تحولت مدينة بارا في ولاية شمال كردفان السودانية من بلدة اشتهرت بأشجار الليمون ورائحة أزهارها في فصل الربيع، إلى واحدة من أكثر المناطق تضرراً من الحرب المستمرة في السودان، بعدما خلفت المعارك والحصار والانتهاكات دماراً واسعاً وجثثاً في الشوارع والمنازل، وسط مخاوف من تلوث مصادر المياه الجوفية ووقوع كارثة صحية.
وبحسب ما أوردته صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية، نقلاً عن مصادر تمكنت من الوصول إلى المدينة خلال الأيام الماضية، لم يُعثر داخل بارا سوى على شخصين مسنين على قيد الحياة، بينما بدت المدينة شبه خالية من سكانها الذين كان عددهم يقترب من 100 ألف نسمة قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023.
ووفقاً للصحيفة، تمكن الجيش السوداني وحلفاؤه في يوليو الماضي من استعادة السيطرة على بارا من قوات الدعم السريع، بعد أشهر من المعارك المتقطعة في المدينة الواقعة على طريق استراتيجي يربط الخرطوم بإقليم كردفان.
وكانت بارا، قبل الحرب، مدينة تجارية هادئة تشتهر بأشجار الليمون التي كانت تملأ شوارعها برائحة أزهارها في نهاية الشتاء وبداية الربيع. أما اليوم، فقد حلت رائحة الجثث المتحللة محل رائحة الليمون، وفق شهادات أشخاص دخلوا المدينة بعد انسحاب قوات الدعم السريع.
وقالت الصحيفة إن عدداً من القتلى لم يُدفنوا، بعدما تعذر دفنهم خلال فترة سيطرة قوات الدعم السريع، بينما دُفن آخرون في قبور ضحلة أو تُركت جثثهم داخل المنازل، ما يثير مخاوف من تداعيات صحية وبيئية خطيرة.
وتزداد المخاوف بسبب اعتماد سكان بارا على الآبار والمياه الجوفية. ونقلت الصحيفة عن مهندس يعمل في المدينة أن عمق الآبار يتراوح غالباً بين 20 و30 متراً، محذراً من احتمال وصول السوائل الناتجة عن تحلل الجثث إلى مصادر المياه.
وأوضح أن تلوث المياه قد يشكل خطراً كبيراً على السكان والماشية، خصوصاً في ظل غياب الخدمات الصحية وصعوبة التعامل سريعاً مع أعداد الجثث ومخلفات الحرب.
ولهذا السبب أصبحت المدينة هدفاً مهماً لطرفي الحرب، قبل أن تتحول إلى ساحة قتال عنيف بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
وبحسب “ميدل إيست آي”، سيطرت قوات الدعم السريع على بارا في أكتوبر 2025، واستخدمتها لاحقاً قاعدة لشن هجمات بالطائرات المسيّرة على مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، التي تبعد نحو 60 كيلومتراً.
ونقلت الصحيفة عن عثمان عبداللطيف، العضو في لجنة المقاومة الشعبية الداعمة للجيش السوداني، قوله إن قوات الدعم السريع قتلت، على الأرجح، مئات المدنيين في بارا والقرى المحيطة بها.
وقال عبداللطيف إن فريقاً زار المدينة بعد أيام قليلة من استعادة الجيش السيطرة عليها، ليجد دماراً واسعاً وجثثاً في الشوارع والمنازل، فيما فر معظم السكان إلى الأبيض ومناطق أخرى بحثاً عن الأمان.
وأضاف أن المدينة تحتاج بصورة عاجلة إلى إزالة الجثث والذخائر غير المنفجرة ومخلفات الحرب، باعتبارها أخطاراً مباشرة تهدد المدنيين الراغبين في العودة.
وبحسب الشهادات التي نقلتها الصحيفة، لم يعثر الفريق الذي دخل بارا سوى على رجل وامرأة من كبار السن، نجوا رغم الظروف القاسية ونقص الغذاء خلال فترة سيطرة قوات الدعم السريع.
وتشير هذه الصورة إلى حجم النزوح الذي شهدته المدينة، بعدما اضطر معظم سكانها إلى الفرار نتيجة القتال والخوف من الانتهاكات.
ولم تقتصر الكارثة على بارا وحدها. فقد أفادت مصادر محلية وعاملون في المجال الإنساني بأن مئات الجثث لا تزال بحاجة إلى الانتشال في مناطق قريبة، بينها جبرة الشيخ وأم سيالة.
وقال متطوع من أم سيالة للصحيفة إن ما لا يقل عن 200 جثة لا تزال عالقة في المنطقة، وسط صعوبات أمنية وانتشار الذخائر غير المنفجرة.
ويحتاج المتطوعون المحليون، بحسب مصدر إنساني تحدث إلى الصحيفة، إلى دعم فني من فرق الدفاع المدني والمشارح والجهات الحكومية والمنظمات الإنسانية، للتعامل مع الجثث ومخلفات الحرب بطريقة آمنة.
ترتبط أهمية استعادة بارا أيضاً بتأثيرها على مدينة الأبيض، التي ظلت لفترة طويلة تحت حصار وضغط عسكري.
وقال جودات عبدالهادي، أحد قيادات المقاومة الشعبية المسلحة في شمال كردفان، إن سيطرة الجيش على بارا والمناطق المحيطة بها غيّرت ميزان القوى ميدانياً، ووفرت للأبيض حماية أكبر، كما فتحت طريقاً أقصر بين كردفان والخرطوم.
وفي سوق الأبيض، قال التاجر محمد عباس إن الحياة بدأت تتحسن بعد رفع الحصار وتأمين طريق الإمدادات، مشيراً إلى عودة النشاط التجاري ووصول السلع إلى المدينة بعد فترة طويلة من الانقطاع.
ووفق مصادر عسكرية تحدثت إليها “ميدل إيست آي”، تراجعت هجمات الطائرات المسيّرة على الأبيض وأم درمان بعد سيطرة الجيش على بارا ومواقع أخرى في كردفان.
وقال عبدالهادي إن المناطق التي استعادها الجيش كانت تُستخدم كنقاط انطلاق للهجمات الجوية ضد المدن الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني.
ومع ذلك، لم تتوقف الهجمات تماماً، إذ كثفت قوات الدعم السريع، وفق الصحيفة، عملياتها المضادة بالطائرات المسيّرة على جبرة الشيخ ومناطق أخرى، بينها أم درمان والدامر وعطبرة.
ويؤكد الجيش السوداني أنه تمكن من صد الهجمات المضادة حول بارا والأبيض، وأن قواته تتحرك عبر غرب كردفان باتجاه دارفور، التي تعد من أبرز مناطق نفوذ قوات الدعم السريع.
لكن مصدراً مطلعاً على الوضع في شمال كردفان حذر من أن المكاسب العسكرية الأخيرة قد تتعرض لانتكاسة إذا لم يواصل الجيش تقدمه لتأمين المناطق المحيطة بشمال وغرب كردفان.
وأوضح المصدر أن عناصر من قوات الدعم السريع لا تزال موجودة في منطقتي سودري والمزروب، على مسافة تقارب 100 كيلومتر من بارا.
ومع استعادة الجيش السيطرة على بارا، لم تعد الأولوية مرتبطة بالجانب العسكري وحده. فالمدينة تواجه تحديات إنسانية وصحية عاجلة، تبدأ بانتشال الجثث ودفن الضحايا، وإزالة الذخائر غير المنفجرة، وتأمين مصادر المياه، قبل أن يصبح من الممكن التفكير في عودة السكان.
وتكشف المشاهد القادمة من بارا حجم الكارثة التي خلفتها الحرب السودانية، إذ تحولت المدينة التي كانت تُعرف بأشجار الليمون ورائحة أزهارها إلى منطقة مدمرة، تختلط فيها آثار القتال بالنزوح والخوف والمخاطر الصحية.
ويبقى مستقبل بارا مرتبطاً بمدى قدرة السلطات والجهات الإنسانية على تأمين المدينة ومعالجة آثار الحرب، حتى تستعيد شيئاً من الحياة التي عرفتها قبل أن تتحول من مدينة الليمون إلى مدينة تفوح منها رائحة الموت.
المصدر:
الراكوبة