لم يعد الجدل بشأن الأسلحة الكيميائية في السودان مقتصرًا على اتهام أميركي باستخدامها في الحرب، بعدما كشفت تحقيقات صحافية أميركية عن مئات الوثائق والصور والتسجيلات والمراسلات التي تقول إنها ترسم تفاصيل غير مسبوقة لبرنامج سري مزعوم داخل الجيش السوداني، لتصنيع ذخائر محملة بالكلور واختبارها وتخزينها، قبل أن تبدأ لاحقًا محاولات لإزالة آثار قد تقود إلى البرنامج.
وينفي الجيش السوداني هذه الاتهامات، فيما لا تزال طبيعة الأدلة المنشورة محل تدقيق، إذ لم تقدم الصحيفتان المواد باعتبارها إثباتًا نهائيًا لاستخدام الأسلحة الكيميائية. غير أن انتقال جزء كبير من المعلومات التي كانت ضمن ملفات استخباراتية مغلقة إلى المجال العام يضع الخرطوم أمام ضغط دولي متزايد، وقد يمهد لتحركات أو عقوبات جديدة إذا تعززت هذه المعطيات بتحقيقات مستقلة.
حصلت «واشنطن بوست» على وثائق ومقاطع فيديو ورسائل ومواد داخلية من مسؤولين أمنيين في الشرق الأوسط، قالت إنها تكشف عن مخزون سري من قنابل الكلور، ومواقع لإنتاجها واختبارها في مناطق صحراوية، وقوائم بأهداف محتملة، إلى جانب جهود لاحقة لإخفاء آثار البرنامج.
وتشير الملفات إلى وجود ما يصل إلى 290 ذخيرة كيميائية، بينما ورد في محادثة تعود إلى أواخر عام 2024 أن مئات القنابل كانت مخزنة في قاعدة مروي الجوية، وأن 106 منها استخدمت.
وتصف إحدى الوثائق ذخيرة تحمل نحو 15 كيلوغرامًا من الغاز و20 كيلوغرامًا من المتفجرات، فيما تشير وثيقة أخرى إلى تطوير تصميم جديد بهدف إخفاء الأدلة التي قد تكشف عن الاستخدام الكيميائي.
ستة أشهر لتطوير الذخائر
وفي اليوم نفسه، نشرت «نيويورك تايمز» تحقيقًا استند إلى ملف قالت إنه يضم نحو 150 وثيقة وصورة ومقطع فيديو ورسالة صوتية، إلى جانب آلاف الرسائل النصية، معظمها مستخرج من هواتف مسؤولين عسكريين سودانيين كبار.
وبحسب الصحيفة، تكشف هذه المواد عن عملية امتدت لنحو ستة أشهر خلال عام 2024 لتطوير وإنتاج ذخائر كيميائية.
وبحلول أكتوبر/تشرين الأول، تشير المواد التي استندت إليها الصحيفة إلى إنتاج نحو 300 ذخيرة كيميائية، كان معظمها في مروي.
لكن الجانب الأكثر حساسية في الكشف لا يتعلق بالعمليات الفنية وحدها، وإنما بالمستوى القيادي الذي تقول الوثائق والمراسلات إنها تقود إليه.
البرهان في دائرة الاتهام
تقول «نيويورك تايمز» إن اتصالات صوتية ورسائل نصية اعترضت، تضمن بعضها تواصلًا مع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، تشير إلى علمه المباشر بالمشروع المزعوم.
وتتقاطع هذه الجزئية مع ما نشرته «واشنطن بوست» بشأن رسالة تعود إلى سبتمبر/أيلول 2025، قال المسؤولون الذين قدموا الوثائق للصحيفة إنها كانت تهدف إلى طمأنة البرهان بأن قاعدة كانت تستخدم لتخزين الأسلحة أُفرغت من «الآثار والبقايا».
لكن هذه المراسلات، على حساسيتها، لا تثبت وحدها أن البرهان أصدر أمرًا باستخدام سلاح كيميائي. ويبقى هناك فارق أساسي بين إثبات العلم المزعوم بوجود برنامج كيميائي وبين إثبات المسؤولية عن قرار استخدامه في العمليات العسكرية.
من أين جاء الكلور؟
يفتح الكشف مسارًا آخر يتعلق بمصدر المادة المستخدمة في تصنيع الذخائر، إذ تشير الوثائق إلى أن الكلور المستخدم كان متاحًا أصلًا لأغراض مدنية، خصوصًا في معالجة مياه الشرب.
كما يظهر اسم محطة المنارة لمعالجة المياه ضمن المواد المنشورة. وكانت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» قد زودت هيئة مياه الخرطوم بالكلور لاستخدامه في ست محطات بين عامي 2023 و2025، بينها محطة المنارة، لكنها أكدت عدم وجود أي دليل في سجلاتها على تحويل الكلور الذي قدمته أو إساءة استخدامه.
نفي سوداني وتحقيق داخلي
رفض الجيش السوداني الاتهامات، وقال إن ما نشر يفتقر إلى أساس مادي، مشيرًا إلى أن السودان طرف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية منذ عام 1999.
وكان البرهان قد شكل لجنة للتحقيق في الاتهامات، وانتهت النتائج السودانية المعلنة إلى عدم العثور على تلوث كيميائي أو إشعاعي، استنادًا إلى القياسات التي أجريت.
لكن التحقيق الداخلي السوداني لم يغلق الملف دوليًا، إذ تطالب واشنطن الخرطوم بالتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، والسماح بالتحقق من المواقع والمنشآت والذخائر المشتبه بها.
من الاتهام إلى البحث عن الدليل
تكمن أهمية ما نشرته الصحيفتان في أن الاتهام الأميركي السابق لم يعد قائمًا، في المجال العام، على إعلان سياسي أو استخباراتي مجرد، بل بات محاطًا بتفاصيل عن آلية تصنيع مفترضة، ومخزون من الذخائر، ومواقع اختبار وتخزين، ومراسلات وأسماء، فضلًا عن محاولات مزعومة لمحو آثار البرنامج.
وقد يؤدي هذا التحول إلى زيادة الضغوط على الخرطوم، ويفتح الباب أمام احتمال فرض عقوبات إضافية تستهدف أفرادًا أو كيانات مرتبطة بالبرنامج المزعوم، إذا تبنت واشنطن أو أطراف دولية أخرى ما ورد في الوثائق، أو تعززت هذه المعلومات بأدلة مستقلة. لكن ذلك لا يعني أن عقوبات جديدة قد اتخذت بالفعل.
وبين وثائق تتراكم ونفي سوداني مستمر، تبقى المسألة في انتظار الاختبار الأكثر حسمًا: الوصول المستقل إلى المواقع، وفحص العينات، والاستماع إلى الشهود، والتحقق من سلسلة الأدلة.
فمثل هذا التحقق هو وحده القادر على نقل التسريبات والوثائق من دائرة الاتهام إلى مستوى الأدلة المثبتة، أو كشف ما قد يضعف الاتهامات التي باتت تطارد الجيش وقيادته.
المصدر:
الراكوبة