"الحب للجميع، ولا كراهية لأحد!"، هو شعار مكتوب على واجهة مبنى المسجد. بجانبه تظهر المئذنة الصغيرة التي يبلغ ارتفاعها ثمانية أمتار. تجسد هذه الكلمات مبدأ مسلمي الأحمدية الذين يفتتحون مسجدهم في هذا السبت الشتوي البارد (14 فبراير/ شباط 2026)، على مشارف مدينة إرفورت. ويعد هذا المبنى أول مسجد يتم تشييده في ولاية تورينغن وأول مسجد شرق ألمانيا بعد الوحدة.
تاريخ البناء يروي بطريقته الخاصة قصة الكراهية. فمنذ أكثر من عشر سنوات كانت الجالية تخطط لبناء مسجد خاص بها مع غرفة للصلاة ومئذنة وشقة صغيرة للإمام، إلا أن هذا المشروع قوبل باحتجاجات ومظاهرات متكررة كل أسبوع. وكانت شركات البناء في المنطقة تنسحب مرارا من أعمال بناء وعدت بها.
في مساء يوم الافتتاح وقف متظاهر وحيد أمام مبنى الأحمدية بجانب سيارتين للشرطة حاملا لافتة يحذر فيها من "حملة غزو" إسلامية. وحتى ساعة متأخرة من الليل كانت سيارات الشرطة تمر كل دقيقة تقريبا في الشوارع المجاورة.
نائب رئيس البوندستاغ بودو راميلو الذي دعم مشروع البناء بإصرار، وكان رئيس وزراء ولاية تورينغن (2014-2024)، ذكّر في حفل الافتتاح بالاحتجاجات والحوادث ورؤوس الخنازير التي ألقيت على موقع البناء والصليب الاحتجاجي. وقال: "لم تكن تلك صلبان مسيحية"، بل "كانت صلبان حركة الهوية"، في إشارة إلى اليمين المناهض للأجانب.
أثار الشعبويون واليمينيون المتطرفون الاحتجاجات ضد بناء المسجد مرار . وفي انتخابات البرلمان التابع للولاية لعام 2024 حصل حزب "البديل من أجل ألمانيا" بقيادة رئيسه المثير للجدل بيورن هوكه على ما يقرب من ثلث الأصوات. وتريد وكالة حماية الدستور تصنيف الحزب على أنه "يميني متطرف مؤكد"، وهو ما يطعن فيه حزب "البديل".
"وطنهم أيضا"
إلى جانب راميلو حضر الحفل رئيس بلدية إرفورت أندرياس هورن وسلفيه في المنصب منذ عام 1990 أحدهما من الحزب المسيحي الديمقراطي والآخر من الحزب الاشتراكي الديمقراطي. كما حضر رئيس الجالية اليهودية في تورينغن، راينهارد شرام وأساقفة الكنيسة الإنجيلية والكاثوليكية. وأرسل ماريو فويغت، خليفة راميلو في منصب رئيس الوزراء كلمة ترحيب عبر الفيديو. وقال للمسلمين الأحمديين: "تورينغن وطنكم أيضا".
جميع هؤلاء الساسة ورجال الدين أكدوا على التعايش الديني في إرفورت وضرورة احترام حرية المعتقد. ورغم أن نحو 70 في المائة من سكان المدينة البالغ عددهم 220 ألف نسمة لا ينتمون إلى أي طائفة دينية، إلا أن صورة المدينة التي درس فيها الراهب الشاب مارتن لوثر في القرن السادس عشر تطغى عليها الكنائس.
ذكّر راميلو الحاضرين بأن إرفورت هي المدينة الوحيدة التي شُيد فيها كنيس يهودي في عهد جمهورية ألمانيا الديمقراطية. ووصف راينهارد شرام (81 عاما) من الجالية اليهودية في تورينغن إرفورت في حوار مع DW على هامش الاحتفال بأنها "نموذج صغير لألمانيا". من وجهة نظره، فإن الطريقة التي تتعامل بها الأديان مع بعضها البعض "نموذجية". وينطبق ذلك على الجالية الأحمدية "الصغيرة" عددا نسبيا على غرار الطائفة الزيدية. "تورينغن أفضل بكثير من سمعتها في هذا الصدد"، يتابع شرام.
نشأت الجماعة الأحمدية قبل حوالي 140 عاما في باكستان الحالية كحركة إسلامية إصلاحية. ويُنظر إليها بانتقاد من قبل التيارات الإسلامية الكبرى. وهي تتعرض للمضايقة في باكستان، بما في ذلك تدمير المساجد التابعة لها، بل وقد تصل الاعتداءات إلى حدّ القتل.
وفي خطابه، أشاد رئيس الجماعة الأحمدية في ألمانيا، عبد الله فاغسهاوزر بما تتمتع به جماعته في ألمانيا مقارنة بما تواجهه من اضطهاد في باكستان. ويقول إن ألمانيا لديها دستور أساسي و"شرطة يمكن الوثوق بها". أما في باكستان فـ"كل شيء يعمل بالرشاوى". ووذلك أمام ممثلين عن شرطة إرفورت.
كما تضمن خطاب فاغسهاوزر نبرة من المرارة بسبب التصريحات التي تهاجم مسلمي ألمانيا. وقد ذكّر بأن سائق التاكسي المسلم الذي وقف في طريق السائق في مانهايم في مارس 2025 بعد حادث دهس أدى إلى مقتل شخصين وإصابة 11 آخرين كان أحمديا وهو يحمل الجنسية الألمانية.
وحسب معلومات فاغسهاوزر يعيش حوالي 60 ألف شخص منتمين إلى الطائفة الأحمدية في ألمانيا . ولديهم أكثر من 80 مسجدا. وفي تورينغن تضم الجالية الصغيرة حوالي 100 عضو. ويقول الإمام كمال أحمد (37)، إن عدد المصلين في المسجد يصل أحيانا إلى 30 شخصا وأحيانا إلى عشرة أشخاص.
كمال أحمد (37 عاما)، إمام المسجد الجديدصورة من: Paul-Philipp Braun/epd/IMAGOأحمد يشارك العديد من أعضاء جماعته نفس مسار الحياة. فعندما كان في التاسعة من عمره فرّت عائلته من باكستان بسبب الاضطهاد. وقد أنهى دراسته الثانوية بتفوق وبعدها درس علوم الفقه عبر برنامج إعداد الأئمة في دارمشتات باللغة الألمانية.
مستقبلاً سيعيش أحمد في شقة صغيرة في المجمع السكني الجديد، الذي بني بين عامي 2018 و 2025 وكلف نحو 1,4 مليون يورو، وفق المشرفين. وتبلغ مساحة غرفة الصلاة 120 مترا مربعا.
أعده للعربية: م.أ.م
المصدر:
DW