في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
كشفت دراسة حديثة عن أدلة جديدة تسلط الضوء على طبيعة حياة البشر قبل نحو 100 ألف عام في شرق أفريقيا، من خلال تحليل موقع أثري غني في منطقة عفار بإثيوبيا، وهي واحدة من أهم المناطق في العالم لفهم أصول البشر.
اعتمدت الدراسة المنشورة يوم 13 أبريل/نيسان في مجلة "بروسيدنجس أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينسز" (PNAS) على آلاف الأدوات الحجرية وبقايا عظام بشرية وحيوانية عُثر عليها في موقع يعرف باسم "هاليبي" داخل وادي أواش. ويعد هذا الوادي من أشهر المناطق التي كشفت عن أدلة مبكرة على تاريخ البشرية السحيق، ما يجعل أي اكتشاف فيه ذا أهمية خاصة.
لفترة طويلة، كان يعتقد أن الإنسان في مراحله المبكرة عاش أساسا في بيئات مفتوحة وجافة، مثل السافانا. لكن هذه الدراسة تقدم صورة مختلفة وأكثر تعقيدا. إذ تشير الأدلة إلى أن البشر عاشوا في بيئة تجمع بين عناصر متعددة: مناطق عشبية مفتوحة، إلى جانب غابات تنمو قرب الأنهار، مع وجود فيضانات موسمية كانت تغير شكل المكان من وقت لآخر.
يوضح المؤلف الرئيسي للدراسة، يوناس بيني، خبير علم الآثار في المركز الفرنسي للدراسات الإثيوبية، في تصريحات للجزيرة نت، أن الطبقات التي حفظت هذه الآثار تشكلت بفعل فيضانات نهر أواش القديم، ما ساعد على دفن الأدوات والعظام والحفاظ عليها عبر آلاف السنين.
"هذا النوع من البيئات المختلطة كان يوفر مزايا مهمة: مياه للشرب، وظل من الأشجار، ومواد خام لصناعة الأدوات. بمعنى آخر، لم يكن الإنسان يعيش في بيئة واحدة ثابتة، بل في مساحة غنية ومتغيرة توفر له خيارات متعددة للبقاء"، يقول بيني.
عثر الباحثون في الموقع على أكثر من 3 آلاف أداة حجرية، إضافة إلى بقايا 3 هياكل بشرية جزئية تعود إلى الإنسان العاقل المبكر. لكن المميز في هذه الاكتشافات -حسب الباحث- أنها وجدت في أماكنها الأصلية تقريبا، دون أن تنقل أو تختلط بشكل كبير بفعل الرياح أو المياه، وهو أمر نادر في المواقع المفتوحة.
وتظهر هذه الأدوات أن البشر كانوا يصنعون أدواتهم من صخور بركانية متوفرة في المنطقة نفسها، ما يعني أنهم اعتمدوا على الموارد المحلية بدلا من نقل المواد من مسافات بعيدة. لكن في الوقت نفسه، تشير طريقة توزيع الأدوات وبقايا الحيوانات إلى أن الموقع لم يكن مستوطنة دائمة، بل مكانا كان يستخدم لفترات قصيرة، ثم يترك، ثم يعود إليه البشر مرة أخرى لاحقا. وقد يكون ذلك مرتبطا بمواسم معينة، مثل فترات توفر المياه بعد الفيضانات.
يعتقد الباحث أن هذا النمط -استخدام الموقع بشكل متكرر ولكن غير دائم- يعكس أسلوب حياة يعتمد على التنقل، حيث يتحرك الإنسان بحثا عن الموارد، ويستقر مؤقتا في الأماكن التي تتوفر فيها الظروف المناسبة.
من بين النتائج الملفتة أيضا، العثور على آثار احتراق في التربة، مثل جذوع أشجار متفحمة وبقع من الأرض المحروقة؛ وقد يبدو هذا دليلا على استخدام الإنسان للنار، لكن الباحثين كانوا حذرين في تفسيرهم.
فحتى الآن، لا يوجد دليل قاطع على أن البشر هم من أشعلوا هذه النيران؛ إذ يمكن أن تكون نتيجة حرائق طبيعية، مثل الصواعق أو اشتعال النباتات في فترات الجفاف. كما أن وجود الأدوات الحجرية بالقرب من هذه الآثار لا يكفي وحده لإثبات أن النار كانت جزءا من النشاط البشري في الموقع.
كما عثر على آلاف البقايا الحيوانية، تعود لأنواع مختلفة من الثدييات والطيور والزواحف، ما يشير إلى بيئة غنية ومتنوعة. لكن المفاجأة أن الباحثين لم يجدوا علامات واضحة على أن البشر اصطادوا هذه الحيوانات أو قطّعوها، مثل آثار الأدوات على العظام. وهذا يعني أن وجود هذه الحيوانات في الموقع لا يدل بالضرورة على نشاط بشري مباشر، بل قد يكون نتيجة عمليات طبيعية أو نشاط حيوانات مفترسة أخرى.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة