آخر الأخبار

ضفدع تونس الملون.. الفندق الأكثر ازدحاما في الصحراء

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

بينما لا توفر بيئة الصحراء القاحلة ظروف العيش المناسبة للكائنات الحية، كانت المفاجأة التي أدهشت العلماء أن الضفدع الملون الذي يقطن واحات صحراء جنوب شرق تونس "ديسكوغلوسوس بيكتوس"، يتوافد عليه مجموعة من الزوار الذين يحملون هويات مختلفة، إذ ينتمي بعضهم إلى الطفيليات الدقيقة والبعض الآخر إلى الديدان الصغيرة، ليتحول جسمه النحيل إلى فندق فاخر ومزدحم بهؤلاء النزلاء.

وكما هو الحال في دنيا الناس، كان بعض النزلاء مريحين، لا يعنيهم سوى الحصول على إقامة مناسبة في هذا المناخ القاسي، لكن البعض الآخر كان مزعجا، فأبى أن يغادر المكان إلا وقد ترك آثار بصمته، ليؤثر على صحة وحيوية مضيفه، الذي تحمله بصبر يحسد عليه.

وحصول مثل هؤلاء النزلاء على إقامة في جسد الضفدع الملون ليس بالأمر الغريب في حد ذاته، إذ إن كثيرا من الدراسات كانت قد وثقت هذه العلاقة من التطفل، التي يكون فيها الكائن المتطفل هو المستفيد في كل شيء من الحصول على الغذاء ومكان مناسب للمأوى والتكاثر داخل جسد العائل.

لكن أغلب هذه الدراسات أجريت في البيئات المعتدلة أو المواتية نسبيا، وكانت المعلومات المتوفرة عن الطفيليات التي تحصل على إقامة داخل البرمائيات مثل الضفادع في المناطق الصحراوية قليلة جدا.

لذلك سعت الدراسة التي أجرتها الباحثة التونسية جازية ذيب من كلية العلوم بجامعة قابس التونسية، ضمن أطروحتها للحصول على الدكتوراه، وشارك بها باحثون من جامعة غرناطة بإسبانيا، إلى سد هذا النقص المعلوماتي من خلال التركيز على حالة محددة وهي الضفدع الملون الذي يستوطن واحات الصحراء في جنوب شرق تونس.

ويقول الأستاذ بقسم علم الحيوان بجامعة غرناطة والباحث المشارك في تصريحات البروفيسور غريغوريو مورينو رويدا، للجزيرة نت: "دراسة مجتمعات الطفيليات في مثل هذه الكائنات التي تعيش في الصحراء مفيدة للغاية، لأنه من منظور بيئي، لا تُعد الطفيليات في البرمائيات التي تعيش في الصحراء مجرد مسببات للأمراض، بل هي مكونات أساسية لوظائف النظام البيئي ومؤشرات قيمة على كيفية استمرار الحياة في ظل ظروف قاسية، ويضيف ذلك أهمية بالغة للدراسة، لأنه يجعلنا نفهم المزيد عن حياة البرمائيات في البيئات القاحلة، ونسد فجوة جغرافية وبيئية كبيرة في أبحاث الطفيليات".

مصدر الصورة نجح الباحثون في تسجيل 6 أنواع من الطفيليات تستوطن الضفدع الملون "ديسكوغلوسوس بيكتوس" (شترستوك)

6 أنواع من الطفيليات

وخلال الدراسة المنشورة بدورية "باراسيتولوجي إنترناشيونال" (Parasitology International)، فحص الباحثون 120 ضفدعا للكشف عن الطفيليات التي تعيش داخل أجسامها (طفيليات داخلية).

إعلان

وباستخدام التعرف الشكلي (من خلال المجهر)، والتحليل الجيني عن طريق مقارنة تسلسل الجينات مع قواعد بيانات عالمية، نجحوا في تسجيل 6 أنواع من الطفيليات، كان ثلاثة أنواع منها من الأوليات، وهي كائنات مجهرية وحيدة الخلية، عادة ما تحصل على إقامة مريحة داخل العائل دون أن تسبب إزعاجا، بينما توجد ثلاثة أنواع أخرى مزعجة، وهي نوعان من الديدان الأسطوانية، ونوع واحد من الديدان المثقوبة.

وكان 97.5% من الضفادع مصابة بطفيلي واحد على الأقل، وهي نسبة مرتفعة جدا، وكانت أكثر الطفيليات انتشارا دودة "كوزموسيركويدس" الأسطوانية، التي أصابت نحو 88% من الضفادع.

وكانت معدلات إصابة الذكور بالطفيليات الأولية غير المزعجة أكبر من الإناث، وارتبطت الإصابة بالديدان (الطفيليات متعددة الخلايا) بتدهور الحالة الجسدية للضفدع، ولم يكن العمر الحقيقي للضفدع، الذي تم تحديده بدقة عبر تحليل العظام، عاملا مؤثرا في احتمالية الإصابة.

ملاحظة لها تفسير

وعلى عكس ما يبدو للوهلة الأولى من أن تسجيل مزيج من ستة طفيليات في الضفدع الملون بصحراء جنوب شرق تونس يبدو رقما كبيرا، كانت المفاجأة أن البروفيسور غريغوريو مورينو رويدا قال: "لم نتفاجأ كثيرا بالعثور على هذا المزيج من مجموعات الطفيليات، فالأوليات والديدان الأسطوانية والديدان المثقوبة تُعرف عادة كطفيليات داخلية للبرمائيات، وقد وُصفت سابقا في الضفادع الملونة وغيرها من البرمائيات عديمة الذيل".

وتابع: "لكن الأمر الأكثر إثارة للاهتمام لم يكن نوع الطفيليات المكتشفة، بل انخفاض تنوع أنواع الطفيليات نسبيا، على الرغم من الانتشار العام المرتفع جدا للعدوى".

وأضاف أنه "في الواقع، بالمقارنة مع الدراسات التي أُجريت في بيئات أكثر اعتدالًا أو رطوبة، كان تنوع الطفيليات الذي لاحظناه متواضعا".

ولم يترك غريغوريو الملاحظة دون تفسير، إذ قال إن "هذا التنوع على الرغم من تواضعه، إلا أنه بالنسبة لبيئة الصحراء التي يعيش فيها الضفدع، يعد كبيرا، فهذا يتفق مع فكرة أن واحات الصحراء تمثل أنظمة بيئية قاسية ومحدودة، حيث قد تحد الظروف المناخية القاسية ومحدودية توافر العوائل الوسيطة من نشوء مجتمعات طفيلية أكثر تنوعا، في الوقت نفسه، يشير الانتشار الواسع لبعض الطفيليات إلى أن تلك الأنواع قادرة على البقاء والنجاح في مثل هذه البيئات".

سلوك طبيعي

ولم يترك غريغوريو أيضا ملاحظة الانتشار الواسع للعدوى بالطفيليات (97.5%) دون تفسير، إذ قال إن هذا يشير إلى أن التطفل عنصر طبيعي وشامل في بيولوجيا الضفادع الملونة التي تسكن واحات تونس، وليس حالة استثنائية أو مرضية تصيب عددا قليلا من الأفراد.

ويخرج من النطاق الضيق لهذه الدراسة للنطاق الواسع، ليوضح أن "هذه الدراسة تُسهم في تحسين فهمنا لتنوع الحياة البرية وصحة الكائنات الحية في المناطق الصحراوية بشمال إفريقيا، وذلك من خلال إظهار أنه حتى البيئات الطبيعية شديدة الجفاف قادرة على استدامة أنظمة معقدة وفعالة من الطفيليات والمضيفين".

وعلى الرغم من أن ثراء أنواع الطفيليات كان منخفضا نسبيا، إلا أن الانتشار المرتفع للغاية للعدوى يُشير في رأيه إلى أن التفاعلات البيولوجية لا تزال مكثفة في هذه البيئات.

إعلان

ويقول إن "الطفيليات تُعد مؤشرات قيمة على أداء النظام البيئي، لأن وجودها يعتمد على مكونات متعددة للتنوع البيولوجي، بما في ذلك تجمعات المضيفين، شبكات الغذاء، والظروف البيئية، وهذا يكتسب أهمية خاصة في شمال إفريقيا، حيث تتأثر النظم البيئية الصحراوية بشكل متزايد بتغير المناخ، وإدارة المياه، والتكثيف الزراعي".

ويضيف غريغوريو أن "فهم كيفية استجابة الطفيليات لهذه الظروف يُساعد في تحديد التغيرات الطفيفة في صحة النظام البيئي، والمساهمة في تقديم رؤية أكثر دقة للتنوع البيولوجي الصحراوي".

لا مخاوف على البشر

وعن فرص انتقال الطفيليات من الإقامة في الضفدع الملون إلى البشر أو الماشية في المناطق المحيطة بالواحات الصحراوية، قال غريغوريو إنه "بناء على المعرفة الحالية، فإن الطفيليات التي تم تحديدها في هذه الدراسة لا تشكل خطرا مباشرا على صحة الإنسان أو الماشية في المناطق المحيطة بالواحات، فجميع الأنواع المسجلة هي طفيليات متخصصة للغاية تصيب البرمائيات، ودورات حياتها مرتبطة ارتباطا وثيقا بالبرمائيات المضيفة، وفي بعض الحالات، بمضيفات وسيطة محددة من اللافقاريات، ولا يوجد دليل على أن هذه الطفيليات يمكن أن تصيب البشر أو الماشية أو الطيور".

ويضيف أنه "يمكن لبعض مجموعات الطفيليات ذات الصلة أن تصيب فقاريات أخرى في سياقات بيئية مختلفة، لكن الأنواع التي تم اكتشافها في ضفدع تونس الملون معروفة جيدا كطفيليات تصيب البرمائيات، ولا تُعتبر منقولة بين الحيوانات والبشر، لذلك، فإن وجودها لا يعكس تهديدا صحيا للسكان البشريين المجاورين أو الحيوانات الأليفة".

ويختم قائلا: "من منظور علمي، من الأفضل تفسير هذه الطفيليات على أنها مؤشرات على أداء النظام البيئي وصحة البرمائيات، بدلا من كونها عوامل خطر للأمراض خارج نطاق مضيفيها الطبيعيين".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار