القاهرة – مع خفوت أضواء ليل مصر تدريجيًا، لا يُغلق باب محل تجاري أو تُطوى كراسي في مقهى، بل تتوقف مصادر رزق كاملة، آلاف العاملين الذين كانت ساعات الليل تمثل "وقتهم الذهبي" باتوا يجدون أنفسهم فجأة بلا زبائن، بلا عمل؛ بعد قرار رسمي بتبكير مواعيد الإغلاق، في وقت يختبر فيه الاقتصاد المصري قدرته على التكيف مع أزمات متجددة وطارئة.
بدأت الحكومة المصرية مطلع الأسبوع الجاري تطبيق إجراءات لترشيد الكهرباء، تضمنت إغلاق المحال والمراكز التجارية عند التاسعة مساءً، مع استثناء يومي الخميس والجمعة حتى العاشرة، وذلك لمدة شهر قبل تقييم النتائج، مع خفض إنارة الشوارع؛ للحد من الضغوط الناتجة عن ارتفاع فاتورة الوقود واضطرابات إمدادات الطاقة بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
في القاهرة الكبرى، التي تُعرف بأنها "لا تنام"، ينبض بعد الغروب وجه آخر للاقتصاد، لا يظهر في الأرقام الرسمية بقدر ما يُرى في حركة الناس وأضواء المحال والمراكز التجارية والترفيهية، اقتصاد يقوم على الليل، يعيش عليه من لا يملكون ترف الانتظار حتى الصباح، ليجد هؤلاء أنفسهم في مواجهة سؤال: ماذا يحدث حين يُختصر الليل؟
في إحدى الحارات الجانبية بمنطقة فيصل (غرب القاهرة)، يجلس صاحب مقهى شعبي، شارد الذهن يترقب ماذا يفعل حين يطير دخان الأرجيلة (الشيشة) من حوله، ويقول للجزيرة نت، بصوت خافت "إحنا يومنا بيبدأ بالليل، لو مفيش ليل مفيش قهوة (مقهى)"، حيث ذروة عمله تبدأ مع صخب السهرة والمباريات.
على بعد خطوات منه، يتحرك عامل عشريني بخفة بين طاولات المقهى، يوازن طلبات الزبائن كمن يرقص الكراسي الموسيقية، لم يعتد التوقف ولم يعتد المقهى الإغلاق، وبابتسامة خافتة يروي كيف يعتمد على عمل الساعات المتأخرة لتأمين دخل يعيل به أسرته، والآن، لا يخفي قلقه على راتب يومي 150 جنيها (نحو 2.75 دولار).
المشهد ذاته يبدو مشابهًا في شارع فيصل الرئيسي، حيث يقف بائع ملابس يفترش بضاعته على الرصيف، ويقول: "في بيع الملابس مفيش شغل قبل تسعة، الناس بتيجي بعد شغلها، لكن هنلتزم بالقرار، وربنا يستر"، وعلى مقربة منه، يشكو صاحب متجر أدوات رياضية حاله، وبينما يتلصص النظر إلى سلطات إنفاذ قرار الحظر القادمة من بعيد، يقول "لسه خارجين من موسم العيد، عندنا التزامات، وسوقنا بالليل، مش بالنهار".
لكن الصورة ليست واحدة في كل مكان، ففي منطقة الغورية (وسط القاهرة)، حيث تجارة الأقمشة، يبدو التأثير أقل حدة، فالتجار هنا اعتادوا إغلاق محالهم مبكرًا نسبيًا، مع قدوم الزبائن من مناطق مختلفة نهارًا للتبضع بأسعار الجملة، هذا المشهد الجديد لخصه أحد الباعة بضحكة عالية "يا رايحين الغورية تعالوا بدري شوية"، في إشارة إلى أغنية للفنان الشعبي محمد قنديل مطلعها يقول "يا رايحين الغورية هاتوا لحبيبي هدية".
في الجهة المقابلة للغورية، يتبدل المشهد داخل دهاليز شارع المعز، حيث تختلط ظلال التاريخ بإيقاع يومي يتغير دون استحياء بوجه عمالة غير منتظمة، هنا، لا يبدو التأثر واحدًا، فبعض أصحاب المحال شرعوا منذ اليوم الأول للغلق الليلي في إعادة ترتيب يومهم بفتح أبوابهم مبكرًا في الشارع المعروف بتجارة الذهب والتحف والأنتيكات، لكن حركته التي كانت تمتد حتى ساعات متأخرة من الليل كمتحف مفتوح، باتت أكثر حذرًا وانكماشًا.
وعلى إطلالة مشهد جامع الحسين بالمنطقة ذاتها، يقف مقهى "الفيشاوي" العريق، محتفظًا بروح القاهرة القديمة، لكن اليوم تبدلت أحواله، شأنه شأن رواده، الذين غابوا مع بدء تسجيل الغياب لحياة كانت للتو صاخبة من حولهم، وعلى مقربة في الأزقة المتفرعة من سوق "خان الخليلي" السياحي، خفتت الأضواء مبكرًا على غير المعتاد، وكأن المكان يختبر لأول مرة فكرة "اختصار ليالي لم يسبق أن رأت النهار".
وفي قاعات الأفراح، حيث تبدأ الاحتفالات عادة بعد التاسعة، تبدو الحيرة أكبر، إذ يقول مدير إحداها بمنطقة المنشية بمحافظة الجيزة إن لديه جدول مزدحم بالأفراح خلال الأسابيع المقبلة، لا يعرف كيف يمكن إعادة تنظيمها، و"كيف تكون الزفة في العصرية"، حسب تعبيره.
بينما في قطاع السينما، برزت اعتراضات حادة، إذ أكد رئيس غرفة صناعة السينما هشام عبد الخالق، في تصريحات صحفية، أن حفلات الليل تمثل ما بين 80% و85% من إجمالي الإشغال، بينما لا تتجاوز حفلات النهار 1% فقط، وترتفع إلى 3% و5% في فترات الظهيرة، ما يعني أن إلغاء العروض الليلية يضرب الإيرادات بشكل مباشر.
ودعا نقيب المهن الموسيقية مصطفى كامل، إلى استثناء الأنشطة الفنية والترفيهية، مؤكدًا أنها تعتمد بالكامل على العمل الليلي، وتمثل مصدر دخل لآلاف العاملين، فضلاً عن دورها في دعم السياحة، حسب بيان له.
حول دوافع قرار الإغلاق المبكر، يرى الرئيس السابق للجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، الخبير الاقتصادي فخري الفقي، أنها ترتبط مباشرة بتداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، مؤكدًا أن مصر، باعتبارها دولة مستوردة للمنتجات البترولية، تتأثر بشكل مباشر بهذه التطورات، ما فرض على الحكومة اتخاذ إجراءات احترازية لضبط الاستهلاك، خاصة مع اقتراب الصيف وزيادة الطلب على الكهرباء.
وفي تصريحات للجزيرة نت، أشار إلى أن الاقتصاد المصري يمتلك قدرة نسبية على التكيف، من خلال إعادة تنظيم ساعات العمل وتغيير نمط الحياة نحو النهار بدلاً من الليل، مع التأكيد على ضرورة التمييز بين القطاعات المختلفة، وعدم تطبيق نفس القواعد بشكل موحد، والدفع نحو بدائل أكثر مرونة تقلل من الخسائر.
من جانبه، اعتبر خبير التنمية المحلية ومحافظ الإسكندرية الأسبق، رضا فرحات، أن القرار، رغم صعوبته، يأتي في إطار تدريجي لتجنب إجراءات أكثر حدة، مرجحًا في تصريحات للجزيرة نت امتداد تأثيره إلى قطاعات واسعة، في مقدمتها المراكز التجارية والمطاعم والكافيهات.
ومستندًا إلى تحليل لنمط المستهلك المصري، أوضح أن نشاط الاستهلاك يرتفع من 40% عند السادسة مساءً إلى 65% عند السابعة، ثم يبلغ ذروته عند 85% إلى 90% بين الثامنة والتاسعة مساءً، قبل أن يتراجع تدريجيًا إلى 30% بحلول منتصف الليل، ما يجعل توقيت الإغلاق عند التاسعة مساسًا مباشرًا بذروة الاستهلاك، ويعتقد أن تغيير هذا النمط، يتطلب وقتًا طويلاً؛ نظرًا لاعتياد المصريين على النشاط الليلي.
بدوره، يرى أستاذ الاقتصاد السياسي عبد النبي عبد المطلب أن القرار يحمل جانبًا إيجابيًا في ظل الظروف الحالية، على رأسها ترشيد استهلاك الطاقة، مع الحفاظ على الأنشطة السياحية كمصدر مهم للعملة الأجنبية، محذرًا في الوقت ذاته من تداعيات اجتماعية واقتصادية ملموسة، خاصة على الأنشطة الخدمية التي تعتمد على العمل الليلي.
وفي حديث مع الجزيرة نت، أشار إلى صعوبة تقدير حجم المتضررين من الإغلاق المبكر بدقة، في ظل انتشار العمل الإضافي الذي يمثل مصدر دخل أساسي لكثيرين، وفيما يتعلق بجدوى القرار، قال إن تقييم حجم الوفر في الطاقة يتطلب متابعة دقيقة، وضرورة احتساب "تكلفة الفرصة البديلة"، لمعرفة ما إذا كان الوفر المتحقق سيكون فعليًا أم مجرد إعادة توزيع للاستهلاك.
كما شدد على أهمية تبني إجراءات موازية، مثل التوسع في العمل عن بُعد وترشيد تشغيل الأنشطة غير الحيوية، لتحقيق التوازن بين خفض الاستهلاك، والحفاظ على النشاط الاقتصادي.
جاء قرار الإغلاق المبكر ضمن حزمة أوسع من إجراءات الترشيد، شملت، وفق بيانات حكومية:
وتزامنت هذه الإجراءات مع هذه التداعيات:
وحسب تقرير حديث لموقع "زاوية ثالثة" (مستقل) فإن ثمة نقاط ترسم صورة استهلاك الكهرباء في مصر كالتالي:
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة