آخر الأخبار

أزمة الاقتصاد تدفع كولومبيا نحو اليمين

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لم يكن فوز مرشح اليمين أبيلاردو دي لا إسبرييلا في الانتخابات الرئاسية الكولومبية مجرد انعكاس للتحول السياسي الذي تشهده دول عدة في أمريكا اللاتينية، بل جاء نتيجة تراكمات اقتصادية عمقت شعور قطاعات من الناخبين بأن النموذج القائم لم يعد قادرا على تحفيز الاستثمار أو توفير مسار مستدام للنمو.

ورغم أن حكومة الرئيس المنتهية ولايته غوستافو بيترو حققت تحسنا في بعض المؤشرات الاجتماعية، من بينها تراجع البطالة والفقر، فإن الاقتصاد ظل ينمو بمعدلات متواضعة، بينما انخفض الاستثمار واتسع العجز المالي وارتفعت كلفة الاقتراض، بالتزامن مع تصاعد المخاوف الأمنية وعدم اليقين التنظيمي، بحسب تحليل أعدته الباحثة أندريا كوريا ونشره موقع "إيكونوميكس أوبزرفاتوري".

اقرأ أيضا

list of 3 items
* list 1 of 3 إلى أين تتجه كولومبيا بقيادة حليف ترمب؟
* list 2 of 3 كولومبيا "اليمينية" تدشن "درع الأمريكتين" في معقل إسكوبار
* list 3 of 3 إيكونوميست: كولومبيا تفشل في كسر اقتصاد الكوكايين بالقوة end of list

وأسهم هذا التباين بين تحسن بعض المؤشرات الاجتماعية وتراجع الثقة في الآفاق الاقتصادية في تشكيل السلوك الانتخابي، إذ فضل نحو نصف الناخبين مرشحا وعد بتقليص حجم الدولة وإعادة فتح قطاع النفط والغاز أمام الاستثمار وخفض الضرائب وتشديد السياسة الأمنية.

وفاز دي لا إسبرييلا على مرشح اليسار إيفان سيبيدا بفارق يقارب 250 ألف صوت فقط في جولة الإعادة التي أجريت في 21 يونيو/حزيران، بما يعكس انقساما اجتماعيا وسياسيا حادا، ويجعل الاقتصاد أحد أبرز الاختبارات التي ستحدد قدرة الرئيس الجديد على تثبيت التحول الانتخابي أو تبدد التأييد الذي منحه الفوز.

مصدر الصورة

نمو ضعيف

تدخل كولومبيا مرحلة الانتقال السياسي بعدما تجنبت ركودا حادا كان يخشاه المستثمرون عقب وصول بيترو إلى الحكم عام 2022، لكنها لم تنجح في استعادة معدلات النمو التي عرفتها خلال العقد السابق.

وتشير وكالة فيتش للتصنيف الائتماني إلى أن الاقتصاد الكولومبي نما بمتوسط سنوي بلغ 2.5% بين عامي 2019 و2025، مقارنة بمعدلات تراوحت بين 3.5% و4% في فترات سابقة، وهو أداء جاء مدفوعا -بدرجة كبيرة- بالاستهلاك والتحويلات الحكومية وزيادة الحد الأدنى للأجور.

إعلان

وفي المقابل، انكمش الاستثمار بمتوسط 1.6% خلال الفترة نفسها، لتنخفض حصته إلى نحو 16% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بنحو 21% سابقا، وسط مخاوف الشركات من التدخل الحكومي وعدم استقرار السياسات الاقتصادية.

ويقول الخبير الاقتصادي ووزير المالية الكولومبي السابق خوسيه أنطونيو أوكامبو في مقال تحليلي نشره مركز الأبحاث الدولي "أو دي آي غلوبال"، إن الاستثمار ظل عند مستويات منخفضة تقارب 17% من الناتج، مقارنة بنحو 22% خلال العقد الثاني من الألفية، بالتزامن مع تراجع قطاعي التعدين والإنشاءات وتأخر تعافي الصناعة.

ويرى أوكامبو أن الاقتصاد تعافى بعد التباطؤ الحاد في 2023، لكنّ التعافي ظل محدودا عند نحو 2.5% سنويا، بما يجعل وعد دي لا إسبرييلا بتحقيق نمو يبلغ 7% طموحا بدرجة كبيرة، في حين قد يكون استهداف معدل يقارب 4% أكثر واقعية.

ضغوط معيشية

لا تدعم البيانات القول إن البطالة كانت في مسار صاعد عند إجراء الانتخابات، إذ بلغ معدلها نحو 8% في مايو/أيار 2026، وفقا لأوكامبو، وهو من أدنى المستويات المسجلة في كولومبيا خلال القرن الحالي.

كما تراجعت معدلات الفقر التي ارتفعت خلال جائحة كورونا، وانخفض الفقر متعدد الأبعاد إلى خانة الآحاد (صار أقل من 10) للمرة الأولى، بدعم من الإنفاق الاجتماعي وزيادة الأجور والتحويلات الحكومية.

لكنّ هذه المؤشرات أخفت نقاط ضعف أسهمت في استمرار الشعور بعدم الأمان الاقتصادي، أبرزها اعتماد جزء من تحسن سوق العمل على نمو التوظيف الحكومي، وارتفاع العمل غير الرسمي إلى نحو نصف الوظائف في المدن وأكثر من 4 أخماس الوظائف في المناطق الريفية، بحسب أوكامبو.

وتزامن ذلك مع ارتفاع كبير في الحد الأدنى للأجور، تجاوزت نسبته 40% بالقيمة الدولارية خلال السنوات الأخيرة، وهو ما دعم دخول العمال، لكنه رفع في المقابل تكاليف الشركات وضغط على قدرة القطاعات الموجهة للتصدير والمنافسة مع الواردات.

ويحذر أوكامبو من أن عودة التضخم إلى مسار صاعد ارتبطت جزئيا بزيادة الأجور، ودفعت البنك المركزي إلى رفع سعر الفائدة بنحو 3 نقاط مئوية، مما زاد كلفة الائتمان على الأسر والشركات.

وتعكس معطيات، وفق أوكامبو، أن الاستياء الشعبي لم يظهر بالضرورة في صورة بطالة مرتفعة، بل في هشاشة الوظائف، وارتفاع تكاليف التمويل، وضعف الاستثمار، والقلق من عدم قدرة الدولة على مواصلة الإنفاق الاجتماعي دون إجراء تخفيضات أو فرض ضرائب جديدة.

مصدر الصورة

أزمة مالية

مثلت أوضاع المالية العامة إحدى أكثر القضايا تأثيرا في صورة حكومة بيترو وفي تقييم الأسواق لمستقبل الاقتصاد، بعدما سجل عجز الحكومة المركزية 6.4% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، وفق وكالة فيتش.

وتقدر فيتش أن تثبيت الدين العام يتطلب تعديلا ماليا يعادل نحو 4% من الناتج، في ظل صعوبة خفض النفقات المرتبطة بالتقاعد والرعاية الصحية والتحويلات إلى الحكومات المحلية.

ويرى أوكامبو أن كولومبيا تواجه أزمة مالية كبيرة، بعدما تراوح العجز منذ عام 2024 بين 6% و7% من الناتج، وهي من أعلى المستويات في تاريخ البلاد وبين دول أمريكا اللاتينية.

إعلان

ويعزو ذلك أساسا إلى زيادة النفقات الجارية بنحو 4.4 نقاط مئوية من الناتج مقارنة بمتوسط العقد الماضي، في وقت ظل فيه الاستثمار العام ضعيفا.

ونتيجة لذلك، تجاوز الدين العام 60% من الناتج المحلي، ليقترب من أعلى مستوياته التاريخية، بينما أدى ارتفاع عوائد السندات إلى زيادة تكلفة تمويل الحكومة وتقليص المساحة المتاحة للصحة والتعليم والبنية التحتية.

وكانت وزارة المالية فعّلت بند تعليق القاعدة المالية في يونيو/حزيران 2025 حتى عام 2027، في خطوة أثارت تساؤلات بشأن مصداقية السياسة المالية، ويقدر المجلس الكولومبي المستقل للقاعدة المالية أن العجز قد يصل إلى 7.4% من الناتج في 2026، مقارنة بتقديرات حكومية ودولية تدور حول 5.2%.

كما فقدت كولومبيا تصنيفها الاستثماري لدى اثنتين من وكالات التصنيف الكبرى خلال 2025، في حين خفضت فيتش تصنيفها إلى "بي بي" مع نظرة مستقرة في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه.

ويشير مركز البحوث الاقتصادية الكولومبي "أنيف" (ANIF) إلى أن استعادة الاستقرار المالي قد تحتاج إلى إصلاح ضريبي يوفر نحو 30.2 تريليون بيزو، بما يعادل قرابة 8.8 مليارات دولار.

لكنّ دي لا إسبرييلا خاض حملته على وعود معاكسة نسبيا، شملت تقليص الجهاز الحكومي بنسبة 40%، وإلغاء عدد من الضرائب، وخفض نحو 700 ألف وظيفة في القطاع العام، وهو ما حوّل الانتخابات إلى مفاضلة بين استمرار الإنفاق الاجتماعي وتبني سياسة مالية أكثر تشددا.

مصدر الصورة

ثقة مفقودة

ظهر الأثر الاقتصادي في نتيجة الانتخابات بصورة أوضح في رد فعل الأسواق، إذ ارتفع البيزو الكولومبي بنحو 7.1% بعد الجولة الأولى، بينما انخفضت عوائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات بنحو 150 نقطة أساس.

وعكست هذه التحركات توقعات بأن حكومة يمينية ستكون أكثر استعدادا لإعادة فتح قطاعي النفط والغاز، وتقليص القيود التنظيمية، ومنح القطاع الخاص دورا أوسع في الاستثمار والبنية التحتية.

وكان الاستثمار الأجنبي المباشر قد تراجع بنحو 33% بين عامي 2022 و2025، في انعكاس لمخاوف المستثمرين من عدم اليقين القانوني وتغير القواعد المنظمة للقطاعات التقليدية، ولا سيما الطاقة والتعدين.

ويرى بنك "جيه بي مورغان" أن فوز دي لا إسبرييلا رفع احتمالات حدوث تحول سياسي واقتصادي حقيقي، وأن الحكومة الجديدة قد تكون أكثر قبولا لدى المستثمرين الدوليين في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والتعدين.

لكنّ البنك ظل حذرا بشأن العملة الكولومبية، محذرا من أن الانقسام السياسي والنزاعات المرتبطة بالعملية الانتخابية قد يتسببان في موجات جديدة من التقلب.

كما يرى محللو بنك "بي بي في إيه" الإسباني أن الأسواق ربما بالغت في تقدير قدرة الرئيس الجديد على تنفيذ تعديل مالي واسع، خصوصا في ظل افتقاره إلى أغلبية واضحة في الكونغرس.

ولا تملك حركة "المدافعون عن الوطن" التي ينتمي إليها الرئيس سوى مقعد واحد في مجلس النواب و4 مقاعد في مجلس الشيوخ، مما يجبر الحكومة على بناء تحالفات مع أحزاب الوسط واليمين التقليدي لإقرار الإصلاحات الضريبية والمالية.

مصدر الصورة البيزو الكولومبي ارتفع بنحو 7.1% بعد الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في البلاد (غيتي)

رهان الطاقة

احتل قطاع الطاقة مساحة مركزية في الخطاب الاقتصادي لليمين، بعدما أوقفت حكومة بيترو منح عقود جديدة لاستكشاف النفط والغاز ضمن توجهها نحو التحول البيئي.

ويراهن دي لا إسبرييلا على استئناف عقود الاستكشاف وإعادة توجيه شركة النفط الوطنية "إيكوبترول" نحو أنشطة الهيدروكربونات، في ظل مساهمة القطاع خلال العقد الماضي بنحو 2% من الناتج و13% من إيرادات الحكومة عبر الضرائب والأرباح والإتاوات.

ويقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة برلين الحرة دوريان كانتور في تصريحات لمنصة "إس آند بي غلوبال كوموديتي إنسايتس"، إن الرئيس يستطيع استئناف عقود الاستكشاف التقليدي بقرارات تنفيذية، لأن تجميدها كان سياسة حكومية وليس قانونا، كما يستطيع تغيير قيادة إيكوبترول التي تمتلك الدولة نحو 88% منها.

إعلان

لكنّ كانتور يؤكد أن تقديم حوافز ضريبية وإعادة هيكلة سوق الكهرباء وتعديل قواعد التشاور مع المجتمعات المحلية يتطلب موافقة الكونغرس، في حين تظل بعض القيود البيئية والدستورية خارج نطاق القرار الرئاسي المباشر.

وتزداد أهمية الملف مع تراجع احتياطيات الغاز الطبيعي إلى ما يعادل نحو 5.9 سنوات من الاستهلاك، واقتراب هامش القدرة الكهربائية المتاحة من مستوى الطلب الفعلي.

ويرى أندريس فيليبي كالديرون سانشيز، نائب رئيس أمريكا اللاتينية في شركة "ويلجنس" الاستشارية، في تصريحات لمنصة "إس آند بي غلوبال كوموديتي إنسايتس"، أن مشروع غاز "سيريوس" البحري يمثل أولوية، إذ تُقدر احتياطياته بنحو 6 تريليونات قدم مكعبة، مع إنتاج مستهدف يبلغ قرابة 470 مليون قدم مكعبة يوميا.

لكنّ المشروع لن يبدأ الإنتاج قبل 2029 أو 2030، بما يعني أن الوعود باستعادة الاكتفاء من الغاز لن تحقق نتائج فورية، وأن الحكومة ستحتاج أيضا إلى تسريع محطات استيراد الغاز وتطوير الحقول القائمة.

مصدر الصورة

الأمن والاقتصاد

لم تنفصل الاعتبارات الاقتصادية عن تدهور الأوضاع الأمنية في المناطق الريفية، حيث أدى نشاط الجماعات المسلحة والابتزاز والتعدين غير القانوني وضعف وجود الدولة إلى إبعاد الاستثمارات عن مناطق تمتلك إمكانات زراعية ومعدنية وسياحية كبيرة.

وتقول الباحثة غوين برنييت من جامعة إدنبرة، في تصريحات لـ"لاتين أمريكا أدفايزر": إن فوز دي لا إسبرييلا يعكس مزيجا من المشاعر المناهضة لليسار، والطلب على سياسات أمنية أكثر تشددا، والاعتقاد بأنه سيكون أكثر دعما للأعمال والاستثمار.

ويرى هنري زيمرفي الباحث في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية "سي إس آي إس" (CSIS)، في تصريحات نقلتها "لاتين أمريكا أدفايزر"، أن الناخبين منحوا أولوية واضحة لمواجهة الجريمة، لكنّ ضيق هامش الفوز يعني أن الرئيس لا يمتلك تفويضا شعبيا واسعا، وأن فشل سياساته الأمنية في تحقيق نتائج سريعة قد يؤدي إلى تآكل دعمه.

وتكشف المؤشرات عن أن الاقتصاد كان أحد أبرز العوامل التي دعمت صعود اليمين، عبر 3 مسارات رئيسية كالتالي:


* تباطؤ النمو والاستثمار.
* تفاقم الأزمة المالية.
* ربط الأمن بفرص العمل والتنمية في الأقاليم.

ومع ذلك، لا تمثل نتيجة الانتخابات تفويضا كاملا بسياسة اقتصادية واحدة. فقد صوت نحو 12.7 مليون كولومبي لمرشح اليسار، بينما فاز دي لا إسبرييلا بفارق يقل عن نقطة مئوية، مما يكشف انقساما بين من يخشى فقدان المكاسب الاجتماعية ومن يعتقد أن استمرارها يتطلب أولا استعادة الاستثمار والانضباط المالي.

الأمر الذي يضع الحكومة الجديدة أمام اختبار حقيقي يتمثل في قدرتها على تحقيق توازن بين خفض العجز وتحفيز النمو، وبين فتح قطاعات الطاقة والتعدين وحماية المجتمعات والبيئة، فضلا عن استعادة ثقة المستثمرين دون تحميل الفئات الأقل دخلا كلفة الإصلاح المالي، وفق أوكامبو.

فالأسواق رحبت بالتحول السياسي، لكنّ استمرار هذا التفاؤل لن يتوقف على الوعود الانتخابية، إذ تشير الباحثة أندريا كوريا إلى أن هذه الحالة تظل مرهونة بقدرة الرئيس الجديد على تمرير إصلاحاته عبر كونغرس منقسم، وتحويل الانفتاح على الاستثمار إلى نمو وفرص عمل ملموسة دون إشعال موجة جديدة من الاحتجاجات الاجتماعية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار