آخر الأخبار

القاهرة تضع ثلاثة خطوط حمراء لإثيوبيا

شارك

ترسم مصر حدوداً أكثر وضوحاً لما تعتبره مصالح أساسية في تعاملها مع إثيوبيا، واضعة أمن مياه النيل في مقدمة هذه الحدود، وموسعة دائرة القلق لتشمل أي توجه لبناء سدود جديدة يمكن أن يمنح أديس أبابا قدرة أكبر على التحكم في تدفقات النهر، إلى جانب رفض أي نفاذ بحري إثيوبي لأغراض عسكرية.

وتعكس تصريحات وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي محاولة لتثبيت معادلة تقوم على الفصل بين حق إثيوبيا في التنمية وبين ما تعتبره القاهرة حقوقاً مرتبطة ببقائها وأمنها القومي.

ويقول عبدالعاطي إن مصر اعترفت منذ البداية بحق إثيوبيا في التنمية، لكنها في المقابل تطالب باعتراف أديس أبابا بحق مصر في الحفاظ على وجودها وأمنها المائي. وتستند القاهرة، وفق الوزير، إلى قواعد القانون الدولي والاتفاقات المنظمة للأنهار والحدود والقانون الدولي للبحار، معتبرة أن حق دول المنبع في التنمية لا يعني امتلاكها حرية اتخاذ إجراءات يمكن أن تلحق الضرر بدول المصب.

وتبدو الرسالة المصرية في هذا السياق قائمة على خط أحمر أول يتعلق بالتحكم في مياه النيل. فالقاهرة لا تقدم اعتراضها على التنمية الإثيوبية باعتبارها مبدأ، وإنما تركز على ما تسميه الهيمنة على النهر، خصوصاً في حال اتجهت إثيوبيا إلى إنشاء سدود جديدة أو اتخاذ ترتيبات تمنحها قدرة أكبر على التحكم في المياه.

◄ القاهرة تريد إعادة تعريف الخلاف مع أديس أبابا من نزاع حول مشروع واحد إلى نقاش أوسع حول قواعد إدارة المياه والتوازنات الأمنية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر

ويستند الموقف المصري إلى تأكيد أن الالتزامات الدولية لا تقتصر على تقاسم المياه، وإنما تشمل أيضاً قواعد الإخطار المسبق وعدم الإضرار بالدول الأخرى.

واستعاد عبدالعاطي في هذا السياق اتفاق المبادئ الموقع عام 2015، إضافة إلى مواقف سابقة للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي دعمت حق إثيوبيا في التنمية، في محاولة للتأكيد على أن الخلاف الحالي، من وجهة النظر المصرية، لا يتعلق برفض التنمية الإثيوبية، وإنما بحدودها عندما تتقاطع مع الأمن المائي لمصر.

أما الخط الأحمر الثاني فيتصل مباشرة بالسدود. فالقاهرة تبدو معنية ليس فقط بمآلات سد النهضة، وإنما باحتمال نشوء منظومة أوسع من السدود الإثيوبية على النيل وروافده، بما قد يغير طبيعة معادلة المياه على المدى الطويل. ولذلك يأتي التحذير من إقامة سدود جديدة باعتباره جزءاً من محاولة منع تحول إثيوبيا إلى طرف يمتلك قدرة متزايدة على التحكم في مورد تعتبره مصر مسألة وجودية.

ولا تنفصل هذه المخاوف عن تعقيدات العلاقة بين البلدين، إذ لا يزال ملف سد النهضة أحد أكثر ملفات الخلاف حساسية في حوض النيل. وترى القاهرة أن أي ترتيبات مستقبلية لإدارة المياه يجب أن تقوم على قواعد واضحة وملزمة، بينما تتمسك أديس أبابا بحقها في استثمار مواردها المائية لتحقيق التنمية وتلبية احتياجاتها الاقتصادية.

ويبرز بالتوازي خط أحمر ثالث يتعلق بالنفاذ البحري الإثيوبي، وهو ملف بات أكثر حضوراً في الحسابات الإقليمية خلال السنوات الأخيرة. ويفرق عبدالعاطي بوضوح بين حصول إثيوبيا، بوصفها دولة حبيسة، على منفذ بحري لأغراض تجارية، وبين امتلاك منفذ لأغراض عسكرية.

◄ السماح لأي دولة حبيسة بفرض إرادتها للحصول على نفاذ بحري عسكري يمكن أن يفتح الباب أمام فوضى أمنية في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي

وتؤكد القاهرة أنها لا تعارض حق إثيوبيا في الوصول إلى البحر لأغراض التجارة، مستشهداً بالموانئ التي تستخدمها أديس أبابا في المنطقة، لكنه يعتبر أن إقامة وجود عسكري إثيوبي على ساحل البحر الأحمر تمثل مسألة مختلفة، لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد قضية اقتصادية.

ويعكس هذا الموقف اتساع نطاق الحسابات المصرية من حوض النيل إلى البحر الأحمر. فمصر تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره امتداداً مباشراً لأمنها القومي، بحكم موقع قناة السويس وأهمية الممرات البحرية المحيطة بها، ولذلك فإن ظهور وجود عسكري جديد لدولة غير ساحلية أصلاً يمكن أن يثير مخاوف تتعلق بتوازنات القوة في المنطقة.

وتحاول القاهرة، في الوقت نفسه، وضع موقفها في إطار إقليمي لا ثنائي فقط، إذ يرى عبدالعاطي أن السماح لأي دولة حبيسة بفرض إرادتها للحصول على نفاذ بحري عسكري يمكن أن يفتح الباب أمام فوضى أمنية في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي. ومن هنا يأتي تشديده على أن الاعتراض على النفاذ العسكري ليس مصرياً فقط، وإنما يرتبط بأمن الدول المشاطئة للبحر الأحمر.

وتجمع هذه الملفات الثلاثة بين الجغرافيا والمياه والأمن. فالنيل يمثل بالنسبة إلى مصر قضية أمن مائي، بينما يمثل البحر الأحمر مجالاً استراتيجياً لا يقل أهمية، وتضع القاهرة التطورات في القرن الأفريقي ضمن حسابات أوسع تتجاوز العلاقات المصرية-الإثيوبية المباشرة.

لكن رفع هذه الخطوط الحمراء لا يعني بالضرورة انتقال القاهرة إلى سياسة المواجهة، بقدر ما يعكس محاولة لتحديد ما تعتبره غير قابل للتفاوض. فعبدالعاطي يؤكد في الوقت نفسه اعتراف مصر بحق إثيوبيا في التنمية، وهو ما يترك الباب مفتوحاً أمام صيغة تقوم على التوفيق بين المصالح التنموية الإثيوبية والحقوق المائية المصرية، شرط وجود قواعد تضمن عدم الإضرار بدول المصب.

وتشير هذه المعادلة إلى أن القاهرة تريد إعادة تعريف الخلاف مع أديس أبابا من نزاع حول مشروع واحد إلى نقاش أوسع حول قواعد إدارة المياه والتوازنات الأمنية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. وفي هذا الإطار، تصبح السدود والنفاذ البحري العسكري جزءاً من حسابات استراتيجية واحدة، عنوانها الأساسي: ألا تتحول الجغرافيا الإثيوبية وموقعها في منابع النيل إلى أدوات لفرض واقع جديد على مصر والمنطقة.

العرب

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا