد الأوضاع بدلا من ذلك عبر ارتفاع معدلات الرهن العقاري، وتكاليف اقتراض الشركات، وفوائد الدين".
لكن الآفاق الاقتصادية تبدلت منذ ذلك الحين؛ فالحرب مع إيران دفعت أسعار الطاقة إلى الارتفاع، بينما أضافت الرسوم الجمركية والاستثمار القوي في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي مزيدا من الضغوط التضخمية.
وارتفع المقياس المفضل للتضخم لدى الاحتياطي الفدرالي، وهو مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، بنسبة 3,7 في المئة على أساس سنوي حتى تموز/يوليو. وكان ذلك ارتفاعا من 2,3 في المئة في نيسان/أبريل 2025، قبل سريان أحدث رسوم ترامب الجمركية.
وبلغ تضخم مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي، الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة المتقلبة، 3,3 في المئة في تموز/يوليو، مقارنة بـ3 في المئة قبل فترة وجيزة من الحرب مع إيران.
وقد يعرّض الإبقاء على أسعار الفائدة من دون تغيير الاحتياطي الفدرالي أيضا لاتهامات بالخضوع لضغوط البيت الأبيض، وهو ما قد يضر بمصداقيته لدى المستثمرين.
وتقول كريستين فوربس، أستاذة الاقتصاد في "معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا" وعضو لجنة السياسات في "بنك إنجلترا" سابقا: "كيفن يهتم بإرثه".
وتتابع: "وهو يدرك أن رؤساء الاحتياطي الفدرالي الذين يرضخون للضغوط السياسية بدلا من الاستجابة للاقتصاد لا يخلّدهم التاريخ بصورة حسنة".
ووجّه ترامب مرارا انتقادات إلى سلف وورش، جيروم باول، لعدم خفضه أسعار الفائدة بالسرعة الكافية. كما فتحت وزارة العدل تحقيقا جنائيا في الشهادة التي أدلى بها باول أمام الكونغرس، قبل أن يُغلَق التحقيق لاحقا.
وعندما سُئل يوم الأحد عن رد فعل ترامب المحتمل إزاء رفع الفائدة، قال المستشار الاقتصادي في البيت الأبيض كيفن هاستيت لشبكة "فوكس نيوز": "أنا متأكد من أنه لن يكون مسرورا جدا بذلك، لكنه سيدافع عن استقلالية كيفن وورش قبل أي شيء".
حتى إذا رفع الاحتياطي الفدرالي أسعار الفائدة يوم الأربعاء، يبقى من غير الواضح ما إذا كانت زيادات أخرى ستتبع هذه الخطوة.
فالبنوك المركزية نادرا ما تغيّر أسعار الفائدة مرة واحدة فقط ، إذ تبدأ عادة سلسلة من الزيادات أو الخفض تستهدف التأثير في التضخم والنشاط الاقتصادي.
ومع ذلك، هناك سابقة لزيادة وحيدة؛ ففي آذار/مارس 1997 رفع الاحتياطي الفدرالي بقيادة آلان غرينسبان أسعار الفائدة بربع نقطة مئوية. وبدأت الأزمة المالية الآسيوية بعد عدة أشهر، ما دفع صانعي السياسات إلى تثبيت الفائدة قبل خفضها ثلاث مرات في خريف 1998.
ويتوقع المستثمرون حاليا ثلاث زيادات، في أيلول/سبتمبر، وكانون الأول/ديسمبر وآذار/مارس.
لكن جوناثان بينغل، الاقتصادي في "يو بي إس"، يقول إن الاحتياطي الفدرالي قد يتخلى مع ذلك عن الزيادات اللاحقة إذا أظهرت البيانات الواردة تباطؤ التضخم.
ويضيف: "ليسوا مضطرين إلى المضي في ذلك إذا جاءت البيانات في صالحهم".
لذلك سيركز المستثمرون عن كثب على التحديث الفصلي الذي سيصدره الاحتياطي الفدرالي لتوقعاته الاقتصادية يوم الأربعاء. وسيوضح هذا التحديث المستوى الذي يتوقعه كلّ من صانعي السياسات لسعر الفائدة القياسي في نهاية هذا العام والعام المقبل.
المصدر:
يورو نيوز