في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في مدينة سانت لويس الواقعة شمال السنغال، لا تحتاج عائلة يانغ إلى صورة معلقة على الجدار لتتذكر ابنها مامادو. فكلما اجتمع أفراد الأسرة حول مائدة الطعام أو في مناسبة عائلية، كان اسمه يتردد في الأحاديث، حاضرا رغم غيابه، وكأن السنوات الخمس التي مرت منذ اختفائه لم تنجح في إبعاده عن قلوبهم.
كان مامادو، كما تقول مراسلة الجزيرة من السنغال زينب بنت أربيه، شابا مثل آلاف الشباب السنغاليين الذين ضاقت بهم سبل العيش. أمضى سنوات يبحث عن فرصة عمل تضمن له مستقبلا أفضل، لكن الأبواب بقيت موصدة في وجهه. ومع تزايد الإحباط، بدأ حلم الهجرة إلى أوروبا يكبر في ذهنه، حتى تحول إلى أمل أخير للخلاص من البطالة والفقر.
أمام إصراره، رضخت الأسرة لرغبته رغم ظروفها المادية الصعبة. جمعت ما استطاعت من المال، على أمل أن يكون ذلك ثمن عبوره نحو حياة جديدة في إسبانيا. ودعت الأم ابنها وقلبها مثقل بالخوف، فيما كان هو يحمل أحلامه على متن زورق مكتظ بالمهاجرين انطلق من سواحل سانت لويس نحو المجهول.
لكن الرحلة التي كان يفترض أن تقوده إلى الضفة الأخرى من المتوسط انتهت قبل أن تبدأ فعليا. غرق الزورق في عرض المحيط الأطلسي، واختفى مامادو مع عشرات المهاجرين الآخرين. ومنذ ذلك اليوم، لم يصل إلى أسرته أي خبر عنه.
تقول والدته بصوت تختلط فيه الحسرة بالأمل: "لقد اختفوا منذ خمس سنوات، ولم تصلنا أي معلومة عنهم. بعد كل هذا الانتظار الطويل، لا أعرف شيئا عن ابني".
لم تحصل الأم على جثمان تبكيه، ولا على خبر يقين يطفئ نار الانتظار. بقيت عالقة بين احتمالين قاسيين: أن يكون ابنها قد رحل إلى الأبد، أو أنه ما يزال في مكان ما عاجزا عن العودة أو التواصل.
قصة مامادو ليست سوى واحدة من عشرات القصص التي تختزنها شوارع سانت لويس، المدينة التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أبرز نقاط انطلاق المهاجرين غير النظاميين نحو أوروبا. ففي أحد أحيائها، اجتمعت نساء فقدن أبناءهن أو أزواجهن أو إخوتهن في البحر، بدعوة من منظمة محلية تحاول مواجهة الظاهرة المتفاقمة.
هناك، لم يكن الحديث يدور عن أرقام وإحصاءات، بل عن وجوه وأسماء وأحلام ضائعة. تحدثت النساء عن البطالة التي تدفع الشباب إلى المجازفة، وعن الأموال التي تجمعها الأسر بصعوبة لتمويل الرحلات، وعن الأحبة الذين ابتلعهم المحيط دون أن يترك خلفه سوى الأسئلة.
ويؤكد الناشط المجتمعي مامادو غي أن المآسي ما تزال تتكرر بصورة مفجعة، مشيرا إلى أن آخر زورق غرق قبالة سانت لويس كان يحمل 245 مهاجرا، توفي أكثر من نصفهم فيما ظل آخرون في عداد المفقودين.
وفي محاولة لوقف هذا النزيف البشري، كثفت السلطات السنغالية رقابتها على السواحل، وشكلت لجنة وزارية تسعى للقضاء على الهجرة غير النظامية بحلول عام 2035، من خلال حملات التوعية، وتوفير فرص العمل للشباب، وملاحقة شبكات التهريب، بدعم مالي من الاتحاد الأوروبي.
غير أن الواقع على الأرض يبدو أكثر تعقيدا. فشبكات التهريب ما تزال تنشط في بعض المناطق الساحلية، مستفيدة من أحلام الشباب الذين يرون في أوروبا فرصة قد لا تتكرر. ويعترف "عبدو"، وهو مهرب سابق قضى فترة في السجن، بأنه عمل لسنوات في تنظيم هذه الرحلات التي كانت تدر أرباحا كبيرة رغم مخاطرها الهائلة.
ويقول إن بعض القوارب كانت تحمل أكثر من ثلاثمئة شخص في رحلة واحدة، دون أي ضمانات للنجاة، في مغامرة يتساوى فيها الأمل بالموت.
وبين جهود السلطات وإغراءات الهجرة، تواصل سانت لويس دفع ثمن هذه الظاهرة. فقد فقدت المدينة أعدادا كبيرة من شبابها، ما ترك آثارا اجتماعية وديموغرافية عميقة على أسر ومجتمعات كاملة.
أما في منزل عائلة يانغ، فما تزال السنوات تمضي ببطء. وما تزال الأم تنتظر خبرا قد يأتي أو لا يأتي. وبين حين وآخر، تنظر إلى الباب وكأنها تتخيل عودة ابنها الغائب. خمسة أعوام مرت، لكن الانتظار لم ينتهِ، لأن أصعب الفقدان ليس الموت المؤكد، بل الغياب الذي يترك خلفه أملا صغيرا يرفض أن ينطفئ.
المصدر:
الجزيرة