آخر الأخبار

أنفاس وحش أم معمل سري؟ قصة نيران "كيميرا" التركية المشتعلة منذ 2000 عام

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

على قمة جبل في جنوب غرب تركيا، تتوهج ألسنة اللهب باستمرار من الشقوق والتصدعات المنتشرة في المنحدرات الصخرية، عبر مساحة تقارب 5 آلاف متر مربع، في واحدة من أكثر الظواهر الجيولوجية إثارة للدهشة في العالم.

يعرف هذا الموقع باسم جبل كيميرا أو يانارتاش، وهي كلمة تركية تعني "الصخرة المشتعلة"، وتشير إلى انبعاث عشرات النيران الطبيعية الصغيرة مباشرة من سفح الجبل، مكونة مشهدا غامضا وفريدا يزداد سحرا وإثارة بعد حلول الظلام.

وعلى خلاف معظم الحرائق المعروفة، لا تتغذى هذه النيران على الخشب أو بفعل تدخل بشري، ولا تحتاج كذلك إلى أي مصدر وقود على سطح الأرض، وقد ظلت مشتعلة بشكل متواصل لأكثر من ألفي عام.

ومنذ ذلك الحين، أثارت هذه الظاهرة دهشة الشعوب القديمة، وألهمت العديد من الأساطير والحكايات التي حاولت تفسير سر هذا اللهب الأبدي، بينما يواصل العلماء منذ عقود استكشاف الآليات الجيولوجية التي تسمح باستمرار اشتعال هذه النيران طوال هذه المدة.

مصدر الصورة الألسنة الملتهبة في كيميرا تتغذى على غاز الميثان المتسرب طبيعيا من القشرة الأرضية (وليام نيوسيل)

نقطة التقاء الجيولوجيا والآثار والأساطير

تقع صخور يانارتاش المشتعلة – الاسم الحديث لما يُعتقد أنه جبل كيميرا القديم الوارد في الأساطير اليونانية – ضمن حدود متنزه أوليمبوس بيداغلاري الوطني على ساحل البحر المتوسط غرب ولاية أنطاليا التركية، وهي منطقة متوسطية آسرة تمتزج فيها الطبيعة الخلابة بأصداء الأساطير القديمة حتى يبدو الماضي أقرب إلى الواقع.

وتعود شهرة الجبل المرتبطة بالنيران إلى العصور الكلاسيكية القديمة. فقد وصف كتّاب الإغريق والرومان وجود شعلة أبدية تشتعل في هذه المنطقة. أما التوثيق الأكثر دقة من الناحية الوصفية، فقد ورد لدى الكاتب والعالم الروماني بليني الأكبر، الذي أشار في كتابه "التاريخ الطبيعي" إلى أن النار لم تكن تنطفئ مطلقا.

إعلان

ورغم أن الكاتب الإغريقي القديم باليفاتوس حاول تفنيد كثير من الأساطير الإغريقية، مثل الخيول المجنحة البيضاء والمينوتور ذي رأس الثور وحصان طروادة والآلهة المنتقمة، فإنه عندما تناول الحكايات الغريبة المرتبطة بمنطقة أوليمبوس في تركيا الحالية، لم يجد بدا من الإقرار بأن جانبا منها كان حقيقيا بالفعل.

ووصف باليفاتوس في مؤلفه "عن الأشياء المدهشة" وجود "فتحة عظيمة في الأرض تخرج منها النار"، مشيرا إلى أن الجبل يُسمى "كيميرا". وبعد قرون طويلة، لا يزال هذا الوصف ينطبق بدقة على المكان الواقع بالفعل قرب قرية تشِرالي في ولاية أنطاليا على الساحل المتوسطي لتركيا، حيث تستمر النيران في التصاعد من فتحات في الأرض دون انقطاع، كما كانت في العصور القديمة.

ويشير عالم جيولوجيا وجيوكيمياء الغازات الطبيعية، ومدير أبحاث في المعهد الوطني الإيطالي للجيوفيزياء والبراكين، جوزيبي إيتيوبي إلى أن الصلة بين كيميرا والأساطير القديمة تبدو قوية، إذ يذكر الشاعر الإغريقي هوميروس في ملحمته "الإلياذة" الكيميرا بوصفها مخلوقا أسطوريا أنثويا نافثا للنار، يجمع بين صفات الماعز والأفعى والأسد، وقد أرهب هذا الكائن مملكة ليسيا القديمة حتى قُتل في هذا الموقع على يد البطل بيليروفون المشهور بامتطاء الحصان المجنح بيغاسوس. ويرجح أن هذه الأسطورة اُستلهمت من النيران الطبيعية المتصاعدة من الأرض في هذا الموقع.

ويضيف في حديثه للجزيرة نت أنه "في العصر الحديث، قدم الرحالتان البريطانيان توماس سبرات وإدوارد فوربس وصفا تفصيليا للموقع أثناء زيارتهما عام 1842، مشيرين إلى نفاثات غازية مشتعلة دائمة الاشتعال تنبعث من شقوق صخرية في جوانب تجويف يشبه الفوهة، بعمق 5 أو 6 أقدام، وإلى استخدام السكان المحليين لها في الطهي وإعداد القهوة".

بالإضافة إلى هذه الأساطير المليئة بالقصص العجيبة، يعد جبل كيميرا موقعا أثريا وثقافيا بارزا يضم بقايا مدينة أوليمبوس القديمة.

وبالقرب من نيران يانارتاش الأبدية، عُثر على أطلال معبد مكرس لهيفايستوس، إله النار وصناعة المعادن في الميثولوجيا اليونانية، وهو ما يعزز الصلة بين الظاهرة الطبيعية الفريدة والتراث الأسطوري والتاريخي للموقع.

وفي حين تساعد هذه المنشآت على فهم الخلفية الأسطورية والثقافية التي ارتبطت بها المنطقة عبر القرون، يشير جوزيبي إلى أن الروايات التاريخية تسهم في إثبات أن الظاهرة ليست حديثة العهد، بل استمرت عبر قرون طويلة دون انقطاع، وهو ما يدعم الفرضية الجيولوجية القائلة بوجود خزان غازي مضغوط يغذي هذه الانبعاثات باستمرار.

من الأسطورة إلى التفسير العلمي

لطالما ربطت الأساطير المحلية النيران في هذا المكان الاستثنائي بأنفاس وحش "الكيميرا" الخرافي. أما اليوم، فقد أصبح العلماء يدركون أن هذه الألسنة الملتهبة تتغذى على أنواع غير مألوفة من غاز الميثان المتسرب طبيعيا عبر الشقوق الموجودة في صخور القشرة الأرضية.

وعلى عكس غاز الميثان المرتبط بالوقود الأحفوري، والذي يتكون من المواد العضوية عبر الزمن، فإن جزءا من الميثان المنبعث من أعماق باطن الأرض في كيميرا يتشكل نتيجة تفاعلات كيميائية تحدث في أعماق القشرة الأرضية.

إعلان

ويُعرف هذا النوع من الغاز باسم " الميثان اللاأحيائي"، لأنه لا ينتج عن تحلل الكائنات الحية (النباتات أو الطحالب أو الحيوانات القديمة) أو بقاياها المدفونة في الصخور الرسوبية، كما هو الحال في الميثان الحيوي. وبدلا من ذلك، ينشأ هذا الغاز من تفاعلات بين الماء وأنواع من الصخور في أعماق قد تمتد إلى عدة كيلومترات تحت سطح الأرض.

ويوضح جوزيبي أن "استمرار هذه الظاهرة لفترات زمنية طويلة يرجح إلى التدفق المتواصل للغاز من خزان طبيعي مضغوط يقع في باطن الأرض، تشكل أولا داخل الصخور المصدرية، ثم تراكم لاحقا في صخور خازنة ذات نفاذية عالية، بطريقة مشابهة لما يحدث في أنظمة النفط والغاز التقليدية".

ويضيف أن "ضغط هذا الخزان هو العامل الأساسي الذي يفسر استمرار تسرب الغاز إلى السطح، إذ يمكن تشبيه العملية بتسرب غاز من أسطوانة مضغوطة، فطالما ظل الخزان محتفظا بضغطه، استمر تدفق الغاز، وبالتالي استمرت النيران في الاشتعال".

آليات تكوين معقدة

تشير سلسلة من الدراسات التي أجراها باحثون ضمن مشروع دولي يُعرف باسم "مرصد الكربون العميق" إلى أن هذه الأنواع غير المعتادة من الميثان أكثر انتشارا على كوكب الأرض مما كان يُعتقد سابقا، وأنها جزء من دورة كربونية أعمق وأكثر انتشارا في باطن الأرض.

وعلى مدار العقد الماضي، تمكن الباحثون من رصد مئات مكامن الغازات في أكثر من 20 دولة، إضافة إلى مواقع عدة في أعماق البحار، تتشابه في خصائصها مع نيران كيميرا.

ويقول جوزيبي إن "موقع كيميرا ليس فريدا تماما على مستوى العالم، إذ توجد تسربات غازية مشتعلة مشابهة، وإن كانت أصغر حجما وأقل شهرة، أبرزها في أوفيوليت قزل داغ في شرق تركيا، وفي موقع تانجونغ آبي في جزيرة سولاويسي الإندونيسية.

ومع ذلك، يظل كيميرا من أبرز المواقع الطبيعية على سطح الأرض قابلية لانبعاثات الميثان القابلة للاشتعال، بفضل غزارة انبعاثاته واستمرارية الاشتعال عبر فترة زمنية طويلة، فضلا عن ارتباطه الوثيق بتاريخ المنطقة وأساطيرها القديمة.

وخلال سنوات من العمل الميداني، جمع الباحثون عينات من الغازات المنبعثة في مئات المواقع المختلفة، وحددوا مصادر الميثان بدقة، وحللوها باستخدام أدوات وتقنيات متقدمة مكنتهم من تحديد مصادر الميثان بدقة.

ومن خلال هذه الدراسات، توصلوا إلى ما يشبه "الوصفة الأساسية" لتكون الميثان اللاأحيائي المغذي لهذه النيران: الهيدروجين المستخلص من الماء، والكربون غير العضوي الموجود في المعادن أو الغازات، بالإضافة إلى معدن غني بالفلزات يعمل كمحفز للتفاعل. وعند اجتماع هذه المكونات في الظروف المناسبة، يتكون غاز الميثان بصورة طبيعية دون أي مساهمة بيولوجية.

ويوضح جوزيبي، أحد أعضاء الفريق العلمي الذي ساهم في كشف آلية تشكل نيران كيميرا عام 2014، أن الهيدروجين في هذا الموقع يتولد غالبا عبر عملية جيولوجية تُعرف باسم السربنتنة، وهي تفاعل كيميائي يحدث بين صخور البريدوتيت الغنية بمعدن الأوليفين والمياه المتسربة إلى هذه الصخور.

أما الميثان، فيُرجح – كما يقول – أنه تكون داخل صخور غنية بالمعادن الفلزية، مثل الكروميتيت، من خلال تفاعل ساباتييه المحفز، الذي يجمع الهيدروجين مع ثاني أكسيد الكربون في ظروف من الضغط ودرجات الحرارة المرتفعة وبوجود محفز يساعد على إنتاج الميثان، الذي يصعد من باطن الأرض إلى السطح عبر الشقوق الصخرية، حيث يشتعل فور ملامسته للأكسجين الموجود في الهواء.

دلالات جيولوجية وأسئلة مفتوحة

بفضل الأدوات الحديثة المصممة لدراسة أعماق الأرض، أصبح العلماء قادرين على التمييز بين الميثان الناتج عن نشاط الكائنات الحية والميثان المتولد من تفاعلات جيولوجية بحتة.

ولا تقتصر أهمية هذا الأمر على فهم الأنظمة والعمليات الجيولوجية العميقة، بل تمتد إلى الكشف عن أسرار نشأة الحياة على الأرض، ودراسة إمكانية وجودها في أماكن أخرى من النظام الشمسي، مثل باطن كوكب المريخ أو المحيطات الكامنة تحت القشرة الجليدية لقمر إنسيلادوس التابع لكوكب زحل.

إعلان

وتشير أوجه التشابه بين الطرق التي تنتج بها الكائنات الدقيقة الميثان والطرق الجيولوجية غير الحيوية إلى احتمال أن تكون الحياة الأولى قد استلهمت أو حاكت عمليات طبيعية كانت تحدث داخل الأرض منذ زمن سحيق.

ويؤكد جوزيبي أن "الميثان اللاأحيائي يحظى بأهمية علمية خاصة، لأنه قد يكون أحد المقدمات الكيميائية التي أسهمت في نشأة الحياة المبكرة على الأرض، كما يمكن أن يتشكل على كواكب أخرى مثل المريخ، ما يجعله محورا مهما في أبحاث علوم الكواكب وأصل الحياة وإمكانية وجودها خارج الأرض".

ويضيف أن "الهيدروجين المصاحب لهذه الظاهرة يُنظر إليه اليوم بوصفه مصدرا محتملا للطاقة منخفضة الأثر المناخي، إذ إن احتراقه لا يؤدي إلى إطلاق الكربون أو ثاني أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي، الأمر الذي يثير تساؤلات حول إمكانية وجود خزانات طبيعية للهيدروجين في كيميرا يمكن الاستفادة منها مستقبلا كمورد للطاقة".

ويأمل الباحثون في المستقبل في تحديد طبيعة الخزان الغازي الذي يغذي نيران كيميرا بصورة أدق، بما يشمل تحديد موقعه وحجمه وعمقه ونوع الصخور التي يحتويها ومستوى الضغط السائد داخله، فضلا عن تقدير كميات الميثان اللاأحيائي الفعلية الموجودة في باطن الأرض وآليات تراكمها.

للكشف عن هذه الجوانب، يقول جوزيبي إنه "ستكون هناك حاجة إلى دراسات جيوفيزيائية متقدمة تستخدم تقنيات المسح الزلزالي والقياسات الجاذبية والمغناطيسية، وهي الأدوات نفسها المستخدمة في استكشاف النفط والغاز، إذ يمكن أن تساعد تحديد موقع الخزان الغازي المغذي للنيران، ورسم صورة أكثر وضوحا للبنية الجيولوجية العميقة المسؤولة عن هذه الظاهرة الفريدة".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار