آخر الأخبار

علي جعفر العلاق للجزيرة نت: غادرت بغداد إلى صنعاء كآخر الناجين من المذبحة

شارك

عندما كان يحين موعد إحدى أمسياته الشعرية الباذخة بعذوبة الشعر وجريان النهر، كانت جماعات الشعراء والأدباء الشبان في صنعاء تتأهب من أيام لموعد هذه أو تلك الأمسية. لماذا؟

لأن جماليات الرؤية وصورها المبتكرة التي كانت تتسم بها تجربة وريادة الشاعر العراقي علي جعفر العلاق كانت تتسرب من خياشيم القصيدة وأبهاء المكان والجهات، ناهيك عن إلقاء الشاعر الفنان الذي لم يكن يتكلف ولا يخطب أو يضج إن أمسك بإطار القصيدة وزمام القول الشعري.

وفي مستهل هذه المقابلة نستدعي عبارة أثيرة لتشايكوفسكي إذ يقول: "الموسيقى تكفي لحياة بكاملها. لكن حياة بكاملها لا تكفي لموسيقى".

قد تنطبق هذه العبارة كثيراً على جنوح القصيدة وعذوبتها حد الألم لدى العلاق، مصحوبة بالشغف والزحام كما كانت تضج في أمسياته قاعة "مركز الدراسات والبحوث اليمني" أو قاعة الزبيري بجامعة صنعاء، وغيرها من الأمكنة، حيث يتحلق حشد واسع من الناس حول أجنحة قصيدته ورذاذها المخفور بدهشة وجماليات التلقي.

وإلى نص الحوار:

مصدر الصورة غلاف كتاب الأعمال الشعرية لعلي جعفر العلاق (الجزيرة)

المبدعون الذين شملهم إهداء ديواني الجديد "القصائد الخمس" كانوا جزءا حيا وحميما في حطب القصيدة وكانوا أصدقاء أو ملهمين أو أساتذة


* في ديوانك الجديد "القصائد الخمس" دلالات تشيع فيها ومن خلالها طقوس وتذكارات إهداء معظمها لأصدقاء حميميين عاصرت تجاربهم وتجاورت معها. هل شاركت هذه التجارب المهداة قصائدك لها بصورة أو بأخرى في "قيادة نسيجها السردي والدلالي"، مثلاً؟

لا.. لم أفعل ذلك، لأن معظم هؤلاء المبدعين الكبار انتقل إلى عالم الأبدية. هذا أولاً، ولأن النص الشعري لا ينتمي إلا لصاحبه.

القصيدة منجز جمالي شديد الانتماء للذات المنتجة بتجلياتها الثقافية والإنسانية وتموجاتها الانفعالية بين البهجة والعذاب، والعزلة أو الاندماج بالفضاءات الأخرى.

واحد منهم فقط ما يزال على قيد الحياة، وكان له دور في مرحلة من حياتي، وهو أكاديمي كبير أكثر منه أديباً. لكن هناك لعبة شعرية لا بد منها، فأنا لم أترك لبنية القصيدة أن تفلت مما بيني وبين هؤلاء المبدعين من فضاءات إنسانية وفكرية وشعرية مشتركة.

ليس الإهداء وحده هو ما يربطهم بقصيدتي، أو يربطها بهم، بل شيء آخر، أبعد وأعمق من الإهداء: فقد كانوا جزءاً حياً وحميماً من حطب القصيدة، وما يعصف بلغتها من انفعال أو دلالة أو جاذبية.

إعلان

* خمسة مبدعين كبار: جبرا إبراهيم جبرا، وسعدي يوسف، وعبد الواحد لؤلؤة، ويوسف الصائغ، وعبد العزيز المقالح. ما الذي تمثله لك هذه التجارب ارتباطاً زمنياً وفنياً وإرث صداقة وامتداداً حياً ومجايلة بالنسبة لك ولتجربتك؟

هذا التسلسل هو الترتيب الذي اخترته أنا في الديوان. وهو ترتيب لم يأت عشوائياً أو عفو الخاطر، بل اختارته أو فرضته علي الحياة في مسارها التصاعدي.

ما يمثله هؤلاء المبدعون في حياتي فريد وغير قابل للتكرار، فهم، على الصعيد الإبداعي، يجسدون قيمة جمالية في القصيدة، ومواقف فكرية متقدمة من الحياة.

كنت على تفاعل معهم، وكانوا إما أصدقاء، أو ملهمين، أو أساتذة، تعرفت من خلالهم على مفاهيم العالم في الجمال والفن والأدب من جهة، ومواجهة هذا العالم وهو في أقسى لحظات تجهمه، أو طيشه، أو لا مبالاته، من جهة أخرى.

مصدر الصورة ديوان "القصائد الخمس" للشاعر العراقي علي جعفر العلاق (الجزيرة)

القصيدة منجز جمالي شديد الانتماء للذات المنتجة بتجلياتها الثقافية والإنسانية وتموجاتها الانفعالية بين البهجة والعذاب


* تكاد شعرية القصيدة والتجربة في هذا الديوان بوجه خاص تشتبك بألفة ومشاكسة عن طريق التناص حيناً، وواقع الحياة التي عشتها معهم منذ البدايات حينا، وحتى رحيل آخر مبدع فيهم وهو (الصحابي) كما تشير إلى الشاعر اليمني الراحل عبد العزيز المقالح؟

هذه الشخصيات كانت ذات دور لا أنساه في تجربتي الشعرية منذ البداية حتى النضج، كان جبرا مثلاً، في البدايات تماماً وبالنسبة لصبي مثلي، يشبه الأسطورة التي تمشي بيننا، فتمنح الأرض بعضاً من فتنتها وعمقها ونضجها القاسي.

أما عبد الواحد لؤلؤة فكان تعرفي إليه في الجامعة وفي ذات المرحلة تقريباً، وربما كان جبرا طرفاً في ذلك التعارف، مع اختلاف جوهري في طبيعة الدور وعمقه لكل منهما.

في بداية عملي في مجلة الأقلام، في السبعينيات، تعرفت على سعدي يوسف، كان مستشاراً للتحرير وكنت محرراً فيها. كنا في غرفة واحدة، طوال عمله في المجلة.

اقتربت كثيراً من غموض شخصيته وتناقضاتها أحياناً، وعرفت بعض أسرار كتابته وتعقيد قصيدته رغم بساطتها الظاهرية، وقد كنت المعني في المقطع التالي من قصيدته: العمل اليومي، كما كان ذلك المقطع جزءاً من نسيج قصيدتي الراهنة عنه:
"في غرفة بالطابق الرابع
في عمارة في ساحة التحرير مكتبان
يمتلئان، الآن، بعد الآن..
بالغبرة والإعلان"

تعرفت على (الصحابي الأخير) بعدما غادرت بغداد عام 1991 إلى صنعاء كأنني آخر الناجين من المذبحة


* وماذا عن الشاعرين يوسف الصائغ وعبد العزيز المقالح؟

في الثمانينيات، وفي المرحلة الأخيرة تماماً من عملي في "المجلة" توثقت علاقتي كثيراً بيوسف الصائغ، كنت حينها رئيساً للتحرير، ونشرت للصائغ سيرته الذاتية "الاعتراف الأخير لمالك بن الريب"، وهي نص ذو جمالية عالية نشرته المجلة متتالياً في أعدادها ولمدة سنتين تقريباً.

كان ليوسف الصائغ شخصية مركبة ومثيرة للجدل. وكانت نفسه محتشدة بالقلق والتوتر والكوابيس والسخرية والتحولات، حتى كأن جنساً أدبياً واحداً لا يفي بحاجة قلبه وفكره إلى الصراخ.

أما الشاعر والمفكر عبد العزيز المقالح، هذا "الصحابي الأخير"، فقد تعرفت إليه عن كثب بعد مغادرتي بغداد إلى صنعاء عام 1991، هذه المدينة التي جئتها وكأنني آخر الناجين من المذبحة.

كان هذا الإنسان الكبير عالماً عريضاً من الثقافة والوقار والزهد والتعاطف، في الشعر والنقد والحياة. وكان ضميراً منفتحاً، مثل طعنة، على واقع العرب الراهن في حالتيه: انهياراته أو انتصاراته المجروحة.

مصدر الصورة الدكتور عبد العزيز المقالح (الجزيرة)
* حدثنا عما يتعلق بتأسيس البنية والرؤية الشعرية في تجربة العلاق بدءاً من ديوان "لا شيء يحدث.. لا أحد يجيء" وحتى ديوانك الجديد "القصائد الخمس" في لحظة شعرية راهنة، وكيف تتمثل اليوم ذروة ما يربو على نصف قرن من محطات ومراحل ونضالات وتحولات تجربتك الشعرية؟

يمكنني القول إن مسيرتي الشعرية مجاهدة مستمرة ومتواصلة منذ قصيدتي الأولى وحتى آخر نص ينتمي إلى هذه المدونة.

أي أنها لم تكن جزراً متباعدة، ولا قفزات بهلوانية، بل جهداً ومثابرة متصلين، ينموان مع كل منجز شعري جديد، حيث يتم تذويب التفاصيل، والشذرات، وفق ما تقترحه توجهات البلاغة أو جماليات التركيب.

ولم يكن هذا الوعي بمتطلبات الكتابة منقطعاً عن تلك النار الداخلية للروح، وهي تعصف في ثنايا اللغة، في مسعى لائب لبلورة ملامح أسلوبية وجمالية للقصيدة تخصني وحدي، ولا تشير إلى أحد سواي.

إعلان

* تتجلى "الرؤية الوجودية" في قصيدتك من مدخل السؤال الشعري المؤسس لدفق الصورة ومحاورات المجاز والاستعارات المتخففة من ضجيج الإيقاع؟

قد أكون أكثر شعراء جيلي والأجيال اللاحقة اهتماماً بالصورة الشعرية ولعبة المجاز، لذلك فإن قصيدتي لا تشتغل بعيداً عن هذين الفضاءين: المجاز والصورة.

أما السؤال فهو ما يتصاعد من مناسيب القلق والحيرة النابضين في مجرى الدم، وتدفق الذاكرة، وما يحتشد في المخيلة من توهجات الانزياح، بعيداً عن الضجيج الذي يخنق شعرية القصيدة ويكتم تموجاتها الخافتة.


* كيف تبلورت فلسفتك تجاه الإيقاع إذاً في القصيدة الحديثة بين إشكالية التلقي والتباساته التنظيرية الأخرى، وبين الشكل الفني المتصاعد وقيود التنظير لمن أرادوا إيقاف الشعر عند مفهوم إطاري ما؟

أعمل دائماً على أن لا يكون الإيقاع، في قصيدتي، حلية أو نقوشاً تطريبية، وأن لا يحضر استجابة لترف صوتي محض، بل يكون عنصراً ذا قوة دلالية، وقد يتم استدعاؤه لمتطلبات المعنى، وبدرجات متفاوتة، لتعميق الإحساس بالبهجة أو الكدر أو التشظي.

وبذلك يكون الحرص على الإيقاع مسعى يعمق من دلالة القصيدة، ويعضد من الوظيفة التركيبية والبلاغية للمكونات الشعرية الأخرى.

وقد أكون من الشعراء القلائل، من شعراء التفعيلة، الذين وفروا للقصيدة التي يكتبونها مهاداً إيقاعياً شديد التنوع.

هناك أطروحة متميزة أنجزها الشاعر والناقد العراقي علاوي كاظم كشيش، عن البحور المركبة في قصائدي، ثم تلت هذه الأطروحة الرائدة أطروحة أخرى، عن الإيقاع عامة في شعري أنجزتها الباحثة خديجة محمد، الأستاذة في جامعة تكريت، وفي الطريق كتاب في مراحله الأخيرة، مثير للاهتمام حقاً، للشاعر والناقد السوداني أسامة تاج السر، يتناول فيه بالدرس والتحليل بنية قصيدة التفعيلة المركبة وجمالياتها في تجربة سعدي يوسف وعلي جعفر العلاق.

وإذا كان الشاعر كشيش قد درس ما يقارب 30 قصيدة مركبة، فإن ما تم دراسته من قبل الشاعر تاج السر بلغ 60 قصيدة مركبة تقريباً.

مصدر الصورة من مؤلفات الشاعر العراقي علي جعفر العلاق (الجزيرة)
* هل يتعين على الشعر أن يكتب العالم بوصفه موضوعاً شخصياً أم تاريخياً أم رمزياً، وما حجم التصورات التي تعتري الشاعر إبان لحظة الكتابة؟

لحظة البداية، في كتابة القصيدة، أي قصيدة، لا تشبه لحظة الختام. هذا ما يحدث في الغالب، وقد يكون الفرق بين اللحظتين كبيراً جداً.

قد تنطلق القصيدة في البدء من حافز شخصي، واقعي، حقيقي جداً، لكن المآلات قد تجنح بالنص بعيداً عن بدايته إلى منحى رمزي، يحتمل التعدد في التأويل وتشظي الدلالة.

أما لحظة الكتابة فهي غرق، قد يكون تاماً، في الارتياب مما ستكون عليه النتيجة. ربما يلوح للشاعر، في غبش الكتابة، ما يجعله يتريث في الاطمئنان إلى مسار بعينه.

ومع ذلك، يظل للحظة إنشاء النص فرحها الخاص، وإن كان غامضاً أو ذا نهايات سائبة أحياناً.

هل القصيدة مجرد أفكار واختلاجات أم فكرة فنية ولغة لا تقبل الاستقطابات من أي نوع؟

القصيدة، في البدء تماماً، أو في خط الشروع، لا تبدأ على الورق. بل قد تبدأ من هناك، أعني من نقطة قصية وداخلية جداً في الروح، ثم تظل تنمو على مهل.

قد يعلق جزء منها بذاكرة الشاعر، أو بقصاصة من الورق، أو جهاز الموبايل، أو علبة مناديل ورقية.

وحينما يحس الشاعر أن "نطفة الضوء" تلك قد اتسعت ينتقل بها، وفق مواضعاته الشخصية في الكتابة، إلى فضاء الورق أو متاهة الحاسوب.

ليس من الحصافة النقدية، كما يبدو، أن ننظر إلى القصيدة الحديثة كما كان ينظر إلى القصيدة القديمة من زاوية علاقتها بالأغراض الشعرية


* إلى أي مدى استطاع الشاعر والناقد علي جعفر العلاق الجمع بين الحس الوجداني والوعي الفلسفي في الكتابة وهل لسيرتك الموثقة علاقة بذلك برسم القصيدة كسيرة وشواهد ومشاهدات، كما دل على ذلك كتابك الحائز على جائزة الشيخ زايد للكتاب؟

كنت حريصاً، ربما منذ وقت مبكر، على أن لا أكون مستسلماً تماماً لسطوة القصيدة، بل كانت لي حصيلة لا بأس بها من القراءات التي تخفف من انحدار النص إلى انفعال يفيض عن الحاجة.

وقد اشتد لدي هذا الحذر، أو الوعي، إلى درجة كبيرة تماشياً مع تطور التجربة ونضجها. ويمكنني القول إني أعمل على أن تكون قصيدتي تجسيداً واضحاً، قدر ما يتطلبه جمال الأداء، لفضيلتين شعريتين ضروريتين لكل شاعر، وأعني بهما فضيلة الإيجاز، واستبعاد الباروكات اللغوية وشهوة الإطالة من جهة، والتعبير بلغة الصورة حيث الانزياح، والتعبير غير المألوف عما يبدو مألوفاً، من الأشياء، والكائنات، والغرائز، والمعاني، والأحاسيس، والموضوعات.


* ما طبيعة العلاقة بين الصوت الفردي (الأنا) والصوت الجمعي (الذاكرة، العراق، المنفى) في أعمالك حتى اللحظة؟

ليس من الحصافة النقدية، كما يبدو، أن ننظر إلى القصيدة الحديثة كما كان ينظر إلى القصيدة القديمة من زاوية علاقتها بالأغراض الشعرية. فليس هناك، في قصيدة اليوم، قصيدة خالصة للهجاء أو للمديح أو للفخر أو للغزل.

إعلان

لا بد من رؤيا جمالية ولغوية تنتظم النص وتتحرك في ثناياه، حتى يغدو هذا النص، في كليته الأدائية، صلاة كونية لوجه الجمال المهدد بالغياب، وتعضيداً لأحلام المقهورين وكرامتهم المجروحة.

ومهما كان موضوع قصيدتي أو فكرتها، فإن هناك خيطاً من الفجيعة الفردية يظل يدب في عروق النص أو يتأوه في ثنايا اللغة.

قصيدتي لا تقف في معزل عن الزمن في تحولاته الجمالية والفكرية، ولم تكن بعيدة عن ذلك التدافع الشرس من أجل احتلال مكانتها


* هل من دلالات تحول أضافها منجزك النقدي وما أثر ذلك على تجربتك شاعراً وناقداً في الآن ذاته؟

هناك قناعة طالما كررتها، وإن بصياغات مختلفة، وهي أن صمامات الخبرة والإفادة كانت مفتوحة دائماً بين الشاعر والناقد الكامنين في مصهري الداخلي. فما ينجزه الشاعر، على صعيد مشروعه الخاص، لا بد أن ينعكس إيجاباً على منجزه النقدي، وهو يتعامل مع قصائد الآخرين.

ويمكن النظر إلى الصورة السابقة معكوسة كالتالي: ها أنا ذا، أعود من قصائد الآخرين، إلى قصيدتي الخاصة وقد لامسني شيء ما من التغيير في الوعي، في الخبرة، أو الوجدان.

وللتبسيط المخل ربما: لك أن تعتبر قصيدتي فضاء داخلياً صغيراً، أو ما يشبه الورشة، غير المقصودة، وغير المعنية بهذا الدور، تسبق تعاملي مع شعر الآخرين وتعززه. وقد تفيد منه أحياناً، حين أعود وهناك ما يجعل قصيدتي أشد وعياً بضرورات الكتابة الشعرية وشروطها الصعبة.


* الزمن كجرح وكاستعارة كبرى مبثوث في أنساق ثقافتك ومصادرك المتعددة في جريان ينابيعها وأنهارها. ما أثرها وما أثر طبيعة العراق في انعكاساتها على طفولة الشعر حتى النضج؟

قصيدتي لا تقف في معزل عن الزمن في تحولاته الجمالية والفكرية، ولم تكن بعيدة عن ذلك التدافع الشرس من أجل احتلال مكانتها التي تبحث عنها. غير أن قصيدتي مبرأة من الادعاء، وليست نتاج تسويق محموم للذات، كما كانت تتعالى على الخصومات والاقتتال على الغنائم.

ومع أنني كنت في صميم المشهد الثقافي، كنت أعمل على قصيدتي بصمت النساك والمتبتلين، بينما كان يتعالى خارج بيتي ضجيج الكثيرين من شعراء الرافعات الأيديولوجية، ونهازي الفرص، ومقلدي الأصوات الكبيرة.

كنت أعنى دائماً على أن لا أهدر لغتي في براري الكلام العادي، ومن هنا جاء حرصي، حد الافتتان ربما، على التعبير بالصورة الشعرية، وعلى تفتح لغة المجاز واحتدامه، خارج المعايير التقليدية.

أنا شاعر لا يعيش إلا في اللغة ولا يحلم أو يتعذب أو يسافر إلا فيها

وبذلك، فإن القصيدة لملمة لسيولة الكلام، وفلترة لتداعياته أو مراكمته. وعن طريق الصورة تستنفر اللغة، وتضيق ممرات المعاني رغم سعتها.

وربما كانت الطبيعة، وهي عراقية بطبيعة الحال، في مفاجآتها، وخروجها على البطء والرتابة، وفي طراوتها الموقظة للحواس، هي التي شكلت بدايات القول الأولى، وكأن تمتمات ذلك الطفل الذي كنته هي صلاة صغيرة ومباركة لطفولته البيضاء كي لا تذهب بعيداً.


* ربما سيكتشف القارئ طبيعة توظيفك للغة بوصفها "موسيقى داخلية" لديك لا مجرد أداة في ما تكتب. كيف ترى الأمر من وجهتك؟

أنا شاعر لا يعيش إلا في اللغة، ولا يحلم أو يتعذب أو يسافر إلا فيها. وليس هناك من مدخل إلى شعري إلا من هذا الباب. واللغة هنا ليست أداة، أو وسيلة تنتهي صلاحيتها بمجرد إيصال المعنى، بل هي، أي اللغة، جزء حي من بلاغة القصيدة، وطاقتها المولدة للذة والثمل والإدهاش.

وهي لا تعني المفردات معزولة عن جوارها اللفظي، أو الكلمات في وجودها المعد سلفاً، أعني وجودها السابق لكيانها قبل أن تنتظم في سياق تركيبي ذي معنى.

ولا يتولد الإيقاع في قصيدتي من وزن مجرد، بل يتدفق ربما من أصغر وحدات الكلام وشذراته: من فجوات، أو فتوق، وأثلام في لغة القصيدة. من اصطفاء صفة دون سواها، ومن نسق الإضافة، أو المعطوفات.

ففي قولي:

تجاورني العصافير النحيفة
خشنة في البرد
وتترك فوق قمصاني
حصى، أو وحشة، أو ورد.

تجد تنقلاً لافتاً ومفاجئاً بين الحصى والوحشة والورد، وهو تنقل دلالي بين حقول متباينة، حيث يتشكل بداية الغدير الإيقاعي، حين تتجمع قطراته من هذا التنقل بين الطراوة واليباس، وبين الحسي والذهني، وما يفعله اللمس والشم والتخيل من خفة في الروح تفضي إلى تدفق الحواس على بعضها، وإلى كسر الرتابة والبطء والإملال في إيقاع اللحظة.

ولو تأملنا المقطع التالي مثلاً:

لا شيء غير ارتطام المها
بالمهالك، لا شيء غير ارتطام الضحى
بالضحايا..

لوجدنا أن إيقاع المقطع لا يتشكل بعيداً عما في الجناس: المها / المهالك، الضحى / الضحايا، من ترابط بين أصوات الحروف والدلالة من جهة، وما في تناسب العبارتين من توازن يحاكي إيقاع الأيام وترابطها مع الأحداث من جهة أخرى..

وهكذا فإن إيقاع القصيدة يتأثر ويتشكل وفق عوامل عديدة في البيئة اللفظية، منها التكرار، والجناس، وحروف اللين أو المد، وتوزيع الأبيات، وتفتيت الدوال اللغوية، وما في غزارة التنوين من كثافة صوتية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار