في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
قبل نحو 9 سنوات، كان بيترو مارتيني -طالب الدكتوراه آنذاك بمعهد علوم ما قبل التاريخ والآثار بجامعة بازل في سويسرا- على موعد مع اكتشاف واعد في الصحراء السورية، وهو العثور على جمل أحفوري فريد من نوعه.
وخلال دراسة نشرها في "المجلد 148" من سلسلة "إيرول"، المعنية بالدراسات والبحوث الأثرية الصادرة عن جامعة لييج البلجيكية، قدّم الباحث مبرراته التي جعلته يرجح أن تكون الحفرية التي عثر عليها في الصحراء السورية بموقع "نداوية عين عسكر" داخل "واحة الكوم" وسط سوريا، تمثل نوعا جديدا من الجمال القديمة، لكنه لم يمنح تلك الحفرية اسما جديدا، انتظارا لمزيد من الدراسات التي تُجرى عليها، والتي تحقق اشتراطات المدونة الدولية لتسمية الحيوان، وهي مجموعة من القواعد الدولية التي تنظم كيفية إنشاء الأسماء العلمية للحيوانات ونشرها، بما فيها الحيوانات الأحفورية.
وبعد عامين من نشر هذه الدراسة، خصص بيترو فصلا كاملا عن هذه الحفرية في أطروحته للدكتوراه، التي حملت عنوان "حفريات الجمال من حوض الكوم في سوريا: التنوع والتطور". وخلال الفصل الرابع من الأطروحة، منح الحفرية اسما جديدا هو "كاملوس روريس" (Camelus roris)، بعد أن قدّم وصفا تشريحيا مفصلا لها يوضح الأسباب التي تجعله يعتقد أنها نوع جديد.
وحتى تكتمل قصة هذا الاكتشاف، ويكتب العلم أن هناك نوعا جديدا من الجمال الأحفورية اكتُشف في سوريا ويحمل الاسم "كاملوس روريس"، كان يتعين على الباحث اتخاذ خطوة ثالثة، أعلن عنها في أطروحته، لكنه لم ينفذها إلى الآن.
وذكر الباحث في أطروحته أن الفصل الذي يتضمن الإعلان عن الاكتشاف الجديد، هو مشروع ورقة علمية قيد الإعداد، ستتضمن مقارنة تشريحية تفصيلية بين الجمل السوري الجديد "كاملوس روريس" والنوع "كاملوس توماسي" (Camelus thomasi) الذي يُسنَد أي حفريات للجمال يُعثر عليها في مناطق مختلفة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط إليه.
ورغم مرور 7 سنوات على إجازة أطروحة الدكتوراه، فإن بيترو لم ينفذ ما أعلنه في أطروحته، ومن ثم لم تعتمد الأدبيات العلمية الجمل السوري نوعا جديدا، لأن النشر البحثي الذي يحقق شروط المدونة الدولية لتسمية الحيوان لم يتحقق.
وكان يُفترض لتحقيق تلك الشروط أن تتضمن ورقة بيترو المنتظرة معلومات أساسية، أبرزها وصف أو تشخيص يوضح الصفات التي تميز الجمل السوري عن الأنواع الأخرى، وذكر بيانات العينات التي استند إليها في تحليله مثل موقع اكتشافها مع بيانات حفظها ومكان إيداعها وتحديد عمرها واستخدام اسم ثنائي واضح ومحدد لها.
والمعروف أن أطروحات الدكتوراه ليست كافية، حتى لو ضمَّنها الباحث هذه الشروط، إذ يُعد النشر البحثي على نطاق واسع من خلال الدوريات العلمية أمرا لا غنى عنه، لأن ذلك من شأنه أن يفتح نقاشا علميا بين المتخصصين، يفضي في النهاية إلى اتفاقهم على أنه نوع جديد أو قد يصلون إلى أن الباحث كان مبالغا في هذا الوصف.
كان أمرا غريبا أن باحثا أصبح على مقربة خطوة واحدة من اكتشاف جديد يرتبط باسمه يتخلى عن هذا الإنجاز العلمي بهذه السهولة، لذلك عندما قادنا البحث الأولي إلى أنه لم ينشر أي دراسة عن اكتشافه الجديد بعد حصوله على الدكتوراه، بل إنه لم ينشر أي دراسة عن الجمل السوري أو غيره، حاولنا التواصل معه لمعرفة الأسباب، فكان بريده الإلكتروني الرسمي الخاص بالجامعة لا يعمل، وعندما تواصلنا معه عبر صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي لم يرد.
كان الطريق الواضح أمامنا لحل هذا اللغز هو التواصل مع الباحثين الذين شاركوه أول دراسة نشرها عن تنوع حفريات الجمال في سوريا عام 2015، قبل أن يعلن في دراسته عام 2017 ترجيحه أن إحداها تمثل نوعا جديدا، فجاءنا رد سريع من أحدهم، وهو رئيس قسم علوم الأرض بمتحف بازل للتاريخ الطبيعي الدكتور لويك كوستور، لكنه كان ردا مخيبا للآمال.
قال لويك للجزيرة نت إن "بيترو مارتيني توقف عن العمل في مجال العلوم، ولم يُنشر اسم نوع الجمال كاملوس روريس رسميا. لذا، لا يُعَد هذا النوع مُعترَفا به رسميا حتى الآن".
وأضاف لويك الذي كان مشرفا على بعض جوانب أطروحة بيترو للدكتوراه "أعتقد أن المواد المكتشفة (96 عينة) تتضمن جمجمة، وأجزاء من الفك السفلي، وعظام ما بعد الجمجمة، تُبرر تصنيفه نوعا جديدا، وجميعها من منطقة نداوية عين عسكر".
وكشف أن "الباحثين الرئيسيين (ريتو ياغر وجان ماري لو تينسورير) اللذين أشرفا على رسالة الدكتوراه لبيترو، وهما من معهد علم الحفريات في بازل (المعهد الذي نقب في سوريا لسنوات عديدة) أصبحا متقاعدين، لذلك فإنه مع الأسف، لم يتابع أحد العمل على هذه المادة".
ووعد لويك بالتواصل مع ريتو ياغر لمعرفة إن كان يرغب يوما ما في نشر هذه الورقة البحثية، لكنه أضاف "أعتقد أنه لم يعد يعمل فعليا".
ورغم هذا الرد المخيب للآمال في مجمله، فإن هناك بارقة أمل وحيدة في رده، هي أن الفرصة لم تضِع لاستكمال الخطوة الأخيرة، وهي نشر ورقة بحثية تعلن رسميا عن الجمل السوري "كاملوس روريس" الذي تبرز حفرياته أنه نوع جديد، كما أوضح لويك في رسالته.
وتكشف المقارنة التشريحية التي قدمها بيترو في الفصل الرابع من أطروحته أن الجمل السوري المقترح "كاملوس روريس" لم يكن مجرد نسخة من الجمل الأحفوري "كاملوس توماسي" الذي وُصف لأول مرة عام 1893، اعتمادا على حفريات تعود إلى أواخر العصر البليستوسيني المبكر، عُثر عليها في تيغنيف بالجزائر.
وتميز "كاملوس روريس"، الذي عاش قبل نحو 450 ألف عام خلال العصر البليستوسيني الأوسط، بحجم متوسط مع جمجمة عريضة نسبيا، وشكل مميز لمحجر العين، ووجود عرف على عظم الفك العلوي، إضافة إلى تموضع خلفي للثقوب الحنكية.
كما أظهرت أسنانه العلوية نمطا مميزا، أبرز سماته كبر الضرس الأول وصغر الضرس الثالث، وهي صفات تساعد على تمييزه عن النوع "كاملوس توماسي" الذي يُسنَد أي حفريات للجمال يُعثر عليها في مناطق مختلفة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط إليه، حيث أظهرت دراسة مارتيني أن جمجمته ذات حجم عادي نسبيا مقارنة بالجمل السوري، وأن بعض البقايا الكبيرة التي نُسبت إليه سابقا لا تتوافق بالضرورة مع النوع.
وتكتسب هذه النتائج أهمية كبيرة ليس فقط لأنها قد تقود إلى إعلان نوع جديد، بل لأنها تعني أيضا أن كثيرا من التقارير السابقة عن وجود "كاملوس توماسي" في مناطق خارج المغرب العربي قد تحتاج إلى إعادة فحص ومراجعة تصنيفية.
فهل سيأتي من يوقظ اكتشاف الجمل السوري بعد سبات عميق ويمنحه اعترافا رسميا، أم سيضيع بعد أن فقد صاحبه شغف العلم؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة