رغم الإعجاب المتبادل بين الصهاينة والفاشيين، يُنظر إليهما عادة كحركتين سياسيتين منفصلتين. بيد أنه عند النظر إليهما من منظور العنصرية والاستعمار والإمبريالية الغربية، تتضح الارتباطات بينهما.
تشهد الولايات المتحدة وأوروبا حاليا عودة "الإسلاموفوبيا" (Islamophobia) بتضميناتها من رهاب الإسلام والكراهية والتمييز العنصري ضمن موجة فاشية جديدة، قدحت زنادها حالة الذعر والفزع من موجة احتجاج عالمية عارمة ضد المحرقة الصهيونية والإبادة الجماعية الإسرائيلية في قطاع غزة، واندلعت شرارتها بعشرات الجامعات الغربية وامتدت إلى شوارع وساحات ومدن الغرب وأنحاء أخرى من العالم، وتهدد بعولمة الانتفاضة كأسوأ كوابيس اليمين العنصري في الغرب.
جاءت موجة الفاشية الغربية الجديدة متذرعة بفرية "عداء السامية" (Antisemitism)، وقد شهدت مضامينه تحولا جوهريا من معاداة اليهود وكراهيتهم في أوروبا والغرب لكونهم يهودا إلى أي اعتراض على الممارسات الصهيونية من استيطان واقتلاع وعنف وإبادة جماعية وانتهاك القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان ومعاهدات دولية تُحرّم وتُجرّم أعمال الإبادة والاحتلال والفصل العنصري، كما تمارسها إسرائيل ويتواطأ على إقرارها أو تجاهلها حلفاؤها المهيمنون على النظام الدولي.
بل إن تعريف معاداة السامية قد تغير من كراهية اليهود ومعاداتهم ورفض وجودهم لأسباب عنصرية أو دينية أو أوهام وخرافات غير عقلانية وافتراءات شائعة تاريخيا إلى أي شخص يكرهه الصهاينة يهودا وأغيارا، لاعتراضه مثلا على سيطرة الصهاينة على سياسات القوى الغربية، خاصة الولايات المتحدة، تجاه الشرق الأوسط وقضية فلسطين، وهيمنتهم على الدوائر التشريعية والتنفيذية ووسائط الإعلام الرئيسة، أو يرفض استمرار احتلال إسرائيل لأرض فلسطين وشعبها وقمعه وإخضاعه واقتلاعه، أو يرفض الإبادة الجماعية الإسرائيلية، أو ينبذ صراع الحضارات والإسلاموفوبيا والعنصرية ضد العرب والمسلمين.
تعريف معاداة السامية قد تغير من كراهية اليهود ومعاداتهم ورفض وجودهم لأسباب عنصرية أو دينية أو أوهام وخرافات غير عقلانية وافتراءات شائعة تاريخيا إلى أي شخص يكرهه الصهاينة يهودا وأغيارا
في ندوة إلكترونية استضافتها كلية ريفرواي للقانون في 9 ديسمبر/كانون الأول 2025 بعنوان "هل الصهيونية فاشية؟ ما رأي القضاة؟"، قدمت الأكاديمية اليهودية الأوروبية المناهضة للصهيونية ألانا لنتين ورقة مهمة حول فهم العلاقة المركبة بين الصهيونية والفاشية والاستعمار والإمبريالية الغربية.
كرست ألانا لنتين، أستاذة الاجتماع والتحليل الثقافي بجامعة غربي سيدني (Western Sydney University) بأستراليا، عقود من حياتها الأكاديمية وجهدها البحثي لدراسة "العرق" أو البعد العنصري في الاجتماع والسياسة والثقافة الغربية، وهي عضو مؤسس في "معهد دراسات نقد الصهيونية" (Institute for the Critical Study of Zionism).
وقد نشرت لها عدة كتب حول هذه القضية منها: "العنصرية ومناهضة العنصرية في أوروبا" (2004)؛ "العنصرية: دليل المبتدئين" (2008)؛ "أزمة التعددية الثقافية: العنصرية في العصر النيوليبرالي" (2009)؛ "العنصرية والتمييز العرقي" (2011)؛ "لماذا لا يزال العرق مهم" (2020)؛ وأخيرا "النظام العنصري الجديد: إعادة ضبط تفوق العرق الأبيض" (2025). وقد نعود لزيارة هذه القضايا بعرض ومناقشة كتابها الأخير.
يهيمن على تأريخ الفاشية مؤرخون ليبراليون، لا يرون غالبا العنصرية والاستعمار والإمبريالية عناصر جوهرية فيها
في سياق فهم الارتباط الوثيق بين الصهيونية والفاشية الغربية، قد نجد – لأول وهلة – أنه رغم الإعجاب المتبادل والذائع عالميا بين الصهاينة والفاشيين، تاريخيا وحاليا، يعتبر وصف الصهيونية بالفاشية غير مجد أو مؤثر كثيرا.
لكن النظر إلى الفاشية من منظور تراث المفكرين الراديكاليين "السود"، بتأكيده على العنصرية والاستعمار والإمبريالية، المتجذرة في أفكار ومزاعم التفوق العرقي العنصري للحضارة الغربية، يسهم في جعل الفاشية مفهوما مفيدا لفهم حقيقة الصهيونية وجوهرها.
تلاحظ لنتين أنه في التعريفات الشائعة لها، تفصل الفاشية – تقليديا – عن القومية وتربط بالاستبداد بشكل وثيق. إن تقديم إسرائيل لنفسها كديمقراطية ليبرالية، ونتاجا لمشروع تقرير المصير القومي، بل وتجسيدا أصليا مناهضا للاستعمار، يتعارض مع المفاهيم السائدة عن الفاشية.
الثقافة الشعبية ووسائل الإعلام العامة تتأثر بالدراسات الأكاديمية السائدة حول الفاشية
لكن هذا النهج في تناول الفاشية يتعمد المراوغة! إذ يهيمن على تأريخ الفاشية مؤرخون ليبراليون، لا يرون غالبا العنصرية والاستعمار والإمبريالية عناصر جوهرية فيها. بل يميلون لاعتبار الفاشية انحرافا عن المشروع السياسي الأوروبي الغربي.
في المقابل، كتب المفكر الثوري "الأسود"، جورج جاكسون (George Jackson) (1941-1971)، في سجنه، أن تعريف الفاشية لم يحسم بعد بسبب «إصرارنا على تعريف شامل، بحثا عن أعراض متطابقة تماما من دولة إلى أخرى».
في الواقع، لا تزال الفاشية قيد التطور، إذ يرى سيدريك روبنسون (Cedric Robinson) (1940-2016)، عالم السياسة الراديكالي "الأسود"، في حديثه عام 1990، أن نظريات المفكرين السود حول الفاشية لم تعتبر عموما جديرة بالدراسة والبحث، نظرا لاعتبار الفكر السياسي لهؤلاء المفكرين مشتقا من الفكر السياسي السائد.
بل إن الثقافة الشعبية ووسائل الإعلام العامة تتأثر بالدراسات الأكاديمية السائدة حول الفاشية، والتي تصور الفاشية "تطرفا يمينيا" و"استبدادا عصابيا"، و"فاشية حقيقية محصورة في أوروبا بين الحربين العالميتين الأولى والثانية".
وقد وجد هؤلاء المنظرون الغربيون صعوبة بالغة في رؤية الفاشية إلا كـ"جانب مظلم من الحضارة الغربية"، تم التطرق إليه لفترة وجيزة ثم رفضه في نهاية المطاف.
ويضيف روبنسون أن المنظرين "السود" استندوا في تحليلاتهم إلى تجارب الجماهير السوداء (الأفريقية). ولذلك، لم يروا في الفاشية "سمة قومية متأصلة" تخص تحديدا إسبانيا أو إيطاليا أو ألمانيا، بل "مكونة من مواد أيديولوجية وسياسية وتكنولوجية" للحضارة الغربية برمتها.
لقد تشكل موقفهم من الفاشية بفعل "الهزائم الساحقة" التي مني بها "السود" في كوبا وهايتي وليبيريا قبل أن يغزو موسوليني ليبيا وشرق إفريقيا.
بل إنهم حشدوا جماهيرهم ضد غزو موسوليني لإثيوبيا عام 1935، لأنهم، كما كتب المفكر وعالم الاجتماع الراديكالي "الأسود"، ويليام إدوارد بورغهارت دو بويز (W.E.B. Du Bois) (1868-1963)، أدركوا أن "دولا أخرى فعلت تماما ما تفعله إيطاليا".
نظر الرأسماليون إلى الفاشية باعتبارها خلاصهم من حركة عمالية ذات إمكانات وآفاق ثورية
كانت إيطاليا تطمع في نصيب من كعكة الاستعمار التي احتفظت بها القوى الأوروبية الأخرى لنفسها. واعتبر الاستعمار الإيطالي لشرق إفريقيا أحدث حلقة في سلسلة الاعتداءات على حياة "السود"، بما في ذلك "الاستعباد" الذي انحدر منه الكثيرون مباشرة.
ويشير روبنسون إلى أن "مناهضة الفاشية انتشرت تلقائيا في جميع أنحاء العالم الأسود".
لم يتخذ جميع المثقفين "السود" الموقف نفسه من الفاشية. فمثلا، كان المؤرخ والصحفي التروتسكي من ترينيداد، سيريل ليونيل روبرت جيمس (C.L.R. James) (1901-1989) يميل إلى تأييد وجهة النظر الماركسية التي رأت أن الفاشية نتيجة للصراع بين الرأسمالية والشيوعية.
نظر الرأسماليون إلى الفاشية باعتبارها خلاصهم من حركة عمالية ذات إمكانات وآفاق ثورية. لكن عندما عاد مفكر آخر من ترينيداد، هو جورج بادمور (George Padmore) (1903-1959)، إلى تناول هذه المسألة عام 1956، أدرك أن الأمر يتجاوز مجرد أزمة الرأسمالية داخل أوروبا: فالفاشية كانت نذيرا لـ"عدوان أوروبي جديد في إفريقيا".
المؤرخ والصحفي التروتسكي من ترينيداد، سيريل ليونيل روبرت جيمس يؤيد وجهة النظر الماركسية التي رأت أن الفاشية نتيجة للصراع بين الرأسمالية والشيوعية
وقد تنبّه دو بويز إلى هذا الأمر في أوائل ثلاثينيات القرن العشرين، فكتب لاحقًا: "كنت أعلم أن هتلر وموسوليني كانا يحاربان الشيوعية، ويستخدمان التعصب العنصري لإثراء بعض البيض وإفقار جميع الملونين.
لكن لم أدرك إلا لاحقًا أن استعمار بريطانيا العظمى وفرنسا كان له نفس الهدف والأساليب التي كان الفاشيون والنازيون يحاولون استخدامها بوضوح".
وهذا يتردد صداه مع مقولة شهيرة للشاعر والمفكر الأسود من جزر المارتينيك (الفرنسية)، إيمي سيزير (Aimé Césaire) (1913-2008)، بأن النازية كانت تجليًا لما سبق أن فُعِل بغير الأوروبيين قبل جلبهم إلى القارة وتوجيههم نحو الداخل.
استعمار بريطانيا العظمى وفرنسا كان له نفس الهدف والأساليب التي كان الفاشيون والنازيون يحاولون استخدامها بوضوح
تلفت لنتين إلى ما يسميه دان تامير (Dan Tamir)، الأكاديمي الإسرائيلي بجامعة بن غوريون ومؤلف كتاب "الفاشية العبرية في فلسطين 1922-1942" (2018)، "حركة فاشية حقيقية" كانت موجودة أيضًا بين اليهود في فلسطين خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، لا سيما داخل الحركة الصهيونية "التحريفية" المعادية بشدة للشيوعية، بقيادة زئيف جابوتنسكي (Ze’ev Jabotinsky) (1880-1940)، والتي عارضت النهج التدريجي المزعوم للصهيونية العُمّالية.
يرى تامير أنه نظرًا لأن الفاشية تظهر في فترات الأزمات الطاحنة، فليس مستغربًا ظهورها أيضًا فيما يسميه "المجتمع العبري الحديث" في فلسطين خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الـ 20، وهو مجتمع مزقته أزمة عميقة.
ومع ذلك، وكحال معظم الباحثين الغربيين في مجال الفاشية، ومن منظور يكاد يتجاهل وجود الفلسطينيين تمامًا، يتجاهل تامير أيضًا التركيز الذي يوليه المفكرون الراديكاليون "السود" للعرق، أي البعد العنصري.
بالنسبة للكثيرين، كان – ولا يزال قائمًا – من غير المعقول أن يُعتبر الصهاينة فاشيين، نظرًا لأهمية معاداة السامية ومركزيتها في الفاشية في أوروبا.
"حركة فاشية حقيقية" كانت موجودة أيضًا بين اليهود في فلسطين خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين
مع ذلك، اعتقد الفاشيون الصهاينة، مثل أبا أحيمير (Abba Ahimeir) (1897-1962)، المؤرخ والصحفي الروسي الإسرائيلي، المعجب بالفيلسوف والمؤرخ "السلطوي" الألماني أوزوالد شبنغلر (Oswald Spengler) (1880-1936)، أن الفاشية لا ترتبط جوهريًا وبنيويًا بمعاداة السامية، وبالتالي يمكن أن يكون الصهاينة فاشيين.
لكن ما يتوافق أكثر مع نهج الراديكاليين "السود" هو أن الصهاينة الأوروبيين – مسيحيين ويهودًا أيضًا – كانوا في الواقع معادين للسامية، بالإضافة لكونهم عنصريين.
وكان تيودور هرتزل (Theodor Herzl) (1860-1904) الزعيم المؤسس للمنظمة الصهيونية العالمية، قد أعلن في تصريح شهير، بأن المعادين للسامية هم "أكثر أصدقاء الصهيونية جدارة بالاعتماد عليهم"، وعارض الهجرة اليهودية [إلى بريطانيا وأميركا مثلًا]، بذريعة أنهم حملوا "بذور معاداة السامية إلى إنجلترا، وقد أدخلوها بالفعل إلى أميركا .
تيودور هرتزل (وكالة الأنباء الأوروبية)وفي عام 1897، في مقال بصحيفة الحركة الصهيونية "العالم" (Die Welt)، وقعه باسم مستعار "بنيامين سيف"، هاجم هرتزل أي يهودي مناهض للصهيونية، ووصفه تحقيرًا بـ"ماوشيل" (Mauschel)، واعتبره "شخصًا مشوهًا قبيحًا متهالكًا"، ولم يكن يراه ينتمي لنفس العرق الذي ينتمي إليه الصهيوني اليهودي الذي يجب تحريره من الارتباط بنموذج "ماوشيل".
غالبًا ما تم انتقاد المقال لترديده صورًا نمطية سلبية لليهود وازدراء معاديًا للسامية وتم استخدامه مثالًا على معاداة الصهيونية للسامية.
ومعلوم جيدًا كذلك أن الصهاينة عرقلوا بنشاط جهود إنقاذ اليهود الأوروبيين من النازية. يوثق المفكر الأميركي، ومؤلف عدة كتب منها: "التاريخ الخفي للصهيونية"، "تكريمًا لفلسطين"، "العراق والكويت: تاريخ مُخفى"، "أسرى إسرائيل"، رالف شونمان (Ralph Schoenman) (1935-2023)، أنه "بين عامي 1933 و1935، رفضت المنظمة الصهيونية العالمية ثلثي طلبات هجرة اليهود الألمان"، لأنهم اعتبروهم غير ذوي فائدة تُذكر لمتطلبات المستعمرة الصهيونية.
يميل الخط السائد في تأريخ وتفسير الفاشية الإيطالية إلى التقليل من شأن "العِرق" أو العنصرية
ورغم هذا، فإن النزعة السائدة لتفسير أو استثناء معاداة السامية تدفع الكثيرين إلى التقليل من شأن دور "العرق" في الصهيونية. لكن لا يوجد مشروع استعماري لا يقوم على أساس التمييز العنصري. وهكذا، تمارس الصهيونية هيمنة وفوقية عنصرية على الفلسطينيين. فالقدرة على استعمار أرض الغير تستند إلى الاعتقاد بأن شعبها أدنى شأنًا في أحسن الأحوال، بل أقل من البشر، وقابل للإبادة في أسوأ الأحوال.
ويُطلق الصهاينة تصريحات وأفعال تؤكد ذلك باستمرار طوال فترة الإبادة الجماعية الراهنة.
وتُظهر حالة التواطؤ الصهيوني مع الفاشية الإيطالية مركزية "العرق" في كل من الفاشية والصهيونية.
كانت علاقة موسوليني بالصهاينة قائمة على أنهم "يمكن أن يكونوا أدوات مفيدة" لزعزعة استقرار الانتداب البريطاني في فلسطين
يميل الخط السائد في تأريخ وتفسير الفاشية الإيطالية إلى التقليل من شأن "العرق" أو العنصرية، مستشهدًا، مثلًا، بحقيقة أن موسوليني لم يُصدر قوانين عنصرية حتى عام 1938، وانحاز فقط إلى جانب هتلر.
مع ذلك، وكما يُبين روبنسون، كان موسوليني يؤمن بتفوق العرق الإيطالي (الروماني) قبل هذا التحول، لكن الأهم من مواقفه الشخصية كانت طموحاته في أفريقيا.
ووفقًا لمقال الباحث في الفاشية الإيطالية، ومستشار الرئيس رونالد ريغان (Ronald Reagan)، ومؤلف كتاب "الفاشية العالمية: نظرية وممارسة الأممية الفاشية، 1928-1936" (1972)، مايكل آرثر ليدين (Michael Arthur Ledeen) (1941-2025)، ناقشه روبنسون، كانت علاقة موسوليني بالصهاينة قائمة على أنهم "يمكن أن يكونوا أدوات مفيدة" لزعزعة استقرار الانتداب البريطاني في فلسطين، و"تجنيد السكان اليهود في ليبيا وشرق أفريقيا في "تهدئة" الشعوب المستعمرة".
وقد حافظ موسوليني على ولاء اليهود بطرق شتى، منها السماح، مثلًا، بانتقال مدرسة حاخامية من ألمانيا.
وكان اليهود في إيطاليا وخارجها مؤيدين لموسوليني بشكل واسع. لكن لم يكن ذلك بسبب الحماية التي قُدّمت لهم حتى عام 1938 فحسب، بل أيضًا لأن اليهود الإيطاليين آمنوا بمشروع موسوليني الاستعماري، معتبرين، كما تشير المؤرخة (اليهودية) والأستاذة بجامعة تشابمان ومؤلفة كتاب "يهود إيطاليا من الانعتاق إلى الفاشية" (2017)، شيرا كلاين (Shira Klein)، أن "فخر إيطاليا وسمعتها يعتمدان على فتوحاتها الاستعمارية".
وبالتالي، لم يكن هناك سبب يمنع الصهاينة اليهود من اعتبار طموحات إيطاليا في شرق أفريقيا وبلاد الشام متسقة مع تطلعاتهم في فلسطين.
موسوليني (مواقع التواصل الاجتماعي)التجارب الطبية التي أُجريت على اليهود العرب جزءًا من السعي الصهيوني لتتبع السلالة الجينية (الوراثية) لـ"الإنسان الإسرائيلي"
ونظرًا لهوس الصهاينة بما أطلق عليه القيادي الصهيوني، ماكس نوردو (Max Nordau) (1849-1923)، تعبير "يهودية العضلات"، أي يهودية القوة والعنف، فقد رددوا صدى ممارسات النازية، فضلًا عن معتقدات "تحسين النسل" (Eugenics) التي انتشرت آنذاك بشكل واسع بين الأوروبيين والأميركيين، ومورست في جميع أنحاء العالم المُستعمَر، حتى من قبل أولئك الذين يتبنون – ظاهريًا – آراءً ديمقراطية اجتماعية.
وكانت التجارب الطبية التي أُجريت على اليهود العرب جزءًا من السعي الصهيوني لتتبع السلالة الجينية (الوراثية) لـ"الإنسان الإسرائيلي" (Homo Israelensis) إلى العصور التوراتية!
وفي سياق دراسة واستكشاف السلالات الوراثية أيضًا، أُجريت أيضًا تجارب طبية على أسرى فلسطينيين.
لا يمكن فصل المسعى الصهيوني العنصري نحو "تحسين النسل" عن هدفه المتمثل بـ"تشكيل جزء من حصن أوروبا في مواجهة آسيا، وموقع حضاري متقدم لصد زحف البربرية"، كما وصفه هرتزل في كتابه "دولة اليهود"، إذ يُرادف مصطلح "أوروبي" البياض أو العرق الأبيض.
ويتجلى هذا في فلسطين من خلال الترويج لمصير يهودي مشيحاني غيبي، لكن بعكس التوجه المقلق للقوميين البيض الذين يحاولون الاستيلاء على النضال التحرري الفلسطيني في الغرب، ينبغي اعتبار هذا التطلع المشيحاني متسقًا مع جميع الرؤى الاستعمارية الاستيطانية التي تراه قدرًا محتومًا.
في الواقع، كان طموح مؤسسي الحركة الصهيونية، مثل الصهيوني الألماني، آرثر روبين (Arthur Ruppin) (1876-1943)، أن يُعترف بهم كأوروبيين بالكامل، وهو أمر لم يكن ليتحقق إلا من خلال محاكاة القومية الأوروبية المتطرفة، قومية سيادة "العرق" (Herrenvolk) – في فلسطين.
كانت التجارب الطبية التي أُجريت على اليهود العرب جزءًا من السعي الصهيوني لتتبع السلالة الجينية (الوراثية) لـ"الإنسان الإسرائيلي".
كانت التجارب الطبية التي أُجريت على اليهود العرب جزءًا من السعي الصهيوني لتتبع السلالة الجينية (الوراثية) لـ"الإنسان الإسرائيلي"
تخلص ألانا لنتين إلى أن الصهيونية أيديولوجية فاشية لأنها رأس حربة عنصرية التفوق العرقي الأوروبية الغربية البيضاء، والاستعمار الاستيطاني، والإمبريالية الغربية في الظروف والمفاهيم الراهنة. لكنها ليست فريدة من نوعها في هذا الصدد.
ففي السياق الذي نشأت فيه، والذي هي نتاج له – أي هيمنة مزاعم التفوق الحضاري الأوروبي، والتي تدفع نحو الاستعمار والإمبريالية – ليس مفاجئًا أن يُعجب الصهاينة بالفاشية فيتمثلونها ويحاكونها ويتماهون معها، وما زالوا يفعلون ذلك، ويبنون روابط أقوى مع الحركات والزعامات الفاشية عالميًا، من دونالد ترامب (Donald Trump) (أميركا) إلى خافيار مايلي (Javier Milei) (الأرجنتين) وفكتور أوربان (Viktor Orbán) (المجر) وناريندرا مودي (Narendra Modi) (الهند).
مودي في إسرائيل ونتنياهو يعدّها "زيارة تاريخية" (الجزيرة)وليس مفاجئًا أيضًا أن تجسد الصهيونية طموحات دعاة التفوق العنصري من القوميين البيض في كل مكان.
وكان جورج جاكسون قد أشار إلى الطبيعة العالمية للفاشية، قائلاً: "لقد ضللنا باستمرار [عن طبيعتها العالمية] بسبب المظاهر القومية للفاشية". لقد أخفقنا في فهم طابعها الدولي الأساسي. يمكن إذًا رؤية الصهيونية جزءًا من حركة دولية نتجت مظاهرها الحادة عن أزمة الرأسمالية.
الصهيونية أيديولوجية فاشية لأنها رأس حربة عنصرية التفوق العرقي الأوروبية الغربية البيضاء، والاستعمار الاستيطاني، والإمبريالية الغربية
ولكن كما أظهر المفكرون الراديكاليون "السود"، لم تتطور الصهيونية قط دون سمتها الأساسية المميزة: دعوى التفوق العرقي العنصري.
وكما أدرك أولئك المفكرون أن الفاشية كانت تمظهرًا أو تجليًا لخبراتهم اليومية في ظل الاستعمار والعبودية، فإن فاشية الصهيونية تتجاوز أكثر مؤيديها تطرفًا، من جابوتنسكي إلى كاهانا إلى بن غفير.
فمن وجهة نظر الراديكاليين "السود"، وبغض النظر عن هؤلاء الرموز الفاشيين، فإن حقيقة أن غالبية الشعب الإسرائيلي متفقون تمامًا مع مشروع إسرائيل الاستعماري الإبادي هي ما يجعل الصهيونية فاشية بكل أبعادها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة