تبدو رواتب لاعبي كرة القدم في الدوريات الأوروبية الـ5 الكبرى وكأنها تعكس القيمة الفنية للاعب فوق أرضية الملعب، لكنها في الواقع نتاج منظومة اقتصادية أكثر تعقيدا، تتداخل فيها إيرادات الأندية، وحقوق البث والرعاية وقوة العلامة التجارية والمنافسة على اللاعبين والضرائب وشروط العقود، إلى جانب قواعد الاستدامة المالية التي تفرضها الهيئات الكروية.
ولا تكشف مقارنة الأجور فقط عن أسماء اللاعبين الأعلى دخلا، وإنما تبرز أيضا الفوارق بين الأسواق والأندية، وتفسر أسباب قدرة ناد على دفع عشرات الملايين سنويا لنجم عالمي، بينما يعجز آخر داخل البطولة نفسها عن تقديم جزء من هذا المبلغ، وتزداد أهمية المقارنة عندما يتعلق الأمر بالراتب الثابت، إذ تختلف قيمته عن المكافآت والحوافز وحقوق الصورة والعقود التجارية.
تحولت كرة القدم الأوروبية في السنوات الأخيرة إلى صناعة ضخمة، ولم تعد مداخيل المباريات والتذاكر وحدها المحدد الرئيسي لقوة الأندية، إذ أصبحت حقوق البث والرعاية والأنشطة التجارية والمشاركة في المسابقات الأوروبية مصادر أساسية لتمويل الفرق، وتعزيز قدرتها على استقطاب النجوم والاحتفاظ بهم.
وتشير بيانات شركة "ديلويت" للمحاسبة والاستشارات (Deloitte) إلى الحجم المتزايد للسوق الأوروبية، مع تجاوز إيرادات كرة القدم الأوروبية حاجز 40 مليار يورو لأول مرة، فيما بلغت إيرادات الدوريات الـ5 الكبرى مجتمعة نحو 21.6 مليار يورو في موسم 2024/2025، بزيادة 6% عن الموسم السابق، وذلك وفق أحدث مراجعاتها لاقتصاد كرة القدم الأوروبية.
وتبرز إنجلترا بصورة خاصة في هذه المعادلة، إذ تمنح قوة الدوري الإنجليزي الممتاز (البريميرليغ) أنديته هامشا ماليا واسعا في سوق اللاعبين، ولكن ارتفاع الإيرادات لا يعني بالضرورة تحقيق أرباح ضخمة؛ فالمنافسة على النجوم والانتقالات ورواتب اللاعبين تستهلك جزءا كبيرا من هذه الموارد.
يمثل الدوري الإنجليزي الممتاز النموذج الأكثر وضوحا لقوة الإيرادات وقدرتها على رفع سقف أجور اللاعبين، وتظهر بيانات منصة تحليل البيانات المالية لكرة القدم "كابولوجي" (Capology) لموسم 2026/2027، أن إيرلينغ هالاند يتصدر رواتب مانشستر سيتي براتب ثابت يقدر بـ27.30 مليون جنيه إسترليني سنويا (نحو 36.9 مليون دولار أمريكي)، وذلك قبل احتساب المكافآت.
وتقدر مكافآت هالاند المحتملة بـ18.20 مليون جنيه إسترليني (24.65 مليون دولار)، بما قد يرفع إجمالي التعويضات الخاصة به إلى 45.50 مليون جنيه إسترليني (61.63 مليون دولار).
وتكشف قائمة مانشستر سيتي (ثاني الفرق على مستوى مجموع أجور اللاعبين في العالم بأزيد من 314.8 مليون دولار سنويا) الحالية أيضا عن وجود جاك غريليش براتب ثابت يبلغ نحو 15.60 مليون جنيه إسترليني (21.1 مليون دولار)، والمصري عمر مرموش بـ 15.34 مليون جنيه إسترليني (20.7 مليون دولار)، وفيل فودين بنحو 14.56 مليون جنيه إسترليني تقريبا (19.7 مليون دولار)، فيما يبلغ راتب الحارس جيانلويجي دوناروما نحو 13.78 مليون جنيه إسترليني (18.6 مليون دولار)، وفق بيانات "كابولوجي" الحالية.
وتكشف قائمة أعلى 5 رواتب في الدوري الإنجليزي الممتاز عن اتساع الفجوة بين السوق الإنجليزية وبقية الدوريات الأوروبية، إذ يتصدر هالاند القائمة، يليه فيرجيل فان دايك مع ليفربول بنحو 18.2 مليون جنيه إسترليني (24.6 مليون دولار)، ويأتي بعدهم كل من غريليتش مع مانشستر سيتي وبرونو فرنانديز مع مانشستر يونايتد وباكايو ساكا مع الأرسنال في دائرة الرواتب الأعلى بنحو 15.6 مليون جنيه إسترليني لكل واحد منهم (21.1 مليون دولار)، وتبقى هذه الأرقام تقديرية، كما أن القوائم تتغير مع الانتقالات وتعديلات العقود.
وتتضح قوة الأجور الإنجليزية بصورة أكبر عند النظر إلى أندية أخرى خارج الأسماء الرئيسية المذكورة؛ إذ يحصل ويسلي فوفانا مع تشيلسي على نحو 10.4 ملايين جنيه إسترليني سنويا (14 مليون دولار)، وهو أعلى راتب ثابت تقديري في الفريق اللندني وفق بيانات الموسم الحالي.
وتظهر هذه المستويات أن القدرة على دفع رواتب كبيرة لم تعد مقتصرة على نادٍ واحد، بل أصبحت موزعة على عدد من الأندية القادرة على المنافسة في سوق النجوم.
وتعكس هذه الأرقام قدرة الأندية الإنجليزية الكبرى على بناء كتلة أجور ضخمة حول مجموعة من النجوم، وليس حول لاعب واحد فقط، كما تؤكد أن التفوق المالي للدوري لا ينعكس في الراتب الأعلى فحسب، وإنما في اتساع قاعدة اللاعبين القادرين على الحصول على عقود تتجاوز عشرة ملايين جنيه إسترليني سنويا (13.54 مليون دولار).
لا يعني تفوق الدوري الإنجليزي من حيث الإيرادات أن الأندية الإسبانية عاجزة عن المنافسة في سوق الرواتب، فريال مدريد (أكثر الفرق إنفاقا بالعالم من ناحية أجور اللاعبين سنويا بـ 340 مليون دولار)، بفضل علامته التجارية العالمية وإيراداته الاقتصادية والرياضية، يستطيع تقديم عقود تضاهي أعلى المستويات الأوروبية.
وتضع بيانات "كابولوجي" كيليان مبابي في صدارة رواتب ريال مدريد، براتب ثابت يبلغ 31.25 مليون يورو سنويا، وذلك دون احتساب المكافآت.
وتصل المكافآت التقديرية لمبابي إلى 40.42 مليون يورو، مما قد يرفع إجمالي التعويض إلى 71.67 مليون يورو إذا تحققت جميع العناصر المحتسبة.
ويأتي فينيسيوس جونيور بنفس راتب مبابي الأسبوعي والسنوي، لكن الاختلاف يوجد بينهما على مستوى قيمة المكافآت، إذ يأخذ فينيسيوس من هذه الأخيرة ما يصل إلى 18.75 مليون يورو، ليصل إجمالي تعويضاته لنحو 50 مليون يورو سنويا، بينما يقدر راتب جود بيلينغهام بنحو 20.83 مليون يورو.
وتوضح هذه المستويات أن ريال مدريد قادر على الدخول مباشرة في المنافسة بقوة مع الأندية الإنجليزية عندما يتعلق الأمر بالنجوم العالميين.
ولكن المشهد الإسباني لا يقتصر على ريال مدريد؛ إذ يقدم نادي برشلونة حالة أكثر تعقيدا، بعدما اضطر في السنوات الماضية إلى التعامل مع ضغوط مالية وقيود مرتبطة بكتلة الأجور، مع احتفاظه في الوقت نفسه بعدد من العقود المرتفعة.
وتضع بيانات "كابولوجي" لامين جمال في صدارة رواتب برشلونة، براتب ثابت يبلغ 20.83 مليون يورو سنويا، مع مكافآت تقديرية تبلغ 10.42 ملايين يورو، ما قد يرفع إجمالي تعويضاته إلى 31.25 مليون يورو، ويمتد عقده الحالي مع النادي حتى يونيو/حزيران 2031.
ويأتي رافينيا براتب ثابت قدره 16.67 مليون يورو، مع مكافآت تصل إلى 4.1 مليون يورو، ويقدر راتب جول كوندي بـ15.63 مليون يورو، فيما يصل راتب فرينكي دي يونغ إلى قرابة 13.02 مليون يورو.
ولا تكتمل قائمة الـ5 الأوائل على مستوى "الليغا" عند ريال مدريد وبرشلونة فقط؛ إذ يدخل يان أوبلاك، حارس أتلتيكو مدريد، ضمن القمة براتب ثابت تقديري يبلغ 20.83 مليون يورو، مع إضافة مكافآت تصل إلى 5.2 مليون يورو، مما يعني أن مجموع تعويضاته يقارب 26 مليون يورو، وهو أعلى راتب في أتلتيكو مدريد.
وتكشف هذه المعطيات أن سوق الأجور الإسبانية لا تقتصر على قطبي "الكلاسيكو"، وإن كانا يملكان الحصة الأكبر من النجوم الأعلى أجرا.
وهكذا تكشف إسبانيا عن مفارقة لافتة؛ مفادها أن ريال مدريد يملك قدرة مالية ضخمة تسمح له بمنافسة أندية الدوري الإنجليزي الممتاز في رواتب اللاعبين، بينما يحاول برشلونة المواءمة بين الاحتفاظ بنجومه وإدارة فاتورة أجور مرتفعة في ظل القيود المالية.
يحتفظ الدوري الألماني بدوره بسقف مرتفع للأجور، غير أن القوة المالية تتركز بصورة واضحة في بايرن ميونيخ، إذ نجد هاري كين في صدارة رواتب النادي البافاري براتب ثابت يبلغ 25 مليون يورو سنويا، دون احتساب قيمة المكافآت؛ التي تصل لديه إلى 6.2 مليون يورو، مما يجعل مجموع تعويضاته يقف عند حاجز 31.2 مليون يورو.
ويأتي جمال موسيالا براتب ثابت قدره 22.83 مليون يورو، ثم جوشوا كيميش بـ20 مليون يورو، بينما يقدر راتب دايوت أوباميكانو بنحو 16.04 مليون يورو، ومانويل نوير بحوالي 15.10 مليون يورو.
وتبقى القمة الألمانية أكثر تركزا داخل بايرن مقارنة بالدوري الإنجليزي، إذ تنخفض الرواتب بصورة واضحة لدى أبرز منافسيه، فعلى سبيل المثال، يتصدر نيكو شلوتربيك قائمة بوروسيا دورتموند براتب ثابت تقديري يبلغ نحو 9.43 مليون يورو سنويا، بينما يحصل كل من إسيكييل بالاسيوس وباتريك شيك مع باير ليفركوزن على نحو 7.55 مليون يورو.
وتوضح هذه الفجوة أن بايرن لا يملك فقط أعلى اللاعبين أجرا في "البوندسليغا"، بل يتمتع أيضا بقدرة استثنائية على الاحتفاظ بنجومه المحليين والدوليين، في حين تعمل أندية مثل دورتموند وليفركوزن ضمن مستويات مالية أقل، حتى عندما تنافس على الألقاب والمشاركة الأوروبية.
وتظل ألمانيا مختلفة عن إنجلترا من حيث توزيع القوة؛ فبينما تضم إنجلترا عددا أكبر من الأندية القادرة على دفع رواتب ضخمة، تظل القدرة على الوصول إلى قمة الأجور في ألمانيا مركزة بصورة أكبر داخل بايرن ميونيخ.
تبدو مستويات الرواتب في الدوري الإيطالي أقل مما عليه الحال في البطولتين الإنجليزية والإسبانية، لكنها لا تخلو من عقود مرتفعة للغاية، إذ شهد سوق الأجور في "الكالتشيو" تغيرات مهمة.
وتظهر بيانات "كابولوجي" لموسم 2026/2027 أن لاوتارو مارتينيز يتصدر رواتب إنتر ميلان براتب ثابت يبلغ 16.67 مليون يورو سنويا، بينما يحصل نيكولو باريلا على نحو 12.04 مليون يورو، وهاكان تشالهان أوغلو على 11.11 مليون يورو.
وفي نابولي، يصل راتب كيفن دي بروين إلى 11.11 مليون يورو، بينما يبلغ راتب راسموس هويلوند نحو 9.26 ملايين يورو، وروميلو لوكاكو حوالي 7.69 ملايين يورو.
وتضم دائرة الرواتب المرتفعة كذلك لاعبي يوفنتوس كينان يلدز وجوناثان ديفيد؛ بحصول كل واحد منهما على 11.11 مليون يورو، فيما يصل راتب كل واحد من أدريان رابيو وكريستوفر نكونكو مع ميلان إلى حوالي 9.26 ملايين يورو.
وتكشف الحالة الإيطالية بوضوح أهمية التمييز بين الراتب الإجمالي والصافي، فالرقم الذي تدفعه في الغالب أندية "الكالتشيو" لا يمثل بالضرورة المبلغ الذي يحتفظ به اللاعب بعد الضرائب والاقتطاعات، كما أن اختلاف النظام الضريبي بين الدول يجعل المقارنة المباشرة بين الرواتب الإجمالية أقل دقة.
ويشار إلى أن المهاجم الصربي دوشان فلاهوفيتش -صاحب أعلى راتب بـ"سيري أ" سابقا- انتقل هذا الصيف من يوفنتوس الذي كان يتقاضى معه أجرا سنويا بقيمة 22.22 مليون يورو، إلى بشكتاش التركي مقابل حصوله على راتب سنوي يبلغ 9.38 ملايين يورو، لكن هذا الأخير يبقى وفق الخبراء صافيا من الضرائب والاقتطاعات، التي يتكلف بها فريقه الجديد، والتي تبقى أقل مما هو مفروض على اللاعبين بإيطاليا.
وتظهر هذه الأرقام أن أعلى رواتب لاعبي الفرق الإيطالية أصبحت أقل تركزا في ناد واحد، مع توزيع عدد من العقود المرتفعة بين إنتر ويوفنتوس ونابولي وميلان.
كينان يلدز يحصل على 11.11 مليون يورو سنويا (الفرنسية)تتسم فرنسا بتركيز أكبر للقوة المالية في باريس سان جيرمان، الذي يضم أصحاب أعلى الرواتب في "ليغ 1″، ويتصدر عثمان ديمبيلي القائمة براتب ثابت تقديري يبلغ 18.18 مليون يورو سنويا، مع مكافآت تقديرية تبلغ 9 ملايين يورو، ليحدد مجموع عوائد راتبه السنوي في 27 مليون يورو.
ويحل ثانيا؛ خفيتشا كفاراتسخيليا بنحو 16.36 مليون يورو، إضافة لمنح تتجاوز 5.4 ملايين يورو، ليصل مجموع ما يحصل عليه إلى 21.8 مليون يورو، ثم المغربي أشرف حكيمي بحوالي 13.64 مليون يورو، فضلا على مكافآت لفائدته تبلغ 6.3 ملايين يورو، محققا تعويضات إجمالية بقيمة 20 مليون يورو.
وفيما يبلغ راتب ماركينيوس مع الفريق الباريسي حوالي 13.45 مليون يورو، ويتقاضى زميله لوكاس هيرنانديز ما يناهز 13.27 مليون يورو.
وفي مارسيليا، يتصدر بيير إميل هويبيرغ قائمة الأجور براتب ثابت يبلغ نحو 6.36 ملايين يورو سنويا، بينما يبلغ أعلى راتب في أولمبيك ليون، عبر لويس أوبيندا، حوالي 7.27 ملايين يورو، وأما في موناكو، فلا يتجاوز أعلى راتب، وفق تقديرات الموسم الحالي، 4.6 ملايين يورو ويتقاضاه دينيس زكريا.
وهذه الفوارق تبرز بوضوح طبيعة السوق الفرنسية، إذ إن باريس سان جيرمان يعمل بقدرة مالية تختلف جذريا عن معظم منافسيه المحليين، وهو ما يفسر احتكاره تقريبا للقمم العليا في سلم الرواتب، وتوضح أن الأجر الأساسي لا يمثل دائما التعويض كله؛ فمكافآت الأداء والتوقيع والبطولات قد ترفع القيمة النهائية للعقد بصورة ملموسة.
عثمان ديمبيلي نجم نادي باريس سان جيرمان والمتوج بالكرة الذهبية عن موسم 2025 (الفرنسية)لا يوجد سلم أوروبي موحد يحدد أجر لاعب كرة القدم، فالراتب نتيجة تفاوض بين النادي واللاعب ووكيله، ويتأثر بالمستوى الفني والعمر والمركز والإحصائيات ومدة العقد وحاجة النادي وعدد الأندية المنافسة على اللاعب.
ولهذا يمكن أن يحصل لاعبان متقاربان في المستوى الرياضي على راتبين مختلفين تماما، فقد يكون أحدهما مرتبطا بعقد طويل مع ناد غني، بينما يدخل الآخر الأشهر الأخيرة من عقده ويتمتع بقوة تفاوضية أكبر بسبب قدرته على الانتقال دون رسوم انتقال.
يذكر أن القيمة السوقية ورسوم الانتقال والراتب ثلاثة عناصر مختلفة، فقد يدفع ناد عشرات الملايين للحصول على لاعب مرتبط بعقد، بينما يحصل لاعب آخر انتقل مجانا على راتب أعلى أو مكافأة توقيع أكبر لتعويض غياب رسوم انتقال.
كيفين دي بروين نجم نابولي الإيطالي يصل راتبه إلى 11.11 مليون يورو (غيتي)تأتي حقوق البث في مقدمة مصادر القوة الاقتصادية للأندية، لأنها تحول حجم الجمهور والمشاهدة إلى موارد يمكن إعادة توجيهها نحو الأجور والانتقالات.
ولكن البث لا يعمل منفردا؛ فالرعاية التجارية والتذاكر والضيافة وبيع المنتجات والإعلانات والجوائز الأوروبية والمنصات الرقمية، كلها تدخل في تحديد قدرة النادي على الإنفاق.
ولهذا قد يمتلك نادٍ داخل الدوري نفسه ميزانيتين مختلفتين جذريا، فالعلامة التجارية العالمية والقاعدة الجماهيرية والنجاحات الرياضية المتراكمة تستطيع رفع الإيرادات التجارية، ومن ثم توسيع القدرة على تقديم رواتب أعلى.
عند مقارنة راتب لاعب في إنجلترا بآخر في إسبانيا أو إيطاليا أو فرنسا أو ألمانيا، فإن الرقم الإجمالي لا يكفي، فالضرائب والاشتراكات الاجتماعية تختلف من دولة إلى أخرى، ومن ثم تختلف تكلفة اللاعب على النادي وكذلك المبلغ الذي يحتفظ به اللاعب فعليا.
وتصمم الأندية حزمة تعويضات متعددة المكونات تشمل الراتب الأساسي، ومكافآت الأداء، ومكافأة التوقيع، وبعض المزايا الأخرى، ولذلك لا يمكن معرفة الجاذبية الاقتصادية الحقيقية لعرض ما؛ من دون النظر إلى كامل بنود العقد.
وتختلف الضريبة على دخل لاعبي كرة القدم في الدوريات الأوروبية الكبرى بحسب الدولة ومستوى الدخل، إذ تعتمد معظم الدول نظاما تصاعديا ترتفع فيه النسبة كلما ارتفع الدخل.
ووفق بيانات مؤسسة السياسات الضريبية (مقرها في بروكسل) "Tax Foundation" لعام 2026، يبلغ متوسط أعلى معدل قانوني لضريبة الدخل الشخصي في الدول الأوروبية الأعضاء بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نحو 43.4%، فيما تتفاوت النسب بشكل واضح بين الدوريات الخمس الكبرى؛ ففي فرنسا يصل أعلى معدل إلى 55.4%، بينما يبلغ 54% في إسبانيا، و47.5% في ألمانيا، و47.2% في إيطاليا.
واعتمادا على معطيات مؤسسة السياسات الضريبية، وقرار هيئة الإيرادات والجمارك البريطانية، بخصوص معدلات ضريبة الدخل والإعفاءات للسنوات الضريبية الحالية والسابقة، تبلغ ضريبة الدخل الشخصي التي تشمل لاعبي كرة القدم في إنجلترا بالنسبة إلى المعدل الإضافي على الدخل المرتفع؛ ما يصل إلى 45%.
وتوضح هذه الأرقام أن اللاعبين أصحاب الرواتب المرتفعة يخضعون لشرائح ضريبية عليا، لكن النسبة القصوى لا تطبق على الراتب كله، كما أن الاشتراكات الاجتماعية والضرائب المحلية والأنظمة الخاصة ببعض اللاعبين الأجانب قد تؤثر في المبلغ النهائي الذي يدفعه اللاعب.
انتقال اللاعب المحترف عملية متعددة الأطراف، تبدأ بتوافق النادي الراغب في التعاقد مع النادي الذي يملك حقوق اللاعب، قبل الانتقال إلى التفاوض على الشروط الشخصية للعقد مع اللاعب ووكيله، ثم استكمال الإجراءات القانونية والتسجيلية.
وفي الانتقالات الدولية تدخل منظومة الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) لتنظيم العملية، بينما تشكل غرفة المقاصة التابعة للاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA Clearing House) إحدى آليات إصلاح نظام الانتقالات، خصوصا فيما يتعلق بمكافآت تكوين اللاعبين ومساهمات التضامن.
وتسعى هذه الآلية إلى مركزة ومعالجة وأتمتة المدفوعات المرتبطة بحقوق الأندية التي ساهمت في تكوين اللاعبين، بما يعزز الشفافية ويحد من الاختلالات في سوق الانتقالات.
لا يقتصر دور وكيل اللاعب على البحث عن ناد جديد، بل أصبح طرفا أساسيا في هندسة العقد والتفاوض بشأن الراتب والمكافآت ومدة العقد وشروط الانتقال وغيرها من البنود.
وتزداد أهمية الوكيل عندما يكون اللاعب مرغوبا من أندية عدة، لأن تعدد العروض يمنح اللاعب قوة تفاوضية أكبر ويجعله في وضعية تسمح له بفرض شروطه المالية على من يرغب في ضمه.
وفي المقابل، قد يضطر لاعب آخر إلى قبول راتب أقل إذا كان ناديه المستهدف هو الخيار الوحيد المتاح أو إذا كان مرتبطا بعقد طويل.
ومن ثم فإن المنافسة بين الأندية لا ترفع فقط قيمة رسوم الانتقال، وإنما يمكن أن ترفع الراتب والحوافز ومكافأة التوقيع وما يتعلق بالمنح الأخرى المختلفة أيضا.
وأنفقت الأندية الاحترافية لكرة القدم للرجال ما مجموعه 1.37 مليار دولار أمريكي على رسوم خدمات وكلاء الأندية المتعلقة بالانتقالات الدولية للاعبين في 2025، وذلك بزيادة تجاوزت 90% مقارنة بالعام الماضي، وفقا لما ورد في تقرير الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لعام 2025.
محمد صلاح بقميص فريقه الجديد طرابزون سبور التركي (حساب النادي على إكس)لم يعد بإمكان الأندية المشاركة في المسابقات الأوروبية التعامل مع الرواتب والانتقالات باعتبارها إنفاقا مفتوحا، إذ أقر الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (UEFA) قاعدة تكلفة التشكيلة (Squad Cost Ratio)، التي تحد تكلفة تشكيلة الفريق عند 70% من إيرادات النادي، وتشمل أجور اللاعبين والمدربين وتكاليف الانتقالات وعمولات الوكلاء.
وطبقت القاعدة بصورة تدريجية، قبل الوصول إلى سقف 70% ابتداء من موسم 2025/2026، بما يعني أن النادي صاحب الإيرادات الأكبر يمتلك مساحة إنفاق أكبر، لكنه لا يملك حرية غير محدودة في رفع فاتورة الأجور.
وهنا تبرز المفارقة التي تفسر وضع برشلونة بصورة خاصة، إذ إن ارتفاع الأجور لا يعني بالضرورة أن النادي يعيش وضعا ماليا مريحا؛ فقد يكون النادي مضطرا إلى إدارة عقوده وإعادة هيكلتها ضمن قيود مالية صارمة، رغم امتلاكه لاعبين يحصلون على رواتب مرتفعة.
تكشف أحدث بيانات "ديلويت" عن تفاوت واضح في حجم كتلة الأجور بين الدوريات الأوروبية الـ5 الكبرى في موسم 2024/2025، ويتصدر الدوري الإنجليزي الممتاز المشهد بفارق كبير، بعدما بلغت تكاليف الأجور الإجمالية لأنديته نحو 4.4 مليارات جنيه إسترليني (نحو 5.2 مليارات يورو)، بزيادة قدرها 381 مليون جنيه إسترليني عن الموسم السابق، مع استقرار نسبة الأجور إلى الإيرادات عند نحو 65%.
ويأتي الدوري الإسباني في المرتبة الثانية، إذ ارتفعت كتلة أجور أنديته بنسبة 2% لتصل إلى نحو 2.5 مليار يورو في موسم 2024/2025، بينما بلغت بالدوري الألماني نحو 2.3 مليار يورو بزيادة 5%، رغم أن برلين سجلت أدنى نسبة بين الدوريات الخمس في الأجور إلى الإيرادات عند 54%.
لامين جمال في صدارة رواتب برشلونة براتب ثابت يبلغ 20.83 مليون يورو سنويا (رويترز)وفي الدوري الإيطالي ارتفعت تكاليف الرواتب بنسبة 2% إلى نحو 2 مليار يورو، وهو ما يعادل 66% من الإيرادات الإجمالية للأندية، في حين سجل الدوري الفرنسي أدنى كتلة رواتب بين الدوريات الخمس، بنحو 1.7 مليار يورو، بعدما تراجعت بنسبة 7% في الموسم نفسه.
ومع ذلك ارتفعت نسبة الرواتب إلى الإيرادات في فرنسا إلى 80%، نتيجة الانخفاض الأكبر في الإيرادات، مما يعكس ضغطا ماليا أكبر على الأندية الفرنسية.
وبذلك، تصل كتلة الرواتب المجمعة للدوريات الخمس، وفق هذه الأرقام، إلى ما يقارب 13.9 مليار يورو، وتوضح هذه الأرقام أن الفارق بين الدوريات لا يتعلق فقط بأعلى راتب يحصل عليه نجم بعينه، وإنما بحجم الموارد التي تستطيع منظومة الدوري بأكملها توجيهها إلى الرواتب.
ومع ذلك، حذرت "ديلويت" من أن النمو المالي لا يعني بالضرورة تحسنا في المؤشرات الربحية، إذ ارتفعت الخسائر قبل الضرائب للدوريات الخمس مجتمعة إلى نحو 1.5 مليار يورو.
وتقدم هذه المعطيات خلفية مهمة لفهم أسباب دفع الأندية الإنجليزية رواتب ضخمة لعدد أكبر من النجوم، في حين تظل الأجور المرتفعة في ألمانيا وفرنسا أكثر تركزا لدى أندية بعينها، بينما تقع إسبانيا وإيطاليا في منطقة وسطى.
والفارق الأهم لا يكمن في اللاعب الأعلى أجرا فقط، وإنما في قدرة كل سوق على إنتاج عدد كبير من العقود المرتفعة، فالقوة المالية الإنجليزية موزعة على عدد أكبر من الأندية، بينما تتركز بصورة أكبر في إسبانيا لدى ريال مدريد وبرشلونة، وفي ألمانيا لدى بايرن ميونيخ، وفي فرنسا لدى باريس سان جيرمان.
وهنا يتضح أن الراتب في كرة القدم الأوروبية ليس مجرد مكافأة على الأداء فوق الملعب، وإنما هو نتاج مباشر لكل من ظروف السوق وقدرة النادي وقوة اللاعب التفاوضية والنظام الضريبي وقواعد الاستدامة المالية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة