لم تعد المواجهات بين مصر والسنغال في السنوات الأخيرة مجرد مباريات كبرى تُحسم بتفاصيل دقيقة داخل المستطيل الأخضر، بل باتت مرآة تعكس تحولًا عميقًا في ميزان القوى داخل كرة القدم الأفريقية. فالصراع الذي طالما مال تاريخيًا لصالح المنتخب المصري، دخل في السنوات الأخيرة مرحلة جديدة فرض فيها المنتخب السنغالي نفسه بوصفه النموذج الأكثر جاهزية واستمرارية، مدعومًا بمشروع كروي واضح المعالم.
في المقابل، وجد المنتخب المصري نفسه أمام واقع مختلف، تراجع فيه حضوره القاري رغم امتلاكه أسماء فردية من الطراز الرفيع. وقد بلغ هذا التراجع ذروته في نصف نهائي كأس الأمم الأفريقية 2025، حين ظهر "الفراعنة" بوجه شاحب وودّعوا البطولة بطريقة محبطة، أعادت طرح الأسئلة القديمة المتجددة حول غياب المنظومة، وعدم القدرة على تحويل الإمكانات الفردية إلى قوة جماعية قادرة على مجاراة منتخبات بنت نجاحها على الاستقرار والتخطيط طويل الأمد.
تُظهر الأرقام التاريخية قدرا من التوازن بين المنتخبين، وإن كانت الأفضلية العددية تميل لصالح مصر. فوفقا لبيانات الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، تواجه المنتخبان في 15 مباراة رسمية، حققت مصر الفوز في 7 منها، مقابل 5 انتصارات للسنغال، بينما انتهت 3 مباريات بالتعادل. لكن هذه الأرقام، بمعزل عن سياقها الزمني، لا تُبرز التحول الفعلي في مسار هذا الصراع.
ففي العقد الأول من الألفية الجديدة، بسط "الفراعنة" هيمنتهم القارية بفضل جيل ذهبي استثنائي، تُوّج بثلاثة ألقاب متتالية في كأس الأمم الأفريقية.
وكان فوزهم في نصف نهائي نسخة 2006 بالقاهرة على السنغال (2-1) إحدى أبرز محطاتهم المفصلية. حينها، جسّدت تلك المواجهة فارقًا جليًا في الخبرة والجاهزية بين منتخب بلغ أوج نضجه القاري، وآخر كان لا يزال في طور التكوين.
في المقابل، شهدت السنوات الأخيرة صعودا متدرجا لكنه ثابتا للمنتخب السنغالي، تُوّج بلقب كأس الأمم الأفريقية 2021، ثم تأكد بتفوقه على مصر في محطات حاسمة، أبرزها نهائي البطولة ذاتها، وملحق التأهل إلى كأس العالم 2022، وصولًا إلى نصف نهائي كأس أفريقيا 2025.
وتكمن خطورة هذا التفوق في كونه لم يكن حدثا معزولا، بل نتيجة تتكرر في سياقات مختلفة، وهو معيار أساسي لقياس قوة أي جيل كروي. فالسنغال لم تكتف بكسر عقدة تاريخية، بل رسّخت نفسها كمنتخب قادر على إدارة المباريات الكبرى، وحسمها ذهنيا قبل أن يفعل ذلك فنيا.
يمثل المنتخب السنغالي الحالي نموذجا واضحا لثمار الاستثمار طويل الأمد في كرة القدم، ويقوم هذا النموذج على عدة ركائز أساسية:
هذه العوامل مجتمعة جعلت من "أسود التيرانغا" فريقا يصعب كسره، حتى في اللحظات التي لا يكون فيها في أفضل حالاته الفنية.
على الجانب الآخر، لم يفتقر المنتخب المصري إلى المواهب، بل امتلك أسماء من الطراز العالمي، يتقدمها محمد صلاح، إلى جانب عناصر بارزة مثل عمر مرموش وتريزيغيه، غير أن المشكلة الأساسية تمثلت في غياب المشروع المتكامل.
إن التغيّر المستمر في الأجهزة الفنية، وتباين الرؤى التكتيكية، والاعتماد المتكرر على أسلوب ردّ الفعل في المباريات الكبرى، كلها عوامل أضعفت قدرة المنتخب على فرض شخصيته، وجعلته يبدو أقل تماسكًا أمام منتخبات تمتلك وضوحًا أكبر في الهوية، مثل السنغال.
تكشف المواجهات الحاسمة بين المنتخبين عن فجوة تتجاوز الجوانب الفنية:
هذا التفوق الذهني انعكس في تفاصيل دقيقة لكنها حاسمة، من إدارة ركلات الترجيح، إلى الصبر التكتيكي، وصولا إلى استغلال اللحظات المفصلية داخل المباريات.
لا تعني الهيمنة السنغالية الحالية نهاية الدور المصري في القارة، لكنها تفرض مراجعة عميقة لمفهوم بناء المنتخبات. فالتاريخ وحده لم يعد كافيا، والنجومية الفردية لا تعوض غياب المنظومة.
ويبقى السؤال مطروحا هل ينجح المنتخب المصري في إعادة بناء مشروع يعيده من فريق يبحث عن النجاة في المباريات الكبرى، إلى منتخب يفرض إيقاعه كما فعلت أجياله الذهبية؟ أم تواصل السنغال ترسيخ نفسها كقوة أولى في أفريقيا لسنوات مقبلة؟ الإجابة، كما أثبتت التجربة، لن تحسمها مباراة واحدة، بل مسار طويل من البناء والاستمرارية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة