في ضاحية أدجين كوتوكو أمواما، جنوب أكرا، لم يُسجَّ جثمان الموسيقي الشاب فريدريك تيكو أوفوري في تابوت تقليدي. حمل المشيعون تابوتا ضخما منحوتا على شكل غيتار، مطليا بطبقة لامعة تتوسطها أوتار فوشية، ليرافق الشاب آلته الأثيرة في رحلته الأخيرة.
"لم نكن نودّع جثمانا، بل كنّا نُكمل معزوفته التي لم تنتهِ"، تقول شقيقته إيمانويلا بأسى وثبات أثناء مراسم التأبين، مضيفة: "الغيتار لم يكن مجرد أداة لفريدريك، بل كان روحه؛ ودفنه داخلها هو العهد الوحيد الذي يضمن له مكانة تليق به بين الأسلاف".
يختزل هذا المشهد تقليدا ثقافيا وفنيا عميق الجذور لدى مجتمع الغا في غانا؛ حيث لا يمثل الموت فناء ونسيانا، بل احتفاء بمسيرة الإنسان فيما يُعرف محليا بـ"أبيبو أديكاي" (صناديق الأمثال).
تتجاوز هذه التوابيت كونها أشكالا خشبية ملونة، لتغدو نصا أنثروبولوجيا يقرأ منه المجتمع مكانة المتوفى وشغفه. لا يقتصر اختيار الشكل على المهنة الفعلية، بل يمتد لتجسيد الأحلام المجهضة.
يشرح النجّار المخضرم دانيال أوبلي منساه، وقد صمّم مؤخرا تابوتا على شكل قلم عملاق لمعلّم راحل: "التابوت هنا مركب عبور روحي ونفسي. قد ندفن إنسانا لم يغادر قريته قط في تابوت على شكل طائرة، لنمنحه في الموت التحليق الذي حُرم منه في الحياة، أو نختار حبة فول سوداني دلالة على كرم الضيافة وعطاء الراحل".
تعود هذه الحرفة إلى خمسينيات القرن العشرين على يد النجّار سيث كين كوي، حين صنع تابوتا على شكل طائرة لجدته التي حلمت دوما بالسفر، لينتقل الطقس من حكر على رؤساء القبائل إلى حق شعبي متاح لعامة الناس.
تفرض العديد من الكنائس حظرا صارما على إدخال هذه التوابيت إلى قاعات القداس، مما يضع العائلات أمام مأزق أخلاقي بين احترام المؤسسة الدينية، والوفاء بالواجب التراثي تجاه الميت.
يدفع هذا الرفض العائلات إلى إيجاد تسويات هجينة؛ فيستأجرون تابوتا تقليديا لتسجية الجثمان أثناء الخدمة الكنسية، ثم يُنقل الجثمان سرا خارج أسوار الكنيسة إلى التابوت الفني قبل إنزاله في القبر، في سعي من المجتمع لإيجاد منطقة حدية تحفظ تدينه من دون أن تلغي هويته الثقافية.
تُبرز هذه الطقوس مفارقة اجتماعية وأخلاقية أخرى بين الفقر والإنفاق الباذخ، إذ قد يصل سعر التابوت إلى نحو 900 دولار، وهو مبلغ يرهق كاهل الأسر محدودة الدخل.
ولتأمين جنازة ترضي الأسلاف وتحفظ كبرياء العائلة أمام المجتمع، تضطر أسر كثيرة للاستدانة الشديدة أو بيع الممتلكات. وهنا يتجلى الضغط التراثي الذي تحوّلت فيه مراسم التكريم إلى عبء اقتصادي دائم، يُفضل استرضاء الرموز على حساب الاستقرار المالي للأحياء.
مع وصول هذه الأعمال إلى متاحف عالمية كـ "المتروبوليتان" بنيويورك، طرأ تحول بنيوي على الحرفة، مما أوجد تمييزا فنيا وأخلاقيا في مواد الصنع بحسب الوجهة.
يعلق لورانس أوكوي أنانغ (26 عاما)، الذي يدير ورشة عائلته وشارك في نحت تابوت على شكل تمساح لكاهن محلي: "التوابيت المخصصة للدفن المحلي تُصنع عمدا من أخشاب خفيفة وسريعة التحلل كخشب "الواوا" لكي يتآكل وتندمج الجثة مع التربة سريعا، اتساقا مع فلسفة العودة إلى الأرض. أما القطع الموجهة للمتاحف العالمية فتُنحت من خشب "الماهوجني" الصلب وتُعالج كيميائيا لتقاوم الزمن".
هذا التمايز يعكس كيف تتحول الممارسة الروحية العفوية عند احتكاكها بالعولمة من طقس يعانق التراب، إلى سلعة فنية خاضعة لمنطق الخلود والعرض المتحفي في الغرب.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة