مع كل ما يكابده أطفال السودان من ظروف إنسانية ومعيشية صعبة في زمن الحرب، تفاقم الانتهاكات الجسيمة من معاناتهم، إذ ارتفعت معدلات العنف الجنسي المرتبط بالنزاع ضد اليافعين خلال الفترة الأخيرة بصورة كبيرة خصوصاً في مناطق ومدن دارفور وكردفان، حيث تشهد تصاعد عمليات القتال الميداني والتحشيد العسكري بصورة واسعة.
وترجمة للحال المريعة التي تحيط بهم جراء تداعيات الصراع المسلح، أعلنت وزارة الرعاية الاجتماعية في السودان توثيق 224 حالة عنف جنسي مرتبطة بالنزاع ضد الأطفال ، منها خمس طفلات تراوح أعمارهن ما بين 6 و14 سنة تعرضن لعنف جنسي تسبب في إصابات وتشوهات بالغة، ويحتجن إلى تدخلات وعمليات جراحية عدة بسبب صغر أعمارهن وطبيعة الإصابات التي لحقت بهن.
روت سعاد بابكر التي فرت من مدينة الفولة بولاية غرب كردفان أن “ابنتها تعرضت للاغتصاب من قبل ثلاثة جنود يرتدون زي قوات ’الدعم السريع‘” (اندبندنت عربية – حسن حامد)
في السياق قالت مريم بخيت التي تقيم في مناطق تجمعات النازحين بمدينة الأبيض إن “ابنتها القاصر تعرضت للاغتصاب في إحدى قرى محلية القوز بولاية جنوب كردفان، عندما اقتحم أفراد مدججون بالسلاح منزلهم، وهددوا بقتلهم حال القيام بأية حركة، واختاروا أصغر بناتها عمراً وتناوبوا على اغتصابها أمام أعينهم، وهي تستغيث لإنقاذها، ليصاب والدها بوضع نفسي متأزم”، وأضافت “فور وصولنا إلى مدينة الأبيض أبلغت عن حادثة ابنتي في أحد المراكز الصحية حتى نجد العلاج، وبالفعل قام فريق طبي بإجراء اللازم، لكن آثار ما جرى لطفلتي من اغتصاب كان صادماً ولا يمكن نسيانه وجعل حياتها كئيبة وحزينة”، وأوضحت بخيت أن “مناطق النزاع المسلح تشهد حالات تربص بالأطفال من دون حماية، والمؤسف لم تنج عشرات الأسر من هذه الجريمة البشعة في ظل غياب الشرطة وأجهزة إنفاذ القانون بمدن ومناطق محلية القوز بخاصة مع استمرار سيطرة قوات ’الدعم السريع‘ عليها منذ أكثر من ثلاثة أعوام”.
من جانبها روت سعاد بابكر التي فرت من مدينة الفولة بولاية غرب كردفان أن “ابنتها تعرضت للاغتصاب من قبل ثلاثة جنود يرتدون زي قوات ’الدعم السريع‘ في طريق النزوح إلى ولاية النيل الأبيض، إذ تم اقتيادها مع عدد من الفتيات والنساء إلى أحد المباني، واغتصبوها حتى فقدت الوعي”، وأشارت إلى أن “ابنتها أجرت فحوصات طبية عند وصولها إلى مدينة كوستي وتلقت العلاج، لكنها تعاني أزمة نفسية وحالاً حزينة منذ ذلك اليوم جعلتها في صدمة وخوف مستمرين حتى الآن”، ولفتت بابكر إلى أن “حالة طفلتها واحدة من آلاف جرائم الاغتصاب التي طاولت أطفال السودان وأصبحت ظاهرة خطرة أسهم في تفاقمها الصراع المسلح، إضافة إلى الإفلات من العقاب أو صدور أحكام مخففة”.
على نحو متصل قالت وزيرة الدولة للتنمية الاجتماعية والموارد البشرية السودانية سليمى إسحاق إن “الإحصاءات الحالية تمثل فقط الحالات التي تم التبليغ عنها، بينما تفوق الحالات التي لم يبلغ عنها الإحصاءات بكثير بسبب الوصمة الاجتماعية والخوف من الانتقام، وكذلك انعدام الأمن وصعوبة الوصول إلى الخدمات، بخاصة في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات ’ الدعم السريع ‘”، وذكرت أن “هذه الانتهاكات تعكس الأثر المدمر للحرب في الأطفال، وتكشف عن خطر الجرائم المرتكبة في حقهم خلال النزاع، كذلك فإن الوصمة الاجتماعية التي تلاحق الناجين، لا سيما الفتيات قد تضاعف آثار الاعتداء وتحرمهن من التعليم والاندماج الاجتماعي وفرص الحياة الطبيعية”، وبينت إسحاق أن “هناك حساسية في التعامل مع قضايا الاغتصاب والعنف الجنسي، نظراً إلى موروثات اجتماعية، وعلى رغم الوعي في أوساط الأسر، فإن ثقافة المجتمع وعاداته وتقاليده لا تزال عائقاً، إذ هناك من يكتم هذا الأمر ويجبر نفسه على تحمل النتائج، لذا لا بد من التشديد على ضرورة الإبلاغ فور وقوع أحداث مشابهة”، ونبهت وزيرة الدولة أن “من الضروري وجود دور خاصة لرعاية أطفال الاغتصاب حتى لا يتحولوا أنفسهم إلى مرتكبي العنف والجريمة، وتصبح قضيتهم معضلة أخلاقية وإنسانية مفتوحة”.
على الصعيد نفسه أشار المتخصص في مجال حقوق وحماية الطفولة إبراهيم سالم إلى أن “جرائم الاغتصاب شملت القاصرات في عمر الطفولة نتيجة عدم وجود رادع يمنع التعدي الجنسي الذي يعد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وحقوق الإنسان”، ونوه بأن “هذه الأعمال الوحشية تقوض أمن واستقرار المجتمعات، وتترك جراحاً عميقة في نفوس الفتيات والطفلات اللاتي يعشن الخطر المستمر، خصوصاً حال احتمال تفشي الانتحار والأمراض المنقولة جنسياً، وعدم تدارك الحمل والإجهاض الآمن”، وتابع سالم “في حقيقة الأمر نواجه صعوبات بالغة في الوصول إلى الطفلات الناجيات وهن في حال نزوح وتنقل من منطقة لأخرى، مما يعقد الجهود الرامية إلى تقديم المساعدة، إلى جانب توقف خدمات الاتصالات والإنترنت وضعف الرعاية الصحية في مناطق النزاع المسلح”.
على صعيد متصل أوضحت الناشطة في مجال حقوق الإنسان أماني الأبنوسي أن “غياب العقوبة الرادعة غالباً ما يسهم في استمرار جرائم الاغتصاب التي طاولت الأطفال القصر أثناء الحرب المستمرة، لا سيما أن هناك ثغرات عدة في القانون الجنائي السوداني المتعلق بجرائم العنف الجنسي عدا الاغتصاب ضمن الأفعال الفاحشة، إذ إن أقصى أحكام العقوبة لهذه الجرائم هي السجن عامين”، وأعربت الأبنوسي عن اعتقادها أن الأرقام الحقيقية قد تبدو أكبر بكثير من أرقام الإحصاءات المتداولة حتى الآن، بسبب عدم وجود فرق ميدانية للمتابعة على الأرض، إلى جانب حساسية موضوع الاغتصاب نفسه، لأن أكثر الناجيات لا يبلغن بأنفسهن عن الممارسات التي تعرضن لها أثناء وجودهن في مناطق القتال خوفاً من ارتدادات أكثر عنفاً قد يتعرضن لها”، وواصلت “مساعي مساعدة وعلاج الضحايا في المراكز المتخصصة كشفت عن هول ما تعرضن له، فيما كثيرات من الناجيات لا يزلن ينتظرن العلاج وهن يغالبن الجراح في صمت نتيجة ما وقع عليهن من جرم وظلم قبل تمكنهن من النزوح إلى المناطق الآمنة”.
اندبندنت عربية
المصدر:
الراكوبة