آخر الأخبار

الحرب تلتهم أشجار الفاشر وصحة السكان

شارك

منى عبد الفتاح

في الفاشر، عاصمة شمال دارفور ، لم يتوقف أثر الحرب عند أبواب المنازل والأسواق، بل امتد إلى أبسط تفاصيل الحياة اليومية، ومنها الطريقة التي يعد بها الطعام، فالمدينة التي اعتادت أسرها استخدام مزيج من غاز الطهي والحطب والفحم، وجدت نفسها، مع انقطاع طرق الإمداد منذ فترة الحصار، أمام سوق وقود يتآكل تدريجاً. ومع ندرة غاز الطهي وارتفاع كلفة الحصول عليه، عاد الحطب والفحم إلى الواجهة بوصفهما البديل الأكثر إتاحة للأسر التي لم يعد بمقدورها تحمل كلفة الوقود أو انتظار وصوله. وتشير تقارير من داخل المدينة إلى أن الغاز أصبح نادراً إلى حد وصفه بأنه صار أشبه بـ”الذهب”، فيما ارتفعت أسعار الفحم بصورة حادة مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.

لم يكن هذا التحول مجرد مسألة اقتصادية، فالفاشر تقع في بيئة شحيحة الموارد، وكان الاعتماد على الحطب والفحم قائماً قبل اندلاع الحرب، بينما أسهم ارتفاع الطلب على الوقود وتراجع القدرة على جلبه من خارج المدينة في توسيع دائرة الاستنزاف حولها. ومع تقلص حركة التجارة وتعذر الوصول المنتظم إلى الأسواق، باتت كلفة إعداد الطعام تشكل ضغطاً على الدخل القليل للأسر حيناً، وعلى الغطاء النباتي المحيط بالمدينة حيناً آخر.

وفي الأحياء التي أنهكها النزوح ونقص الغذاء والماء، أخذ الدخان مكانه داخل المشهد اليومي، مواقد بدائية تعمل لساعات أطول، وأسر تبحث عن أرخص ما يمكن إشعاله، ونساء يتحملن في الغالب عبء جمع الوقود وإعداده. هكذا تكشف أزمة الوقود  في الفاشر وجهاً آخر للحرب، حين تنقطع سلاسل الإمداد، لا تختفي الطاقة من السوق فحسب، بل تنتقل كلفتها إلى صحة السكان، وإلى ما تبقى من موارد البيئة حول مدينة تئن تحت ضغط الحرب.

اضطراب الأسواق

لا يحمل الحطب اسماً واحداً، ومن الأنواع التي عرفت في سوق الوقود بالمدينة شجرة الكتر والسنط وهما من أنواع الأكاسيا المنتشرة في بيئة دارفور، إلى جانب الهجليج، وهي أنواع ارتبط استخدامها تاريخياً بالطهي وإنتاج الفحم هناك. ومع الحرب، لم يعد جمع الحطب نشاطاً اقتصادياً عادياً، فقد أدى اضطراب الأسواق وانقطاع طرق الإمداد وارتفاع كلفة الوقود إلى دفع مزيد من الأسر نحو الموارد المتاحة في محيط المدينة، في وقت تقلصت البدائل التجارية، وعلى رأسها غاز الطهي.

تقول فاطمة عز الدين إن إعداد الطعام بالحطب على المواقد التقليدية عرضها لالتهابات في الصدر ونوبات متكررة من السعال، وإن الدخان أصبح جزءاً ملازماً لساعات الطهي. وأضافت “في بيئة الحرب، لا يتعلق الأمر بمسألة راحة منزلية أو نظافة المكان، فالأسر تستخدم الوقود المتاح لأنها تحتاج إلى إعداد الطعام، حتى عندما يكون الدخان كثيفاً أو يستمر الاحتراق لفترات طويلة”. وتتحمل النساء، بحكم اضطلاعهن غالباً بالطهي وجمع الوقود، القسم الأكبر من زمن التعرض، بينما يبقى الأطفال قريبين من موقد الأسرة.

تتحمل النساء، بحكم اضطلاعهن غالباً بالطهي وجمع الوقود، القسم الأكبر من المعاناة (اندبندنت عربية- حسن حامد)

وأوضحت “مع أن مساكن الفاشر أو مواقع النزوح كثير منها مفتوح أو شبه مفتوح، لكن ذلك لا يمنع التعرض للدخان، خصوصاً عندما يكون الموقد قريباً من المستخدمين، أو عندما تتكرر عملية الطهي يومياً”.

ويؤدي احتراق الحطب والفحم إلى إطلاق جسيمات دقيقة وملوثات يمكن أن تهيج الجهاز التنفسي، فيما قد تزداد الانبعاثات مع سوء الاحتراق ونوع الموقد. وهكذا، لا تقف كلفة أزمة الوقود عند سعر الحطب أو الفحم، فهي تمتد إلى الأشجار التي تقطع حول المدينة، وإلى أجساد من يطبخون بما تسمح لهم أوقات الحرب، يوماً بعد آخر.

تقلص البدائل

كان الفحم يستخدم أساساً لإعداد الشاي، وبدرجة أقل في الطهي المنزلي، بينما ظل الحطب الوقود الأوسع استخداماً. ويصل الفحم إلى أسواق الفاشر من أشجار تقطع في مناطق أبعد، ثم تحرق ببطء في مكامن بدائية حتى تتحول إلى فحم يسهل نقله وبيعه. وتعود هذه الصناعة إلى ما قبل الحرب، فقد وثقت دراسة “الفقر والتشوه وإزالة الغابات”، أثر النزاع على تجارة الأخشاب ووقود الحطب في دارفور، وبينت أن إنتاج الفحم كان نشاطاً تقليدياً تمارسه جماعات بعينها، بينها “الكنين” جنوب غربي الفاشر، إلى جانب بعض الرعاة. وكان المنتجون يحرقون الخشب الأخضر في مناطق الأحراش، ثم يحملون الفحم في أكياس إلى الطرقات، حيث يشتريه التجار وسائقو الشاحنات لنقله إلى الأسواق.

وتكشف الدراسة عن أن الفحم كان يدخل الفاشر بكميات صغيرة على الشاحنات، وغالباً ما كان يفرغ في مخيمات النازحين الواقعة على أطراف المدينة لتجنب الرسوم، ثم ينقله نازحون على ظهور الحمير إلى الأسواق والمستهلكين. وكان في مخيم زمزم، الذي نشأ مع موجات النزوح في حرب دارفور الأولى، نحو 30 تاجراً للفحم، بحسب التقرير، وكان سوق “الوكالة” أحد أسواق الفاشر المعروفة للحطب والفحم، بما يعكس أن الوقود لم يكن مجرد سلعة منزلية، بل سلسلة اقتصادية تضم المنتج والناقل والتاجر والمستهلك.

لكن الحرب غيرت اقتصاد هذه المهنة، إذ فقد منتجو الفحم، القدرة الآمنة على الوصول إلى مناطق الإنتاج، واضطر بعضهم إلى التخلي عن هذا المورد، فيما اتجه آخرون إليه بحثاً عن دخل بديل بعد تراجع الزراعة والرعي والتجارة. وفي المدينة، أدى تقلص البدائل وارتفاع كلفة نقل الوقود إلى إبقاء الطلب على الحطب والفحم، حتى مع اتساع كلفة الحصول عليهما.

واللافت أن تحويل الخشب إلى فحم لا ينقل مشكلة الوقود فحسب، بل يضاعف الضغط على الشجرة، إذ تستهلك كتلة خشبية كبيرة لإنتاج كمية أقل من الفحم، ثم تنقل عبر مسارات باتت أكثر خطراً وكلفة. وهكذا تتحول الشجرة، في اقتصاد الحرب، من مورد طبيعي متجدد إلى مصدر دخل سريع، تقطع في الأطراف، وتحرق في المكامن، ويختزل عمرها الطويل في ساعات من النار قبل أن تصل إلى موقد أسرة تبحث عن وسيلة أبسط لإعداد طعامها.

تدهور بيئي

تتقاطع أزمة الوقود مع تدهور بيئي أقدم من الحرب، إذ أدى تزايد الضغط السكاني والنزوح والاحتطاب والتوسع الزراعي والرعي إلى استنزاف الغطاء الشجري، قبل أن تضيف الحرب مسارات جديدة لاستهلاك الأشجار وتدميرها. ويقول أستاذ البيئة والإيكولوجيا بجامعة الخرطوم محمد النتيفة، إنه رصد مؤشرات تدهور الغطاء الشجري في مدينة الفاشر وربطها بعوامل بشرية ومناخية، فيما تناول في دراسة أخرى أثر التباين المناخي في الغطاء النباتي بالمدينة. وتكتسب خسارة الأشجار بعداً يتجاوز فقدان مورد للطاقة، فالغطاء النباتي يسهم في حماية التربة والحد من انجرافها وحركة الرمال، فيما يؤدي تراجعه إلى زيادة هشاشة الأرض أمام الجفاف والرياح والتعرية.

يؤدي احتراق الحطب والفحم إلى إطلاق جسيمات دقيقة وملوثات يمكن أن تهيج الجهاز التنفسي (اندبندنت عربية- حسن حامد)

وكانت محاولات استعادة هذا الغطاء قائمة قبل الحرب بسنوات، إذ يوضح كبير المتخصصين البيئيين ببرنامج الأمم المتحدة للبيئة في السودان أبو القاسم آدم، أن مشتل الغابات المركزي في الفاشر كان يستوعب نحو مليون شتلة، فيما أنتجت مشاتل أخرى في شمال دارفور نحو 150 ألف شتلة، وأنشئت أكثر من 12 غابة مجتمعية بمساندة منظمات دولية ومحلية. ويورد آدم أن المياه كانت ولا تزال من أكبر عوائق إنتاج الشتول واستقرارها، وأن حصاد مياه الأمطار يمكن أن يساعد الأشجار على تجاوز سنواتها الأولى قبل اعتمادها على الأمطار، وارتبطت مشروعات التشجير بتثبيت ضفاف الأودية والحد من زحف الرمال، ولا سيما ضمن مشروع “وادي الكو”، لكن الحرب بددت جانباً من هذه المكتسبات، فإلى جانب قطع الأشجار للحطب والفحم، تعرضت مناطق وقرى حول الفاشر للحرق والدمار خلال العمليات العسكرية، لتجد البيئة نفسها تحت ضغط مزدوج، شجرة تقطع كي تطهو الأسرة طعامها، وأخرى تحرق في سياق الحرب، فيما تتراجع فرص إعادة ما فقد من غطاء نباتي.

مستقبل الجهود

تبدو معالجة أزمة الوقود في الفاشر أقرب إلى إدارة ضرر متفاقم منها إلى مشروع بيئي يمكن تنفيذه في الظروف المعتادة. وفي ظل استمرار الحرب، أو حتى دخولها في هدنة هشة، ستظل الضغوط على الغطاء النباتي مرشحة للتصاعد، لأن حاجة الأسر إلى الطاقة ستسبق أي قدرة مؤسسية على حماية الأشجار. لذلك، ينادي بعض المهتمين بأن تكون الأولوية الآنية هي تقليل حاجة الأسر إلى قطع الأشجار، عبر مواقد أكثر كفاءة في استهلاك الحطب والفحم، وتوسيع بدائل الطهي حيث تسمح ظروف الأمن والأسواق، مع دعم سلاسل إمداد الوقود التي لا تعرض المدنيين لأخطار الوصول إلى مناطق بعيدة لجمع الحطب. وقد أثبتت تجارب دارفور أن هذه التدخلات يمكن أن تخفف الضغط على الغطاء النباتي، لكنها تظل رهناً باستمرار الإمداد والصيانة ومشاركة المجتمعات.

وفي الأجل الأبعد، لن يكون التشجير وحده كافياً، المطلوب استعادة المشاتل المحلية، وحماية الشتول من الرعي، وربط إعادة الغطاء النباتي بحصاد مياه الأمطار واستصلاح الأراضي، مع إشراك المجتمعات في تحديد المواقع والأنواع وإدارة ما يزرع. وقد أظهرت تجربة “وادي الكو” أن حصاد المياه يمكن أن يرفع الإنتاج الزراعي، ويحد من التعرية، ويفتح المجال لإعادة التشجير.

لكن مستقبل هذه الجهود سيظل مرتبطاً بمسار الحرب، فإذا طال القتال سيغلب منطق النجاة على حماية البيئة، وقد تتحول الأشجار بصورة متزايدة إلى مورد للطاقة تستنزفه الأسر. وإذا انتهى القتال من دون استقرار فعلي، فقد يستمر الاستنزاف على رغم توقف المعارك. أما نهاية مستقرة للحرب، مع تأمين الوصول وعودة النشاط الزراعي والأسواق، فقد تفتح المجال لتعاف بيئي تدرجي.

لذلك، فإن إعادة إعمار الفاشر ستحدد ما إذا كانت الشجرة ستظل وقوداً للأزمة، أم تتحول إلى جزء من التعافي. فالطاقة والغذاء والمياه والغابات مترابطة، وإعادة بناء المدينة من دون بدائل للحطب والفحم قد تعيد إنتاج دائرة الفقر والاستنزاف، بينما يمكن لحل متكامل أن يجعل حماية الغطاء النباتي أحد مؤشرات الخروج الحقيقي من الحرب.

اندبندنت عربية

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا