في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تشتهر الببغاوات بكونها طيورا كثيرة الثرثرة، فهي تتحاور مع بعضها، ومع طيور أخرى، بل وحتى مع مرافقيها من البشر. ولا يكتفي بعضها بتقليد الكلام البشري بدقة لافتة بل تفهم ما تنطق به وتستخدمه في سياقه الصحيح المناسب، وتمتلك ما يشبه لهجات جغرافية مميزة تمتد عبر عقود، قد تتأثر بالتغير المناخي وفقدان الموائل الطبيعية.
لهذه الأسباب، تعد هذه الطيور الشهيرة نموذجًا مثاليًا لدراسة التواصل الصوتي المعقد، فهي تعيش ضمن بنية اجتماعية مركَّبة على نحو يشبه البشر، كما أنها تواصل تعلم اللغة طوال حياتها، لكن العلماء لا يزالون يعرفون القليل عن كيفية استخدام قدراتها الصوتية في البرية.
لذلك، تحاول أستاذة علم الأحياء في جامعة بيتسبرغ جونستاون بالولايات المتحدة كريستين داهلين منذ سنوات، سد هذه الفجوة المعرفية، وتسعى لفهم كيف تتواصل هذه الطيور في الطبيعة، وما تقوله لبعضها البعض وكيف تقوله، مدفوعة بالاهتمام بالقدرات المعرفية للببغاوات منذ زمن طويل.
وفي دراسة جديدة نُشرت مؤخرًا في "جورنال أوف أفيان بيولوجي" (Journal of Avian Biology)، استخدمت داهلين نوعًا من الببغاوات ذات الريش الأخضر المصفر، يعرف بببغاوات الأمازون ذات القفا الأصفر، كنموذج لدراسة الإشارات الصوتية المعقدة لدى الببغاوات في البرية.
تقول داهلين: "في البرية، تعد هذه الببغاوات طيورًا اجتماعية للغاية وكثيرة الثرثرة. ويتغير سلوكها الاجتماعي على مدار العام، وعندما لا يكون موسم التكاثر، تتجمع كل مساء في أعشاش جماعية يصاحبها قدر كبير من الأصوات والتواصل. أما خلال موسم التكاثر، فإنها تدافع عن مناطق تعشيش صغيرة، وفي هذه المرحلة يحدث معظم الغناء الثنائي".
ثنائيات صوتية معقدة
كانت داهلين قد درست سابقا نوعا من الثنائيات الصوتية يُعرف بـ"الثنائية القياسية"، ويتكون من أربع نغمات فقط، وتبين أن هذا النمط يخضع لقواعد تركيبية (نحوية) وتنظيمية، غير أن هناك نوعًا آخر أكثر تعقيدًا يُعرف بـ"الثنائية المتماوجة"، ويعتمد على مخزون أكبر بكثير من النغمات.
ويطلق كلا النمطين أساسًا في مناطق التعشيش، حيث تتبادل الأزواج المتجاورة ما يمكن وصفه بـ"الثنائيات المتضادة"، على نحو يشبه تبادل الغناء بين الطيور المغردة.
وتُستخدم الثنائيات القياسية بوتيرة أعلى من المتماوجة، كما تختلف سياقات استعمالهما، إذ يكثر إطلاق الثنائيات المتماوجة عند التنازع على الأراضي، فتبدو الأصوات غاضبة كأن الطيور تتواجه وجهًا لوجه، في إشارة واضحة إلى تغيّر السياق.
وحتى في تجارب تشغيل التسجيلات الصوتية، كان اللجوء إلى هذه الأصوات الأكثر تعقيدًا أعلى قليلاً. وحسب ما تقول داهلين في تصريحات للجزيرة نت، فإن هذا السلوك يساعدها في الدفاع عن مواقعها والحفاظ عليها.
ويلاحظ المستمع العادي اختلافًا واضحًا بين النمطين، إذ تتسم الثنائيات المتماوجة بتنوع أكبر في النغمات وإيقاع أسرع. كما أن المشاحنات الجسدية القليلة التي رصدتها داهلين بين الأزواج في البرية سبقتها جميعًا ثنائيات متماوجة.
أثار هذا تساؤلاً لدى داهلين حول ما إذا كانت هذه الثنائيات الأكثر تعقيدًا تخضع هي الأخرى لقواعد تركيبية مشابهة لتلك التي تحكم الثنائيات القياسية.
في خطوة أولى نحو الإجابة عن هذا السؤال، دمجت داهلين وفريقها بين الرصد الميداني، والتصنيف اليدوي للأصوات، وتطبيقات تعلم الآلة، للبدء في تحليل الثنائيات المتماوجة التي تؤديها الأزواج المتكاثرة من هذا النوع المهدد بخطر الانقراض الشديد.
تقول داهلين: "بدأت العملية بتحديد مناطق تكاثر الببغاوات في كوستاريكا. وخلال النهار تكون هذه الطيور منشغلة بالبحث عن الطعام بهدوء، لذا كان علينا حصر عمليات البحث في ساعات الصباح الباكر وأواخر المساء، والاستماع إلى أصواتها الثنائية للعثور على مواقع محتملة".
وتضيف "بمجرد تحديدها، كنت أسجل سلوكها المسائي باستخدام ميكروفونات موجهة وكاميرات فيديو، وتطلب ذلك مراقبة وتسجيل سلوك الببغاوات بصبر في مناطقها على مدار ثلاثة مواسم تكاثر، قبل إخضاعها لاحقًا لتحليل قائم على تقنيات تعلم الآلة".
وقد جمع الفريق كما هائلا من البيانات الصوتية استغرق تحليلها أكثر من عشر سنوات. وفي نهاية المطاف، تبين أنه من بين مئات الثنائيات المسجلة، كانت نحو 50 منها ثنائيات متماوجة صادرة عن 13 زوجًا من الببغاوات، واحتوت مجتمعة على أكثر من 450 نداء، يتداخل معظمها بحيث يبدو وكأن طائرا واحدًا فقط هو الذي يغني.
للكشف عن القواعد التركيبية المحتملة التي تنظم هذا المخزون الأكبر من النداءات، استخدم الفريق برنامج تحليل نصوص مفتوح المصدر يُدعى "فويانت توولز".
كان على داهلين وفريقها أولاً تصنيف الثنائيات إلى فئات منفصلة من النداءات، ثم تحويلها إلى صيغة نصية ليتمكن البرنامج من تحليلها. وأُدخلت كل ثنائية على أنها جملة مستقلة، ليتمكن البرنامج من إجراء التحليل كما لو كان يتعامل مع نص مكتوب.
تقول داهلين: "مكننا هذا من تحديد ما إذا كانت الأصوات صادرة عن ذكور أم إناث، وفي النهاية تصنيف الأصوات إلى أنواع مميزة، مما أدى إلى إنشاء معجم (يشبه القاموس) لأنواع الأصوات العديدة التي تستخدمها الببغاوات. ثم قمنا ببساطة بإعادة كتابة الثنائيات في جمل نصية.
وأظهرت نتائج التحليل أوجه تشابه لافتة بين هذه الإشارات المعقدة واللغة البشرية. إذ تبين أن الثنائيات المتماوجة تمتلك خصائص لغوية، منها قواعد تركيبية ومعجم صوتي واسع يضم 36 نمطًا مختلفًا من النداءات.
ومن النتائج المهمة أيضًا اكتشاف ما يُعرف بـ"التلازم اللفظي"، حيث تتجاوز العديد من أنماط النداء معًا، على نحو يشبه اقتران كلمات معينة ببعضها بشكل متكرر، على غرار اقتران "الأكل" بـ"الطعام" أو "العشب" بـ"الأخضر" في اللغة البشرية.
وباستخدام البرنامج، كشف الباحثون عن أكثر من 20 قاعدة تركيبية تنظم هذه الثنائيات. ومع ذلك، كان التكرار داخل الثنائية الواحدة – التي لا تتجاوز مدتها عادة بين خمس وعشر ثوانٍ – محدودًا للغاية.
ويشير هذا النمط من التواصل – الذي يجمع بين المرونة والبنية المحكمة – إلى أن الببغاوات دقيقة للغاية، فهي لا تطلق نغمات عشوائية، بل تتخذ قرارات سريعة ومنسقة خلال تفاعلاتها الاجتماعية.
وتبرهن هذه النتائج – كما تقول داهلين – على أن بعض القدرات الإدراكية التي تشتهر بها الببغاوات في بيئات الأسر تظهر أيضًا في أنظمة تواصلها الطبيعية في البرية. فهذه الطيور تتواصل باستخدام مخزون صوتي كبير من النداءات التي تدمجها مع قواعد تركيبية.
وتضيف "بذلك، تظهر ببغاوات الأمازون ذات القفا الأصفر، وربما أنواعًا أخرى من الببغاوات، أنظمة تواصل معقدة كتلك التي تُلاحظ لدى الحوتيات، مثل الدلافين والحيتان".
في المرحلة المقبلة، تعتزم داهلين العودة إلى البيانات التي لم تُحلل بعد لدراسة أنماط "الثنائيات المضادة" بين الأزواج المختلفة. كما تواصل بحثها في لهجات هذه الطيور وأنواع أخرى من أصواتها، مؤكدة أن لديها الكثير من الأسئلة حول جوانب تواصلها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة