آخر الأخبار

في ألمانيا.. معرض "العمل الجنسي" يعيد قراءة تاريخ مسكوت عنه

شارك
ناضلت مجموعات الدفاع عن العاملات في مجال الجنس، من أجل إيصال أصواتهن في سرديات كُتبت عنهم.صورة من: Vic Porter

في روايته الشهيرة "على سور المدينة" عام 1888، صاغ الكاتب الإنجليزي روديارد كبلنغ عبارة باتت تعبيرا مطلفا يشير ضمنيا إلى العمل في مجال الجنس . ورغم مرور الكثير من الأعوام، ظلت عبارة "لالون تعمل في أقدم مهنة في العالم" رائجة عبر العقود حتى يومنا هذا لتفادي تسمية الأمر باسمه الحقيقي.

لم تكن العبارة مجرد لمسة أدبية، بل مرآة لمناخ أخلاقي سائد في أواخر القرن التاسع عشر، حين كانت العبارات الغامضة وسيلة للحديث عن الموضوعات الشائكة دون الاعتراف بها صراحة.

ويرى الباحثون أن التسميات غير المباشرة في تلك الحقبة لم يكن هدفها تبسيط الأمر، بل إقصاء نقاشه من الفضاء العام.

وفي مدينة بون الألمانية وداخل متحف الفن، جرى تنظيم معرض جديد بعنوان "العمل في مجال الجنس.. تاريخ ثقافي" حيث يقدم المعرض قراءة بصرية وتاريخية لكيفية العمل في هذا المجال عبر الفترات التاريخية المختلفة.

ويقول المنظمون إن المعرض يقدم مزيجا غنيا من الأعمال الفنية والمواد الأرشيفية والوثائق القانونية والأصوات المعاصرة، من أجل تسليط الضوء على كيفية بناء سردية العمل الجنسي وغالبا تشويهه في النقاش العام عبر العصور وصولا إلى يومنا الحاضر.

وأضاف المنظمون أن المعرض يحث الزوار، من غير تبني موقف سياسي محدد، على التأمل في الكيفية التي تشكت بها تصوراتهم الشخصية.

جاء المعرض كثمرة تعاون مشترك مع مجموعة من العاملات في مجال الجنس يشاركن فيه كباحثات.صورة من: Kunstpalast - LVR-ZMB - Annette Hiller - ARTOTHEK

من "طفيلية" إلى "عاملة جنس"

ويركز أحد محاور المعرض على اللغة حيث يتتبع بعناية المفردات التي استُخدمت عبر الزمن لوصف العاملات في مجال الجنس، مع تسليط الضوء على أسباب اختيار مثل هذه المفردات على مدار التاريخ.

وفي هذا السياق، قالت إرنستينه باستوريلو، منسقة المعرض، إن "تاريخ العمل في مجال الجنس صعب البحث، لأن الأسماء التي أُطلقت عليه تغيرت من عصر إلى آخر خاصة وان الوثائق التاريخية نفسها غالبا ما تعتمد على كنايات غامضة".

وأضافت باستوريلو، وهي أيضا ناشطة في مجال حقوق العاملات في مجال الجنس ، أن هذه المصطلحات لم تكن دقيقة.

وأشارت إلى أنه في القرن التاسع عشر، استُخدم لفظ "سافرة" لوصف أي امرأة يمكن رؤيتها بكثرة في الفضاء العام، بغض النظر عن كونها تعمل في هذا المجال أم لا.

وأضافت أن هذا الوصف كان ينطبق على النساء، سواء من كن يعشن في فقر أو في براثن الإدمان ، حيث كان يُنظر إليهن باعتبارهن "منحرفات" من المنظور الاجتماعي.

لوحة تعود إلى عام 1927 للفنان فرانز فيلهلم زايفرت بعنوان "أزقة كئيبة" لتجسد ملامح التهميش الحضري في بدايات القرن العشرين.صورة من: Galerie Berinson, Berlin

العصر الرقمي.. تسميات جديدة

وتكررت مثل هذه التشوهات اللغوية في سياقات أخرى. ففي الاتحاد السوفييتي السابق وعدة بلدان من الكتلة الشيوعية، عانت العاملات في مجال الجنس من ملاحقات قانونية بموجب قوانين تستهدف من أُطلق عليهم "الطفيليون الاجتماعيون"، في إشارة إلى البالغين أو البالغات الأصحاء القادرين على العمل، لكنهم لا ينخرطون فيما يُنظر إليه اجتماعيا على أنه "عمل يجلب منفعة للمجتمع".

ودخل في سياق هذا التعريف النساء العاملات في مجال الجنس، مما كشف عن كيفية استخدام اللغة لتحديد من يعمل "بشكل شرعي" ومن يجب أن يُقصى.

وتعكس بعض المصطلحات التهميش بوضوح، مثل كلمة "شتريخر" وهي تسمية ألمانية دارجة ومهينة تُستخدم غالبا لوصف الرجال الذين يعملون في مجال الجنس، وأصلها مشتق من تعبير يعني التسكع في الشارع.

ومع انطلاق ثورة الرقمنة، تغيرت أيضا تسميات العمل في مجال الجنس وأشكال تنظيمه، حيث ظهرت مصطلحات مثل "ممثل إباحي" أو "ممثلة إباحية".

استعادة الاسم

ولا يقتصر المعرض على رصد اللغة والمصطلحات، بل يكشف أيضا عن مشاركة العاملين والعاملات في مجال الجنس بأنفسهم في إعادة تشكيل المفردات.

ففي أواخر سبعينيات القرن الماضي، صاغت الناشطة الأمريكية كارول لي مصطلح "العمل الجنسي" سعيا إلى نقل "التركيز من الوصم الأخلاقي" إلى توصيف النشاط ذاته.

ولم يكن هذا التحول لغويا فقط، بل فتح الباب أمام التنظيم والظهور العلني والمطالبة بالحقوق.

وترى إرنستينه باستوريلو أن المصطلح يُعد الأفضل، لأنه يشير إلى المعنى الحرفي لما يجري الحديث عنه، لا أكثر ولا أقل، بمعنى تقديم خدمات جنسية مقابل المال.

وقد انعكس هذا التوجه على أرض الواقع. ففي بلدان متعددة، أعادت جمعيات تُعنى بالعاملات في مجال الجنس توظيف ألفاظ كانت في الماضي يُنظر إليها على أنها تحمل في طياتها إساءة، من أجل إعادة استخدامها، مثل "مرافقة أو راقصة تعرٍ".

لكن هذا التحول لا يخلو من الجدل. فمنتقدو مصطلح "العمل الجنسي"، خاصة الباحثين والناشطين والناشطات في مجال محاربة قضايا الاتجار بالبشر والاستغلال، يرون أن هذه المصطلحات تطمس فرقا حاسما بين من اختار العمل في هذا المجال بمحض إرادتهم، ومن أُجبروا على العمل فيه بسبب الفقر والعوز.

لوحة للفنانة ماريكه توخا بعنوان "رايان هيغينز.. حانة هاسلر في دوسلدورف".صورة من: Ryan Huggins, Galerie Khoshbakht, Mareike Tocha

اللغة وحقوق العمل

وبالنسبة إلى باستوريلو، يظل الاعتراف بالعمل الجنسي بوصفه عملا شرطا أساسيا لأي نقاش حقوقي جاد.

وتقول إنه حتى مع الإقرار بأن ليس جميع العاملين والعاملات دخلوا هذا المجال بإرادتهم الكاملة، فإن تسميته عملا يفتح المجال للحديث عن سبل السلامة والحماية.

وأضافت أن وصف الأمر كمجال عمل "يتيح لنا مقاربته من منظور نقابي. ومن أبسط أشكال الاحترام العام الاعتراف به كمجال عمل، وبالتالي المطالبة بالحقوق والحماية".

ويتناول المعرض العمل الجنسي بوصفه ظاهرة ثقافية ولغوية ومعيشة، مع تسليط الضوء على مدى تعقيداته والكلمات التي استُخدمت على مر العصور لوصفه.

يستمر معرض "العمل في مجال الجنس.. تاريخ ثقافي" حتى 25 من أكتوبر/تشرين الأول المقبل.

تحرير: ع.ج.م

DW المصدر: DW
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار