النيوباتريمونيالي (Neopatrimonialism)، مفهوم في علم السياسة يُستخدم لوصف نظام تبدو فيه الدولة، من الخارج، وكأنها حديثةٌ ومؤسسية، لكنها، في الواقع، تُدار وتعمل من خلال العلاقات الشخصية والولاءات وشبكات المصالح والفساد والمحسوبية والزبائنية.
أصل المصطلح يعود إلى مفهوم الحكم الباتريمونيالي Patrimonial Rule عند عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (1864 –1920). وهو نظام يتعامل فيه الحاكم مع الدولة وممتلكاتها كما لو كانت امتدادًا لبيته وسلطته الشخصية؛ فلا يكون الفصل فيها واضحًا بين مال الحاكم ومال الدولة، أو الوظيفة العامة والخدمة الشخصية للحاكم. والمصطلح في أصله اللغوي مشتق من الكلمة اللاتينية (Patrimonium) التي تعني الميراث أو الأصول المنتقلة عن الأب.
أما “النيوباتريمونيالية” فهي صيغة حديثة وهجينة. وهو نظام حكم للدولة بوثيقة دستورية ووزارات وجيش وشرطة وقضاء وميزانية وخدمة مدنية، لكن وراء هذه المؤسسات الرسمية توجد منظومة غير رسمية من المصالح العلاقات الشخصية، المتحكمة في الدولة. وتتمثل أهم خصائص هذا النظام في:
شخصنة السلطة: قوة المؤسسة ترتبط بالحاكم أو القائد أكثر من ارتباطها بالقواعد.
الزبائنية Clientelism: تقديم الوظائف أو المال أو الحماية مقابل الولاء السياسي.
المحسوبية Patronage: توزيع المناصب والموارد على الأنصار.
تداخل العام والخاص: استخدام موارد الدولة لتحقيق مصالح سياسية أو شخصية.
شبكات غير رسمية موازية للمؤسسات: يكون رئيس الوزراء أو الوزير مسؤولًا رسميًا، لكنَّ هناك شخصًا قريبًا من الرئيس يكون أكثر تأثيرًا من المسؤول الرسمي.
إضعاف المؤسسات دون إلغائها: وهذه نقطة جوهرية؛ فالوزارة والمصرف المركزي وجهاز الأمن والجيش والشرطة والقضاء موجودة، لكن الشبكات غير الرسمية تتغلب عليها.
ومن الأهمية التمييز هنا بين “الفساد” و”النيوباتريمونيالية”. فالموظف الذي يأخذ رشوة يرتكب فسادًا. أما عندما تصبح شبكات توزيع الوظائف والعقود والمال والحماية أداة منتظمة لإدارة السلطة السياسية وإعادة إنتاج النظام فنحن أمام ظاهرة أعمق من مجرد الفساد. فالفساد قد يحدث داخل دولة مؤسسية قوية؛ بينما النيوباتريمونيالية تتعلق بطريقة اشتغال النظام السياسي نفسه.
ومن الأهمية التمييز بين “المحسوبية” و”النيوباتريمونيالية”. المحسوبية مجرد تعيين لأنصار الحكومة، فيما “النيوباتريمونيالية” بناء شبكة علاقات سلطة داخل أجهزة الدولة، تحدد كيفية عملها ومن يستفيد منها.
ومن الأهمية كذلك التمييز بين “النيوباتريمونيالية” و”القَبَلية”. فهما ليسا مفهومين متطابقين. فالقبيلة قد تكون واحدة من شبكات الحاكم “النيوباتريمونيالي”، الذي يعتمد في ذات اللحظة، على القوات المسلحة، والحركات المسلحة، والقوة المشتركة، والكتائب الإسلامية والمقاتلين المرتبطين بها، والمستنفرين، والدروع المناطقية؛ والأجهزة الأمنية، والإدارات الأهلية، والقيادات الدينية، وشبكات رجال الأعمال المرتبطة بالحرب، الشركاء الإقليميين والدوليين.
و”الحاكم النيوباتريمونيالي” لا يستمد سلطته من امتلاكه لشبكة واحدة قوية شديدة التماسك، وإنما من قدرته على البقاء الرشيق في نقطة التقاطع بين الشبكات المتنافرة المتنافسة التي يُديرها، مع حرص شديد ألا تتحول أيٌّ منها إلى بديل كامل عنه. فهو في حاجة لتلك الشبكات بمثلما هي في حاجة إليه.
وتلك الشبكات على علم تام بمدى الخسائر التي تتكبدها بغياب مثل ذلك الحاكم، ولذلك تعمل جميعًا على الدفاع عنه والعمل على استمراره “مديرًا لتوازنات ائتلاف مصالحها”، وضامنًا لنفوذها، خاصة أنه الوحيد المالك لأدوات وآليات الثروة والسلطة، والقادر على تخصيص العقود والامتيازات التجارية، ومنح العتاد والأسلحة والأموال والمشروعية، وتوزيع الحقائب الوزارية والمناصب الدستورية، والتحكم في التعيينات والإعفاءات، والقادر على إصدار العقوبات ومنح البركات وصكوك الوطنية والغفران، وعدم منح أي حليف ضمانًا بأنه الوريث الوحيد للدولة.
وهذا ما جعل غالب شبكات الحرب (القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، الحركات الدارفورية والقوة المشتركة، التشكيلات والمليشيات الإسلامية مثل كتيبة البراء بن مالك، والمستنفرين والمقاومة الشعبية، وتشكيلات مسلحة محلية أخرى، إضافة إلى جماعة الرويبضات والقونات والنائحات الأجيرات)، على اختلافها وتنافرها وتنافسها، تقف صفًا واحدًا كالبنيان المرصوص في الدفع بالفريق البرهان إلى الترشح إلى مقعد رئيس الجمهورية. فالفريق البرهان ليس مجرد قائد عسكري يحكم السودان؛ وإنما مركز تقاطع مؤقت لشبكات عسكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية وإقليمية لا يستطيع السيطرة الكاملة عليها، لكنها حتى الآن لا تستطيع الاستغناء عنه. وهو إن لم يكن “مالكًا” للنظام، فهو مدير لتوازناته القائمة.
ولعلمه بذلك، قام إتعزَّز الليمون.. عشان بالغنا في ريدو.
ديسمبر
المصدر:
الراكوبة