في ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها عالمنا اليوم، ودخول تقنيات الذكاء الاصطناعي في كافة جوانب الحياة اليومية، بات من الصعب أن تعرف ما هو حقيقي وما هو مزيف أو معدل، وهذا الأمر ينطبق على الصور.
فقد أصبحت الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي تتفوق أحيانا على الصور الحقيقية في جودتها، وأصبح التساؤل المُلح ليس "كيف التقطت هذه الصورة؟" بل "هل هذه الصورة حقيقية فعلا؟". ولمواجهة هذا التحدي، تحالفت كبرى شركات التكنولوجيا والتصوير لابتكار ما يوصف بـ"البصمة الرقمية التي لا تُقهر".
تعتمد التقنية الجديدة بشكل أساسي على معايير "التحالف من أجل مصدر المحتوى والأصالة" (سي 2 بي إيه C2PA)، والذي يضم شركات مثل "أدوبي" و" مايكروسوفت" و"إنتل"، ويُعتبر المظلة التقنية الأهم حاليا لمواجهة التزييف العميق وضمان شفافية المحتوى الرقمي.
وهذه التقنية بمثابة "بطاقة حقائق" أو "وسم رقمي" يُلحق بالصور والفيديوهات والملفات الصوتية ليوضح للمستخدم من أين جاء هذا المحتوى وهل عُدّل بواسطة ذكاء اصطناعي أم لا،
ووفقا لتقرير تقني من موقع ذا فيرج الأمريكي، فإن هذه التقنية تعمل كسلسلة ثقة تبدأ من لحظة دخول الضوء عبر عدسة الكاميرا، فبدلا من مجرد تسجيل البيانات الوصفية التقليدية مثل سرعة الغالق وفتحة العدسة، تقوم الكاميرات الجديدة مثل (لايكا M11-P) بتشفير بيانات الاعتماد مباشرة في ملف الصورة.
ولشرح كيف تعمل "البصمة" تقنيا، فهذا التوضيح سيبسط لك الأمر، حيث تتم العملية عبر 3 مراحل متكاملة تضمن عدم التلاعب:
1- التشفير عند المصدر: من خلال تحديثات برمجية لكاميرات التصوير تتيح للمصور وضع توقيع رقمي فريد يولد بواسطة معالج الكاميرا لحظة التقاط الصورة.
2- سجل التعديلات الشفاف: إذا خضعت الصورة للتعديل عبر برامج مثل "فوتوشوب"، فإن البرنامج لا يمسح البيانات الأصلية، بل يضيف "طبقة" توثق التعديل. وفقا لـ"مبادرة أصالة المحتوى"، يمكن للمستخدم النهائي النقر على الصورة ليرى بدقة ما الذي تم تغييره.
3- التحقق عبر السحابة: تُرفع "بصمة" الصورة "الهاش" (Hash) إلى سجلات آمنة، بحيث يمكن لأي وكالة أنباء أو مستخدم التأكد من أن الصورة لم تخضع لـ"تزييف عميق" عبر مطابقة البصمة الموجودة في الصورة مع السجل الأصلي.
أشار تقرير لمجلة "وايرد" الأمريكية إلى أن الدافع الأكبر هو الانتشار المرعب لصور "التزييف العميق" التي بدأت تؤثر على الرأي العام والانتخابات.
ففي "معرض الإلكترونيات الإستهلاكية" (CES) الأخير أعلنت شركة نيكون اليابانية أنها ستدمج تقنية التحقق في كاميرا "زد 9" (Z9)، مستهدفة بشكل خاص الصحفيين الميدانيين لضمان أن صور النزاعات والحروب محمية من الدعاية الرقمية.
أما شركة كانون اليابانية، فتعمل على تطبيق مماثل يتيح للمؤسسات الإخبارية التحقق من ملكية الصورة وتاريخها الجغرافي المشفر الذي لا يمكن تزويره عبر برامج تغيير الموقع.
رغم قوة التقنية، يرى خبراء من مجلة "إم آي تي تكنولوجي ريفيو" الأمريكية أن التحدي يكمن في "التبني الشامل". فلكي تنجح هذه البصمة، يجب على متصفحات الإنترنت مثل "كروم" و"سافاري" ومنصات التواصل الاجتماعي مثل "إكس" و" إنستغرام" أن تدعم إظهار هذه العلامات التوثيقية بشكل تلقائي.
لكن في نهاية المطاف، لا تعد "البصمة الرقمية" مجرد تحديث تقني في عالم التصوير، بل هي صرخة دفاع عن الحقيقة في وجه طوفان "التزييف العميق" الذي يهدد بتقويض الثقة في كل ما نراه. ونجاح هذه التكنولوجيا لا يعتمد فقط على الشركات المصنعة للكاميرات، بل على تكاتف المؤسسات الإخبارية ومنصات التواصل الاجتماعي لتبني هذا "المعيار الذهبي".
وفي السياق ذاته، يؤكد كبير المسؤولين القانونيين في شركة أدوبي، دانا راو، على خطورة هذه المرحلة بقوله: "بمجرد أن ندرك أننا لا نستطيع الوثوق بما نراه ونسمعه رقميا، فلن نثق في أي شيء، حتى لو كان حقيقيا. وإذا أعطينا الأشخاص الأدوات اللازمة لإثبات ما هو حقيقي، سيكون لدى الجمهور وسيلة يمكن التحقق منها للتمييز بين الحقيقة والخيال".
فنحن ننتقل اليوم من ثقافة "رؤية العين هي التصديق" إلى ثقافة "التوثيق الرقمي هو الأمان"، وهي رحلة تهدف إلى استعادة سيادة الواقع على البكسلات المصطنعة، لضمان أن تظل الصورة، كما كانت دائما، الشاهد الأول والأصدق على التاريخ.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة