تصاعد أبخرة غامضة حول جبل سوري هل حركها الزلزال الأخير؟
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
قبل أيام بدا المشهد غير مألوف حول جبل "كوكب" في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا، حيث ظهرت أبخرة تتصاعد من الأرض، بالتزامن مع تشققات تظهر في التربة، وانخسافات في بعض المواقع.
وقبل أن يصدر تعليق رسمي على هذه المشاهد غير المألوفة، ربط سوريون على مواقع التواصل بينها وبين هزة أرضية ضربت المنطقة، وكان السؤال المهم هو: هل لعبت تلك الهزة دورا في تصاعد الأبخرة؟
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 صورة غير مسبوقة.. فلكيون يشاهدون كوكبين وهما يصنعان نظامهما
* list 2 of 2 أكتوبر يفتح مسرح السماء.. كواكب وشهب ولقاءات سماوية نادرة end of list
وسجلت المنطقة في 24 سبتمبر/أيلول هزة بلغت قوتها 5.4 درجات، وكان مركزها منطقة "شانلي أورفا" جنوب تركيا، على عمق يقارب 8 كيلومترات، ولم يستغرق الأمر طويلا على مواقع التواصل، حتى ربط متابعون بين الحدثين. وتعاملت بعض المنشورات مع التزامن بين الحدثين باعتباره تفسيرا جاهزا، يقوم ببساطة على أن "الزلزال هز الجبل، فخرج البخار".
ويستند هذا الربط إلى طبيعة جبل "كوكب" الذي يقع ضمن منطقة بركانية قديمة، وتصفه قاعدة بيانات البرنامج العالمي للبراكين التابع لمؤسسة سميثسونيان الأمريكية بأنه مخروط بازلتي يبلغ قطره نحو كيلومتر واحد، وله فوهة متآكلة.
وكان الاحتمال المطروح أن هزة 24 سبتمبر/أيلول قد أثرت في النظام البركاني القديم تحت جبل كوكب، ودفعت سوائل أو غازات ساخنة من الأعماق إلى الصعود نحو السطح.
ومن الناحية الجيولوجية، ووفق دراسات سابقة تناولت العلاقة بين حدوث الهزات الأرضية ومثل هذه الأنظمة البركانية، مثل دراسة نشرها موقع هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، يمكن للزلازل أن تغير الضغوط داخل القشرة وأن تعيد فتح أو توسيع بعض الشقوق، مما قد يغير حركة السوائل والغازات في الأنظمة البركانية والحرارية المائية.
لكن هل يعني ذلك أن الصهارة نفسها بدأت بالصعود؟
لا تدعم الأدلة الحالية هذا السيناريو، فسجل مؤسسة "سميثسونيان" لا يتضمن ثورانا هولوسينيا مؤكدا لجبل كوكب (أي أنه لم يشهد ثورانا بركانيا خلال العصر الهولوسيني، خلال آخر نحو 11 ألف سنة وحتى الوقت الحاضر) بينما يشير السجل إلى أن آخر نشاط بركاني معروف له كان بالعصر البليستوسيني (فترة جيولوجية طويلة بدأت قبل نحو 2.58 مليون سنة وانتهت قبل حوالي 11700 سنة).
ويقول الدكتور عبد العزيز محمد عبد العزيز، أستاذ هندسة الاستكشاف وتقييم الطبقات بقسم هندسة البترول كلية الهندسة جامعة القاهرة للجزيرة نت إن "ظهور الأبخرة بعد الهزة لا يكفي للقول إن الصهارة تحركت نحو السطح، وقد يكون ما حدث أقل دراماتيكية، وهي أن تكون الهزة قد غيرت نفاذية الصخور، فأعادت توجيه مياه جوفية أو غازات كانت موجودة أصلا في أعماق الجبل".
ويدعم هذا الرأي مشاهدات ذكرها بعض سكان المنطقة في تقارير إعلامية محلية، وهي أن الأبخرة كانت تتصاعد بشكل متقطع قبل الهزة الأرضية، ثم تصاعدت وتيرتها بعد الهزة، وبالتالي فإن الهزة، وفق هذه الرواية، ليست مرتبطة ببداية الظاهرة، لكنها غيرت من شدتها أو مساراتها.
دراسات علمية داعمة للفرضية
وكانت دراسات علمية سابقة، منها دراسة نشرتها دورية "نيتشر" عام 2006، قد وجدت أن الموجات الزلزالية يمكن أن تزيد نفاذية الصخور، مما يغير قدرة المياه والسوائل على الحركة عبر الشقوق والفوالق.
وتوجد أمثلة ميدانية أكثر وضوحا تؤكد ما ذهبت إليه دراسة عام 2006، ومنها دراسة أجريت على زلزال "كوماموتو" في اليابان عام 2016.
واستخدم الباحثون في هذه الدراسة المنشورة بدورية "نيتشر كومينيكيشن" أكثر من ألف عينة مياه ونظائر الهيدروجين والأكسجين لتتبع مصدر المياه، ووجدوا أن الكسور التي نشأت أو أعيد تنظيمها بفعل الزلزال سمحت بتحرير مياه من خزانات جبلية، مما أدى لارتفاع منسوب المياه بأحواض تقع أسفلها بنحو 11 مترا.
وفي دراسة أخرى للزلزال نفسه، سجل الباحثون انخفاضا في منسوب المياه الجوفية بلغ 4.74 أمتار في منطقة امتدت لنحو 160 كيلومترا مربعا، ورجحوا أن المياه انتقلت إلى أسفل عبر شقوق مفتوحة بعد الزلزال.
ويشدد الباحث على أن التأثير الذي تحدثت عنه تلك الدراسات يتعلق بزلازل قوية، لكن التأثير الذي أحدثته الهزة الأرضية في منطقة جبل "كوكب" يرتبط بكونها منطقة ذات تاريخ بركاني، ويخلص من ذلك إلى أن السيناريو المحتمل هو وجود مياه جوفية تتحرك في الصخور، لتمر عبر شبكة من الشقوق والفوالق، ثم تصل موجات الهزة إلى المنطقة، فتتغير الإجهادات داخل الصخور، وتتغير معها نفاذية بعض المسارات، فتبدأ المياه بالتحرك في اتجاهات مختلفة، وإذا وصلت إلى طبقات أكثر دفئا في العمق، يمكن أن تسخن، وقد يتحول جزء منها إلى بخار، ثم يصعد البخار والغازات عبر الشقوق الجديدة أو المعاد تنشيطها.
الجهات الرسمية تحقق
ومن جانبها، أشارت المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية في سوريا إلى احتمال ارتباط تصاعد الأبخرة من جبل كوكب في محافظة الحسكة بـ"حركة المياه الجوفية وتسربها عبر الشقوق والفوالق إلى أعماق الأرض".
ويعني ذلك أن الأبخرة قد لا تكون ناتجة من نشاط بركاني جديد، بل من دورة للمياه تحت الأرض. فالمياه الجوفية يمكن أن تتحرك عبر الشقوق والفوالق الموجودة في الصخور، ثم تتسرب إلى مستويات أعمق وأكثر دفئا.
وإذا ارتفعت حرارة هذه المياه بما يكفي، فقد يتحول جزء منها إلى بخار، ثم يجد طريقه إلى السطح عبر الشقوق نفسها، فيظهر على هيئة أعمدة بيضاء كما شوهد في محيط جبل كوكب.
لكن المؤسسة قالت صراحة إن هذا مجرد تفسير أولي محتمل وليس نتيجة نهائية، وإن التعامل مع الظواهر الجيولوجية يعتمد على المعاينة الميدانية والقياسات العلمية المتخصصة، وإن أي استنتاجات نهائية سيتم اعتمادها بعد استكمال الدراسة الفنية اللازمة التي يقوم بها فريق المسح والتنقيب بالمؤسسة لتحديد الأسباب والمخاطر المحتملة.
وتشمل هذه القياسات تحليل الأبخرة والغازات الصاعدة من الجبل، خصوصا نسب ثاني أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكبريت وكبريتيد الهيدروجين، لمعرفة مصدرها.
وإلى أن تظهر نتائج تلك القياسات سيظل الشيء المؤكد أن أبخرة تصاعدت في منطقة بركانية قديمة، وظهرت في توقيت لافت بعد هزة أرضية.
أما إذا أظهرت القياسات أن نفاذية الصخور تغيرت بعد الهزة، وأن المياه أو الغازات بدأت تسلك مسارات جديدة، فسيصبح للزلزال دور محتمل في القصة.