آخر الأخبار

مذكرات وليد جنبلاط “قدر في هذا المشرق”: قراءة في تحولات السيرة والهروب إلى الضرورة

شارك

يختار الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط لمذكراته عنوانا يبدو، منذ الوهلة الأولى، أكبر من سيرة رجل واحد "قدر في هذا المشرق"، والكلمة الأشد دلالة هنا هي "القدر"، فهي تفتح بابا يتجاوز المصادفة أو النزعة الأدبية في تسمية كتاب سياسي، وتكاد تقدم المفتاح الذي يريد جنبلاط أن تُقرأ حياته من خلاله. فالسياسي الذي أمضى نصف قرن وسط الحروب والاغتيالات والتحالفات المتبدلة، ينظر إلى مسيرته في نهايتها فيراها سلسلة من الضرورات التي فرضتها العائلة، والجغرافيا، والطائفة، والحرب، وسوريا، وإسرائيل، وفلسطين، ثم ذلك الكيان اللبناني الهش الذي ظل طوال حياته يخشى انهياره.

في هذا الكتاب، يعلن جنبلاط منذ الصفحات الأولى أنه يريد أن يشرح لأبنائه وأحفاده "أسباب القرارات والخيارات – الرهيبة أحيانًا – التي أرغمتني الحرب على اتخاذها"، ويصف الحرب بأنها التي صنعت منه الرجل الذي أصبحه. وفي مكان آخر يستدعي عبارة الأديب الأمريكي فوكنر الشهيرة عن الماضي الذي لم يمت، ليجعلها صورة للبنان ولحياته معا.

تظهر هنا منذ البداية المسألة التي ستطارد المذكرات كلها وهي أين ينتهي ما فرضته الأحداث، وأين تبدأ مسؤولية الرجل الذي شارك في صنعها؟ ومتى يكون "القدر" تفسيرا للتاريخ، ومتى يصبح طريقة تمنح صاحب السيرة مسافة آمنة من خيارات اتخذها بنفسه؟

يمتلك جنبلاط حساسية واضحة تجاه هذا السؤال. لذلك لا يقدم نفسه بطلاً صافياً، ولا يخفي بعض أخطائه، ولا يتردد أحيانا في استخدام كلمة الندم. ومع ذلك تتشكل السيرة على نحو يجعل الضرورة الجيوسياسية حاضرة في اللحظات الأكثر إحراجا.

كأن الرجل الذي بلغ السادسة والسبعين وأصبح قادرا على رؤية حياته دفعة واحدة يريد أن يقول للقارئ: هذه خياراتي، غير أن فهمها يحتاج إلى فهم الجبل، والطائفة، ولبنان، وحافظ الأسد، وإسرائيل، والحرب، والحدود التي رسمها الآخرون لهذا المشرق.

إعلان

وفي قلب هذا كله يقف رجل غائب يكاد يكون الشخصية الرئيسية الثانية في المذكرات، إنه كمال جنبلاط.

الأب الذي لا يغادر السيرة

يصعب قراءة "قدر في هذا المشرق" كسيرة وليد جنبلاط وحده. ففي مستوى أعمق، يكتب الابن حياته أمام الأب. كمال جنبلاط هو المعيار الذي تُقاس إليه الأشياء كلها من الاشتراكية والعدالة الاجتماعية والعروبة، إلى فلسطين والدولة والطائفية وسوريا وصولا إلى الحزب التقدمي الاشتراكي وحتى المختارة نفسها.

وصورة الأب في الكتاب شديدة النقاء، فهو المثقف والزاهد والمتأمل والسياسي صاحب المشروع، الرجل الذي يستطيع مخاطبة الملوك والسوفيات وأبناء الجبل باللغة نفسها، ويعود إلى خلوته للتأمل والكتابة. ويحافظ وليد جنبلاط على المكان الذي كان والده يعتزل فيه كما تركه تقريبا، ويقول إنه يقصده بدوره بحثا عن السكينة. وفي ذلك المكان كتب كمال جنبلاط صباح اغتياله مقاله الأخير وختمه بعبارة التحدي الشهيرة: "اللهم اشهد أني قد بلغت".

يكاد الأب يتحول مع مرور الصفحات إلى ضمير السيرة. ولهذا يشكل اغتياله في 16 آذار/مارس 1977 أكثر من حدث سياسي. إنه لحظة ولادة الابن السياسي.

يبدأ الكتاب فصوله بـ"عبء التاريخ"، ثم ينتقل سريعا إلى الحرب و"استشهاد أبي" و"اللعبة السورية المريبة" و"تحالف مناف للطبيعة مع الأسد". ويكشف ترتيب الفصول نفسه البنية النفسية للسرد، فكل الطرق تقود إلى تلك اللحظة التي أصبح فيها الشاب، الذي لم يكمل الثلاثين، وريثا للمختارة والحزب والطائفة والحرب.

ومن هذه اللحظة تحديدا تنشأ المعضلة الأكبر في حياة وليد جنبلاط، وفي مذكراته أيضا، فالرجل يتهم النظام السوري باغتيال أبيه، ثم يعود إلى دمشق ويتحالف مع الرئيس السوري حافظ الأسد. وهو لا يهرب من المفارقة، ولكنه يروي أنه قال لرفاقه، بعد اغتيال كمال جنبلاط، إن عليهم كظم غضبهم والعودة إلى لقاء الأسد لأن "الواقع الجيوسياسي" يفرض ذلك. لقد كان يخشى أن يصبح الجبل محاصرا بين الكتائب المسيحية من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، فرأى أن بقاء الدروز يقتضي المصالحة مع النظام الذي يحمّله دم أبيه.

هنا يبلغ مفهوم "القدر" معناه السياسي الكامل، فالابن سار إلى دمشق التي خرج الأب متحديا سلطتها. والقاتل، وفق روايته، تحول إلى حليف. والثأر أُرجئ أمام حماية الجبل. ويستطيع القارئ أن يرى في ذلك براغماتية مذهلة، أو واقعية قاسية، أو تنازلاً أخلاقيًا، غير أن جنبلاط يريد أن توضع المسألة كلها تحت عنوان الضرورة.

والمثير أنه يكرر النموذج بعد عقود. ففي 2010 يذهب إلى وريث "قاتل" أبيه، الرئيس السوري بشار الأسد ضمن مصالحة رعتها السعودية، ويعترف بعدم ارتياحه للزيارة، ثم يقارنها بنفسه بعودته إلى دمشق عام 1977. مرة أخرى تتقدم الجغرافيا على الذاكرة. ويصبح الأب، والحال هذه، معيارا يصعب على الابن بلوغه، فكمال هو صاحب الفكرة، ووليد هو الرجل الذي اختبر تلك الفكرة حين دخلت وحل الحرب.

حين تصبح الطائفة "الضرورة"

كان الحزب التقدمي الاشتراكي في تصور كمال جنبلاط مشروعا يتجاوز البنية الطائفية. ويحرص وليد على استعادة هذا الأصل مرارا، ويذكّر بأن صفوف الحزب ضمت مسيحيين ومسلمين ودروزا، وأن العدالة الاجتماعية كانت جوهر مشروع أبيه. ثم يأتي اعتراف بالغ الدلالة وهو أن الحزب اكتسب بعد حرب الجبل عام 1983 "الصبغة الدرزية"، خصوصا بعد انكفاء المسيحيين عنه.

إعلان

هذه العبارة القصيرة تختصر انقلابا تاريخيا كاملا، فالحزب الذي أُنشئ للخروج من الطائفة وجد نفسه، بفعل الحرب، يعود إليها. والسياسي الذي ورث خطابا يساريا عابرا للطوائف أصبح في لحظة الخطر زعيما لجماعة تخشى على وجودها.

جنبلاط لا يتجنب حتى كلمة "الإقطاعيين"، ففي حديثه عن البنية الاجتماعية الدرزية يقول إن رجال الدين يلجؤون في الأزمات إلى الزعماء السياسيين "نحن الإقطاعيين الذين أمثلهم"، ثم يشرح كيف تقبله الدروز زعيما بعد والده.

وهنا تظهر واحدة من أكثر مفارقات الرجل كثافة، فهو زعيم وراثي يحمل اسم حزب اشتراكي، ورجل تشكل وعيه داخل بيت سياسي عمره قرون ويهاجم النظام الطائفي الذي يمنح هذا البيت ديمومته.

على أن هذه المفارقة تتضاعف حين ننتبه إلى الأداة التي رويت بها. فالكتاب كتب أصلا بالفرنسية، بصياغة كاتبين فرنسيَّين، صادرا عن الدار الباريسية نفسها التي أصدرت محادثات كمال جنبلاط قبل ثمان وأربعين سنة. والزعيم الذي يدافع عن العروبة وفلسطين يخاطب المشرق من باريس، مستشهدا بجوليان غراك وفوكنر ومذكرات ميتران.

والمدهش أن هذا الاختيار نفسه إرث عائلي، فجدّه لأمه، شكيب أرسلان، أصدر في جنيف مجلة "الأمة العربية" بالفرنسية ليدافع عن قضية العرب أمام عصبة الأمم. والعروبة التي تنافح عن نفسها بلغة المستعمِر، أمام محكمة المستعمِر، تقليد متوارث في هذا البيت. والحزب الذي عاد إلى الطائفة يرويه اليوم زعيم يعود، في لغته ذاتها، إلى المتروبول.

المذكرات لا تحل هذه المفارقة. هي تحتفظ بها، وأحيانا تكشفها من حيث تريد الدفاع عنها.

حرب الجبل.. حدود الاعتراف

تبلغ المسافة بين الذاكرة والمسؤولية ذروتها في الصفحات المخصصة لحرب الجبل عام 1983. هنا تتحول المذكرات من سجل سياسي إلى وثيقة تحتاج إلى قراءة لغوية شديدة الانتباه، حيث يقول جنبلاط إن حرب الجبل أدت إلى مقتل مئات المدنيين وتهجير نحو 170 ألف مسيحي من الشوف، ثم يصف ما حدث بأنه "كارثة لم نردها أن تقع".

لكنه يروي أيضا أنه أصدر في 4 أيلول/سبتمبر الأمر بالهجوم على بحمدون، وأن قواته سيطرت على البلدة، وأن طابورا من المدنيين المسيحيين اضطر إلى السير نحو ثلاثين كيلومترا إلى دير القمر، ثم يكتب بوضوح شديد: "فكانت تلك بداية تهجير طويل الأمد عاناه هؤلاء المسيحيون".

وكلما اقترب السرد من مسؤولية الدم تتعقد اللغة، فالانتصار له فاعل واضح: "أصدرنا"، "هاجمنا"، "سيطرنا"، "استعدنا". أما المأساة فتظهر كثيرا في أبنية لغوية أكثر بعدا: مجازر "وقعت"، وأعمال انتقامية "حدثت"، ومآسٍ "وقعت في سياق المعركة".

هذه الفروق النحوية ليست تفصيلا أسلوبيا صغيرا. إنها من الآليات التي تعمل بها الذاكرة السياسية. ومع ذلك يصل جنبلاط إلى اعتراف نادر حين يسأل نفسه كيف يستطيع تعبئة الدروز من دون أن تتحول التعبئة إلى استهداف للمسيحيين.

ويقول إن الفصل بين الأمرين تحقق في بعض القرى، فيما كان مستحيلا في قرى أخرى، ويقر بمجازر وقعت في كفرمتى وبريح وبمرَيَم وغيرها. وهنا يقترب السرد من المنطقة الأخلاقية الأصعب ثم يتراجع خطوة. والواجب الأول، كما يقول، كان "حماية الدروز"، وهو قدر آل جنبلاط الذي ورثه. وتعود كلمة القدر من جديد.

التاريخ الخارجي يؤكد على أي حال أن حرب الجبل انتهت بتهجير جماعي واسع للمسيحيين، وإن اختلفت التقديرات في الأعداد والتفاصيل، وهو ما يجعل رواية جنبلاط عن "الضرورة الدفاعية" رواية طرف فاعل في الحرب، وتحتاج دائما إلى وضعها بجانب شهادات المهجرين والخصوم ووثائق تلك المرحلة.

الذاكرة التي تعيد ترتيب التحالفات

تعطي المذكرات انطباعا قويا بأن وليد جنبلاط يريد إعادة تفسير ما اشتهر عنه من تقلبات سياسية، فالتحول بين المحاور الذي طالما استُخدم ضده يصبح، من داخل السيرة، مهارة في النجاة. فمثلا حافظ الأسد قاتل الأب وهو حليف الابن، وكذلك بشار الأسد خصم ثم موضوع مصالحة ثم عدو.

أما حزب الله فشريك في مقاومة إسرائيل ثم قوة مسلحة يختلف معها ثم خصم في أحداث 2008 ثم طرف لا يرى جنبلاط إمكان الاستقرار اللبناني من دون الحوار معه. وكذلك السعودية حليف ووسيط. في حين أن الولايات المتحدة قوة يحتاج إليها ويخشى مشاريعها، وأيضا إسرائيل عدو تاريخي، مع بقاء الاتصالات والوساطات جزءا من واقع حرب لا تسمح بالنقاء السياسي.

إعلان

حتى أحداث 7 أيار/مايو 2008 يوضح أهمية العودة من الذاكرة إلى الأرشيف، إذ تصف الصحافة التي واكبت الحدث سيطرة حزب الله وحلفائه على مناطق واسعة في بيروت، ثم امتداد المواجهة إلى الجبل، حيث أمر جنبلاط مقاتليه بوقف القتال وتسليم المواقع للجيش ولخصمه الدرزي طلال أرسلان.

لكن تصريح جنبلاط أثناء الأحداث يكشف شيئا أكثر تعقيدا، فقد قال يومها إنه لم يندم على الإجراءات الحكومية المتعلقة بشبكة اتصالات حزب الله وأمن المطار، وإنه لم يتوقع رد الحزب بهذه القوة.

هنا يصبح الأرشيف أداة لاختبار الطريقة التي أعاد بها السياسي لاحقا ترتيب معنى الحدث. وهذه هي القيمة الحقيقية للمذكرات السياسية، فصدقها لا يقاس فقط بمطابقة كل تفصيل، وإنما أيضا بالمسافة بين ما قاله السياسي وهو داخل الحدث وما يقوله بعدما أصبح الحدث ماضيا.

المسكوت عنه.. ليس نسيانا

لعل أبلغ ما في المذكرات قد يكون ما لا تقوله، وأكبر مسكوت عنه في الكتاب ليس حدثا واحدا، وإنما المسافة بين مسؤولية الزعيم ومسؤولية المقاتلين الذين يقودهم. فالكتاب يسهب في سنوات الحرب وفي تمرّد 2005 على دمشق، ويطوي في المقابل العقد الذي كان فيه جنبلاط ركنا مهما في نظام الوصاية السورية على لبنان، بين 1990 و2004، إذ تحرك بوصفه وزيرا فيه وشريكا في توازناته.

ويشهد توزيع الفصول نفسه على هذا الاختلال في الضوء؛ فسنوات ما بعد الطائف التي كان فيها جنبلاط جزءًا من النظام السياسي المتعايش مع الوصاية السورية تنكمش قياسا إلى المساحة التي يمنحها الكتاب لانفجاره ضد دمشق في 2005. وتُروى سنوات التمرّد بالتفصيل، أما سنوات التعاون فتمرّ في سطور. وحين يقترب من ممارسات حزبه في حقبة الحرب – الخوّات، والخطف، وتسليم أحد أبرز قادة مقاتليه إلى المخابرات السورية – فإنه يذكرها عابرا ثم يمضي.

والمسكوت عنه الثاني هو اقتصاد الزعامة، فلا يفهم القارئ كيف استمرت المختارة مؤسسة سياسية واجتماعية ومالية طوال نصف قرن، في حين تظهر الجبايات والدعم السعودي والليبي والسوفياتي والسوري وشبكات الخدمات، لكن الكتاب لا يحولها إلى مساءلة لبنية السلطة.

ومما سكت عنه الكتاب هم الفلسطينيون بعد خروج ياسر عرفات من لبنان، فحضورهم كبير حين يكونون حلفاء كمال جنبلاط ووليد جنبلاط وفي حصار بيروت، ثم تتراجع كثافتهم السردية عندما يتحول مركز الصراع إلى سوريا والطائف وإعادة بناء النظام اللبناني.

وإذن فالمسكوت عنه هنا ليس نسيانا، إنه اختيار في بناء الصورة، إنه يختار للرجل صورة واحدة، أي خصم للنظام السوري وثائر عليه في 2005، فيما العقد الذي كان فيه من أعمدة ذلك النظام، فيبقى في الظل.

اعترافات صغيرة وأخطاء كبيرة

يبدو لوهلة أن جنبلاط أكثر استعدادا للاعتراف بالخطأ مما اعتاد عليه كثير من السياسيين العرب، فهو يندم على غيابه عن تظاهرة 14 آذار 2005، ويصف الغياب بأنه خطأ كبير سببه التردد وعدم استشراف اللحظة. وفي حديثه عن انتفاضة 2019 يقبل الشعار الذي وضعه بين سائر الطبقة السياسية: "كلن يعني كلن"، ويقول إنه فهم استهدافه، ويقر بأنه احتل المشهد السياسي على رأس حزبه فترة طويلة.

غير أن طبيعة الاعترافات تكشف مفارقة أخرى، إذ يظهر الندم الشخصي صريحا في غياب عن تظاهرة، أو سوء تقدير سياسي، فيما تصبح المسؤوليات التاريخية الأثقل جزءا من تفسير شامل للحرب والضرورة والخطر على الجماعة، والمفارقة هنا أن الأخطاء الأقل فداحة تحظى باعتراف شخصي أكثر وضوحا من الأخطاء التاريخية الكبرى. وهنا تفعل المذكرات ما تفعله معظم السير السياسية الذكية، إذ تعترف بما يكفي كي تكتسب صدقيتها، وتحافظ في الوقت نفسه على البناء العام لصورة صاحبها.

وحتى الاتهامات الحادة التي يطلقها تحتاج إلى هذا النوع من المسافة. فهو ينسب إلى حزب الله، بأوامر سورية، اغتيال مثقفين وقادة من اليسار، من بينهم مهدي عامل وحسين مروة. وهذه صيغة شديدة الخطورة لا يستطيع القارئ التعامل معها كحقيقة نهائية من دون وثائق أو أدلة مستقلة إضافية.

وفي شأن اغتيال كمال جنبلاط، تبدو مسؤولية النظام السوري راسخة في شهادات متعددة، وجاء اعتقال اللواء إبراهيم حويجة في سوريا عام 2025 ليعيد القضية بقوة إلى الواجهة، لكن الانتقال من مسؤولية أجهزة النظام إلى إثبات تسلسل الأمر المباشر يحتاج إلى التفريق بين الرواية السياسية والبرهان القضائي. ولهذا تظل العبارة التي يكررها وليد جنبلاط عن أمر حافظ الأسد بالاغتيال جزءا من شهادته إلى أن يستكمل الأرشيف ما تقوله الذاكرة.

تيمور.. الدائرة التي تكتمل

ينتهي الكتاب عند الشخصية التي تمنحه بنيته الدائرية وهو تيمور جنبلاط، فالابن الذي ورث الزعامة بعد مقتل أبيه يسلّمها إلى ابنه تيمور وهو حي، وهو يكرر أكثر من مرة الفرق بين الوراثتين، حيث الأولى جاءت مضرجة بالدم، والثانية تمت في السلم. ثم يكتب إحدى أجمل جمل المذكرات وأكثرها التباسًا:

"أنا لم أكن كمال جنبلاط، وابني لن يكون وليد جنبلاط"

الجملة تبدو إعلانًا للتحرر من سطوة الأب، وفي الوقت نفسه تصدر من داخل السلسلة العائلية ذاتها: كمال، وليد، تيمور.

إعلان

والمفارقة أن أبلغ نقد لهذه السلسلة موجود في الكتاب نفسه، منطوقا بصوت امرأة. فالسيدة مي أرسلان، والدة وليد بك، وصفت في إحدى مقابلاتها توارث الأفكار بأنه "ارتهان… ثقافي"، وقالت إن الابن "غالبا ما يفكّر كأبيه، وكذلك يفعل الحفيد". والمذكرات التي تحتفي بالتوريث في كل صفحة – أبٌ فابنٌ فحفيد، والعباءة، و"الإرث الذي ينتقل للمرة الأولى بلا دماء" – تجسّد بالضبط الارتهان الذي أدانته الأم. وكأن الابن يسجّل في كتابه الحكم الذي نطقت به أمّه على مشروعه، من دون أن يسمعه.

وهذا الصمم ليس عارضا، إنه بنية، فالرجل الذي ينتقد النظام الطائفي يسلّم حزبا أسسه والده إلى ابنه. والسياسي الذي يتفهم ثورة 2019 على الطبقة الحاكمة يحافظ على أكثر مؤسسات الزعامة اللبنانية رسوخا. والاشتراكي يعيش في "دار" يعترف بأنها تمثل مركزا تاريخيا للسلطة. والعابر للطوائف يعود، في كل لحظة تهديد، إلى وظيفة زعيم الدروز.

وتبدو هذه التناقضات أحيانا أقوى من الإجابات التي يقدمها الكتاب عنها. وربما تكمن قيمة كتاب "قدر في هذا المشرق" هنا تحديدا، فالمذكرات المهمة لا تكون مهمة لأنها تقول الحقيقة الأخيرة عن التاريخ، وإنما لأنها تكشف الطريقة التي يريد صاحبها أن يستقر بها داخل ذلك التاريخ.

وليد جنبلاط يريد أن يستقر في صورة الرجل الذي لم يملك ترف الخيارات النقية. رجل ورث دم أبيه، وحمى جماعته، وتحالف مع خصومه، وقاتل، وصالح، وانقلب على حلفائه، ثم عاد إليهم، وظل يحتفظ بخيط من الاشتراكية والعروبة وفلسطين وسط عالم تُحكم السياسة فيه بموازين القوة.

لكن "القدر" الذي يمنح السيرة وحدتها يمنح القراءة سؤالها الأصعب أيضا، فجنبلاط يعترف بالدم حين يصير قدرا، ويصمت عن الطاعة حين تصير مصلحة. وكل سياسي يستطيع، بعد عقود، أن ينظر إلى قراراته القديمة ويرى شبكة الظروف التي دفعته إليها. وكل ذاكرة قادرة على تحويل الفوضى إلى قصة، والتردد إلى حكمة، والتراجع إلى مرونة، والتحالف إلى ضرورة.

وظيفة الأرشيف أن يعيد إلى هذه القصة خشونتها الأصلية، وأن يضع بجوار ذاكرة السياسي ذاكرة ضحاياه وخصومه وتصريحاته القديمة والوقائع التي لم يعد هو وحده مالكا لمعناها.

وفي "قدر في هذا المشرق" يحاول وليد جنبلاط طوال نحو نصف قرن من الأحداث أن يفصل بين ما اختاره بنفسه وما اختاره له لبنان والجبل والطائفة وهذا الشرق المضطرب. غير أن التاريخ لا يمنح السياسي هذا الفصل بسهولة.

ربما لهذا السبب يظل كمال جنبلاط حاضرا حتى الصفحة الأخيرة، كأن الابن يكتب سيرته كلها في حضرة أب غائب. الأب الذي اختار أفكاره حتى الموت، والابن الذي أمضى حياته يتفاوض مع الضرورة كي يبقى.

غير أن هذه الثنائية، الأب والابن، ليست كامل الصورة. فوراء الرجلين تقف المرأتان اللتان أطّرتا الحكاية، وهما الستّ نظيرة الجدة التي صانت الزعامة أرملة وهي تلعب "دور الرجل الكبير"، ومي أرسلان الأم التي سمّت الوراثة قيدا. وبين المرأة التي حفظت الدار والمرأة التي فضحت منطقها، يقف الوارث حاملا العباءة، كاتبا سيرته بالفرنسية لباريس، وعاجزا عن أن يسمع في مذكراته الحكم الذي نطقت به أمّه.

وبين الأب والابن تمتد المذكرات كلها، كمال جنبلاط كما بقي في الذاكرة صاحب الفكرة والموقف، ووليد جنبلاط كما صنعته السياسة والحرب، الرجل الذي أمضى نصف قرن يتفاوض مع الضرورة، ثم جلس في آخر الطريق، ليبرّر للتاريخ لماذا اختار ما اختار.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار