في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تسببت الحرب الدائرة حاليا في وجود عدد كبير من السفن العالقة في الخليج العربي، غير أن هذه ليست المشكلة الوحيدة التي تواجهها السفن، فحتى إن سمح لها بالحركة، فقد تكون على موعد مع مشكلة مزدوجة من التشويش والخداع، التي ربما تتسبب في ضياعها أو تعرضها لأحداث خطيرة.
وعمليات التشويش لأجهزة الملاحة عبر الأقمار الصناعية ليست بالأمر الجديد، لكن الجديد الذي رصدته الدراسة المنشورة بدورية "أدفانسز إن سبيس ريسيرش" (Advances in Space Research) هو ممارسة ما يمكن تسميته بـ"الخداع الإلكتروني"، بإرسال إشارات مزيفة عبر الطيف الكهرومغناطيسي بديلا للإشارات الحقيقية، مما قد يدفع السفن للاتجاه إلى مسارات خاطئة قد تؤدي إلى مخاطر حوادث الاصطدام، الانحراف عن مسارات الملاحة، أو التأخير في الشحن البحري.
وتنفذ عمليات التشويش بالأساس في سياق عسكري، سواء لحماية مناطق استراتيجية أو لتعطيل أنظمة العدو أثناء الصراعات، ويكون ذلك عبر التأثير على أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية جي إن إس إس، وهي شبكات من الأقمار الصناعية التي تعتمد عليها السفن الحربية والطائرات والمعدات التكتيكية، حيث توفر معلومات دقيقة لتحديد الموقع والملاحة والتوقيت لأي جهاز استقبال على الأرض أو البحر، أو الجو، ومن بينها أنظمة "جي بي إس" الأمريكي، "غلوناس" الروسي، "غاليليو" الأوروبي، و"بايدو" الصيني.
لكن بسبب الطبيعة اللاسلكية للإشارات، فإن تأثير هذه العمليات لا يقتصر على الأهداف العسكرية فقط، بل يمكن أن يصل إلى نطاق واسع يطال السفن التجارية والمدنية في المنطقة نفسها، ولذلك فإن أي سفينة مدنية تستخدم أنظمة جي إن إس إس لتحديد موقعها وإدارة الملاحة قد تواجه تلك المشكلة.
وخلال الدراسة رصد الباحثون من كلية علوم وتكنولوجيا الاستكشاف الجيولوجي بجامعة جيلين الصينية، تعرض السفن التجارية خلال الحرب السابقة التي اندلعت في أغسطس/آب عام 2025 مشكلة مزدوجة، تمثلت في العمل المشترك بين التشويش والخداع، حيث يقطع التشويش الإشارة الحقيقية، ثم تقوم تقنيات الخداع بإرسال إشارات مزيفة بدلا منها، وتكون النتيجة أن أجهزة تحديد المواقع بالسفن، لا تفقد فقط الإشارة، لكن أيضا يتم خداعها كي تتجه بكل ثقة إلى مواقع خاطئة.
وتشير تقارير حديثة إلى أن نفس المشكلة ظهرت بقوة في الحرب الحالية، حيث تم رصد بعض السفن وقد سلكت مسارات متعرجة أحيانًا وتغير اتجاهاتها بشكل حاد، ما يشير إلى تأثير التشويش والخداع على نظم الملاحة.
ولفهم كيف تتم عملية التشويش والخداع، يجب بداية معرفة كيف تعمل أنظمة تحديد المواقع، ويقول الأكاديمي المصري في اليابان، المتخصص في هندسة الفضاء الكتور محمد سيد علي حسن، إن كل قمر صناعي يرسل إشارات راديوية ضعيفة تحتوي على الوقت الحالي بدقة عالية وموقع القمر الصناعي في مداره، ويلتقط جهاز الاستقبال إشارات عدة أقمار في نفس الوقت، ويحسب موقعه على الأرض استنادا إلى فرق وصول الإشارات.
ويوضح أن عملية التشويش تتم عن طريق إغراق جهاز الاستقبال بضوضاء قوية على نفس تردد الأقمار الصناعية، ويتم ذلك عمليا باستخدام جهاز إرسال أرضي أو على سفينة أو على طائرة، حيث يرسل موجات راديوية قوية جدا، تقريبا بنفس تردد القمر الصناعي، فتختفي الإشارة الأصلية وسط الضوضاء، ولا يستطيع الجهاز تمييز إشارة القمر الصناعي، وهو ما يمكن تشبيهه بمحاولة سماع شخص يهمس، بينما يوجد بجانبك مكبر صوت ضخم.
أما عملية الخداع، فيقوم المهاجم خلالها بتوليد إشارات تشبه إشارات الأقمار الصناعية، ويرسلها على نفس التردد، والنتيجة أن الجهاز "يصدق" الإشارة، ويحسب موقعا خاطئا بثقة كاملة، كما يشير محمد.
وتتضمن هذه الإشارة المزيفة "بناء واقع فضائي كامل" يتضمن تلاعبا ببيانات مدارات الأقمار بحيث تبدو مواقعها مختلفة عن الحقيقة، بالتوازي مع تغيير المسافة المحسوبة عبر تعديل توقيت الإشارة، ما يؤدي إلى انحراف موقع المستخدم.
ولا يتوقف الأمر عند ذلك، بل يمتد إلى طور الموجة الحامل الذي ينحرف بشكل غير طبيعي، مؤثرا على القياسات الدقيقة، إضافة إلى ضبط "تأثير دوبلر" ليظهر بصورة متناسقة ومثالية بشكل مريب، وكأن جميع الأقمار تتحرك بالنمط نفسه.
وللوصول إلى هذه الحقيقة، جمع الباحثون بيانات حقيقية من سفن تعمل في الخليج، تستخدم أجهزة استقبال دقيقة تسجل الإشارات كل ثانية، ولم يكتفوا بما تراه السفن، بل قارنوا هذه البيانات مع تلك التي يتيحها نظام معلومات بيانات ديناميكيات القشرة الأرضية "سي دي دي آي إس"، وهو "بنك بيانات عالمي" يجمع معلومات دقيقة من الأقمار الصناعية والأرض لمساعدة العلماء على فهم كوكبنا بشكل أفضل.
واكتشف العلماء أن بيانات مدارات الأقمار التي تستقبلها الأجهزة لا تتطابق مع البيانات الحقيقية، أي أن الأقمار كانت "تخبر" السفن بأنها في أماكن لا يمكن أن تكون فيها فعليا، وهنا أدرك الباحثون أن هناك من يعبث بالإشارات.
ولم يتوقف التحليل عند هذا الحد، بل فكك الباحثون الإشارة نفسها إلى مكوناتها الأساسية، وهي المسافة وطور الموجة وتأثير دوبلر وجودة الإشارة، لمعرفة هل المسافات منطقية؟ وهل التغيرات في طور الموجة سلسة أم تقفز فجأة؟ وهل حركة الأقمار تبدو طبيعية؟ وهل الإشارة ضعيفة أم "نظيفة أكثر من اللازم"؟ ومع كل اختبار، كانت تظهر تناقضات جديدة تؤكد أن ما يُستقبل ليس إشارة طبيعية.
وتكررت المشكلة نفسها بشكل أكبر في الحرب الحالية، إذ أظهرت بيانات الملاحة مشاهد غير منطقية، حيث بدت ناقلات نفط وسفن شحن وكأنها تتحرك فوق اليابسة أو تدور في دوائر وهمية، نتيجة بث إشارات ملاحية مزيفة تربك أنظمة تحديد المواقع، كما يقول الدكتور محمد صالح، رئيس معمل تحركات القشرة الأرضية بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية المصري للجزيرة نت.
ويوضح محم أن هذا الارتباك لا يمنع الربابنة من تحديد مواقعهم فحسب، بل يخلق فوضى على شاشات الملاحة، حيث تعجز السفن عن معرفة مواقع بعضها البعض، ما يرفع مخاطر التصادم في ممر ضيق مثل مضيق هرمز تعبره يوميا عشرات السفن العملاقة.
وينادي البعض بالعودة إلى أساليب الملاحة التقليدية كحل مؤقت للمشكلة، مثل "الملاحة الفلكية"، وتعتمد على مراقبة مواقع الشمس والنجوم والقمر باستخدام أداة تسمى "السدس"، ثم حساب الموقع بدقة عبر الجداول الفلكية، وكانت هذه الطريقة الأساسية للملاحة البحرية لقرون طويلة، أو "الخرائط الورقية"، وتعتمد على استخدام خرائط بحرية تقليدية مع أدوات رسم لتحديد الموقع والمسار.
وتتضمن أيضا الطرق التقليدية "الملاحة بالرادار المستقل"، وهي طريقة تستخدم الرادار لرصد الأجسام والسواحل دون الاعتماد على أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية "جي إن إس إس" مع تحليل الحركة والمسافات، وأخيرا "الملاحة البصرية"، وتعتمد على رؤية المعالم الطبيعية أو الصناعية مثل السواحل، المنارات، والموانئ، ومقارنتها بالخرائط.
ولا يوجد عمليا ما يمنع استخدام تلك الأنظمة، رغم أنها ستؤثر على سرعة الحركة، لكن د. صالح يؤكد أن المشكلة في وقت الحروب والأزمات، هو أن السفن حتى لو لم يتم التشويش على أنظمة الملاحة بها وسارت في مساراتها بشكل طبيعي باستخدام أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية "جي إن إس إس"، فإنها يمكن أن تكون هدفا لأي عدوان عسكري، لذلك فإن الحل هو وقف الحرب، حتى لا يكون هناك أي مبرر لاستخدام التشويش والخداع.
ويحظر القانون الدولي التشويش الضار على إشارات الملاحة، لكنه يمنح الدول هامشا لاستخدام هذه الوسائل لأغراض عسكرية، وهو ما قد يضر على المدى الطويل بحركة النقل العالمية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة