في عام 2026، ومع تلاشي الحدود الفاصلة بين الحياة الشخصية والمهنية، لم تعد للتطبيقات الرقمية قواعد رسمية تحكم استخدامها، بل تشكلت "قواعد غير مكتوبة" لإتيكيت (آداب) الشات ( الدردشة الرقمية) والسلوك الرقمي، حيث يُنظر إلى الرسائل الصوتية الطويلة والتواصل بعد ساعات الدوام باعتبارهما تعديًا على وقت الآخرين ومصدرًا رئيسًا للتوتر الرقمي اليومي.
وتؤكد الدراسات العلمية الحديثة أن الأمر لا يتوقف عند حد الإزعاج أو قلة اللباقة، بل يمتد ليكون له تأثير فيسيولوجي ونفسي مباشر على صحة الإنسان.
أظهرت دراسة علمية نُشرت في "الأرشيف الدولي لطب المهن والصحة البيئية" أن مستويات هرمون الكورتيزول -المسؤول الرئيسي عن استجابة الجسم للإجهاد- ترتفع بشكل ملحوظ في أيام العمل مقارنة بأيام الإجازة، وأوضحت الدراسة أن امتداد ساعات العمل، ووضع الجسم في حالة تأهب دائم، يؤديان إلى استمرار إفراز هذا الهرمون بمعدلات مرتفعة دون منح الجهاز العصبي فرصة للتعافي، وهو تأثير فيسيولوجي متماثل لا يختلف باختلاف السن أو الجنس.
وكشفت دراسة نشرتها دورية "آفاق الصحة العامة" (Frontiers in Public Health) عن المخاطر النفسية الناجمة عما يُعرف بـ"سلوك الارتباط بالعمل بعد ساعات الدوام". وأوضحت النتائج أن متابعة رسائل ومهام العمل خارج الأوقات الرسمية تخلق صراعًا حادًا بين مسؤوليات العمل والحياة الأسرية، يمنع الموظف من تحقيق الانفصال الذهني عن مهامه، ويؤدي تدريجيًا إلى الإنهاك العاطفي والاضطراب النفسي، ويزداد الوضع سوءًا في بيئات العمل التي يقودها مديرون يعانون من "إدمان العمل".
حتى ساعات الراحة الطويلة لم تكن كافية وحدها لإلغاء هذا التوتر، وفقًا لدراسة ميدانية نُشرت في "مجلة الصحة المهنية" تتبعت -عبر قياس دقيق لجودة النوم ومستويات الكورتيزول في اللعاب- أثر تفقّد بريد العمل الإلكتروني بعد الدوام، فوجدت أنه يضر بجودة النوم ويمنع "الانفصال الذهني"، حتى وإن كان الموظف يتمتع بساعات راحة طويلة. وأكدت النتائج أن قصر فترات الراحة اليومية يرتبط مباشرة بخلل في استجابة الكورتيزول عند الاستيقاظ صباحًا.
وخلص فريق البحث الياباني، القائم على دراسة "مجلة الصحة المهنية"، إلى توصية صريحة بضرورة خفض وتيرة رسائل العمل بعد ساعات الدوام باعتبارها الشرط الأساسي لاكتمال التعافي النفسي والجسدي للموظف، وتتجه شركات حول العالم اليوم إلى تبني قواعد مشابهة، أبرزها تجنب إرسال رسائل صوتية تتجاوز دقيقة واحدة دون استئذان مسبق، أو استبدالها بنص مكتوب يسهل قراءته سريعًا.
المصدر:
العربيّة