بينما تستعد وكالة الفضاء الأمريكية ( ناسا) لإطلاق مهمة "دراغون فلاي" عام 2028 نحو قمر زحل تايتان، تتجدد الأنظار إلى هذا العالم الغامض الذي يُعد أكثر أجرام النظام الشمسي شبها بالأرض من حيث تضاريسه ودورة طقسه.
وستحلق المركبة النووية المجنحة بين مواقع متعددة على سطح تايتان، بحثا عن أدلة تكشف تطور الكيمياء العضوية والعمليات التي سبقت نشوء الحياة، مستندة إلى خرائط دقيقة أعدتها بعثة كاسيني-هويغنز وفريق بحثي من جامعة كورنيل.
وتعيد هذه المهمة إلى الواجهة حقيقة مدهشة؛ فتايتان هو العالم الوحيد المعروف، إلى جانب الأرض، الذي يضم أنهارا وبحيرات وبحارا تغذيها دورة مناخية متكاملة، لكن بمواد مختلفة تماما عن تلك التي نعرفها على كوكبنا.
فمنذ أن وصلت بعثة كاسيني-هويغنز إلى زحل عام 2004، بدأ العلماء يكتشفون أن أكبر أقماره، تايتان، ليس مجرد جرم جليدي بعيد، بل عالم متكامل يمتلك أنهارا وسحبا وأمطارا وبحيرات وبحارا، في مشهد يذكر بكوكب الأرض.
إلا أن المفاجأة تكمن في أن هذه الدورة الطبيعية لا تعتمد على الماء، بل على الميثان والإيثان السائلين، بينما تتكون الصخور التي تجري فوقها الأنهار من جليد الماء المتجمد بشدة حتى أصبح صلبا كالصخر.
وأعادت تقارير علمية حديثة تسليط الضوء على هذا العالم الفريد، مؤكدة أن تايتان هو الجرم الوحيد المعروف في النظام الشمسي، إلى جانب الأرض، الذي يحتفظ بسوائل مستقرة على سطحه ودورة مناخية متكاملة، ما يجعله أحد أكثر الأماكن إثارة لاهتمام علماء الكواكب والباحثين عن البيئات القابلة لفهم نشأة العوالم.
جاءت معظم المعلومات عن تايتان من بعثة كاسيني-هويغنز، وهي مشروع مشترك بين وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)، ووكالة الفضاء الأوروبية، ووكالة الفضاء الإيطالية. ونظرا لأن الغلاف الجوي البرتقالي الكثيف يحجب رؤية السطح، استخدمت المركبة كاسيني رادارا اخترق الضباب ورسم خرائط دقيقة للتضاريس طوال أكثر من 13 عاما.
وفي 14 يناير/كانون الثاني 2005، هبط المسبار الأوروبي "هويغنز" على سطح تايتان، ليصبح أول مركبة تهبط في النظام الشمسي الخارجي. وخلال هبوطه التقط صورا لشبكات متفرعة من الأودية تشبه مجاري الأنهار على الأرض، قبل أن يستقر فوق أرض تنتشر عليها حصى مستديرة من جليد الماء، بدت وكأنها صُقلت بفعل جريان السوائل عبر الزمن.
وقال علماء البعثة إن الموقع يشبه إلى حد بعيد مجرى نهر جاف، لكن السائل الذي كان يجري فيه ليس ماء، بل ميثان سائل.
مثلما يتبخر الماء على الأرض ليشكل السحب ثم يهطل مطرا ويعود إلى البحار عبر الأنهار، يحدث على تايتان نظام مشابه تماما، لكن باستخدام الميثان والإيثان السائلين.
يتبخر الميثان من البحيرات، ويتكثف في الغلاف الجوي، ثم يهطل مطرا، ليشق مجاري وأنهارا تصب في بحيرات وبحار قطبية قبل أن يتبخر من جديد، مكونا دورة هيدرولوجية بطيئة بسبب البرودة الشديدة وبعد تايتان عن الشمس.
وأظهرت قياسات مختبر الدفع النفاث التابع لناسا أن بحر "ليجيا" (Ligeia Mare) يتكون في معظمه من الميثان، بينما يحتوي بحر "كراكن" (Kraken Mare)، الأكبر حجما، على نسبة أعلى من الإيثان. كما كشفت الرادارات عن نهر "فيد فلومينا" (Vid Flumina) الذي يصب في بحر "ليجيا" تماما كما تصب الأنهار في المحيطات على الأرض.
رغم التشابه الكبير مع الأرض، فإن تايتان يختلف جذريا في طبيعته الفيزيائية. فدرجة حرارة سطحه تبلغ نحو 179 درجة مئوية تحت الصفر، وهي برودة تجعل الماء يتحول إلى صخر صلب، بينما تصبح مركبات الميثان والإيثان هي السوائل الطبيعية.
أما الكثبان الرملية الممتدة قرب خط الاستواء فلا تتكون من السيليكا كما في صحارى الأرض، بل من حبيبات عضوية غنية بالكربون تشكلت من تفاعلات كيميائية في الغلاف الجوي.
ويؤكد العلماء أن الغلاف الجوي لتايتان يتكون أساسا من النيتروجين مثل الأرض، لكنه أكثر كثافة بكثير، في حين تبلغ جاذبيته نحو سُبع جاذبية الأرض، ما يجعل قطرات المطر أكبر حجما وأكثر بطئا أثناء سقوطها.
وقال عالم الكواكب الراحل كارل ساغان: "إذا كان هناك مكان في النظام الشمسي يذكرنا بالأرض القديمة، فهو تايتان". وقد استند هذا الوصف إلى ثراء القمر بالكيمياء العضوية التي قد تساعد العلماء على فهم المراحل الأولى لتطور الكواكب والحياة.
لن تبقى أسرار تايتان طويلا دون استكشاف مباشر، إذ تعمل وكالة ناسا حاليا على تطوير مهمة "دراغون فلاي"، وهي مركبة نووية مجنحة تشبه الطائرة المسيرة، بحجم سيارة صغيرة، ستتنقل بين مواقع متعددة على سطح القمر لتحليل تربته وقياس مكوناته الكيميائية والبحث عن أدلة على العمليات التي سبقت نشوء الحياة.
ومن المقرر أن تنطلق المهمة عام 2028، لتصل إلى تايتان في منتصف ثلاثينيات هذا القرن، مستفيدة من الخرائط الدقيقة التي أعدتها كاسيني وفريق من الباحثين بقيادة جامعة كورنيل، الذين نشروا أحدث الخرائط الشاملة لشبكات الأنهار الميثانية، بهدف تسهيل اختيار مواقع الهبوط والاستكشاف.
ويؤكد هذا المشروع أن تايتان لم يعد مجرد جرم بعيد يدور حول زحل، بل أصبح أحد أبرز المختبرات الطبيعية التي قد تساعد العلماء على فهم تطور الكواكب وإمكانات الكيمياء العضوية خارج الأرض.
إن استكشاف تايتان يذكرنا بأن الطبيعة قادرة على إعادة إنتاج المشاهد نفسها بمواد مختلفة تماما، وأن البحث العلمي لا يكشف لنا فقط أماكن جديدة، بل يغير أيضا فهمنا لما هو ممكن في هذا الكون الواسع.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة