في هذا السياق، يقول الباحث الاقتصادي محمد الهادي إن “قياس تراجع القوة الشرائية لا يحصل من خلال متابعة سعر الدولار فقط، وإنما من خلال مقارنة القدرة الشرائية للدخل الشهري قبل الحرب وبعدها”.
وأضاف الهادي أن “كثيراً من الأسر حافظت على دخل قريب من مستواه السابق، لكن هذا الدخل فقد جزءاً كبيراً من قيمته الحقيقية بسبب التضخم و ارتفاع أسعار الغذاء والنقل والخدمات. لذلك فإن الحديث عن الراتب بالأرقام المجردة لم يعد كافياً، لأن القيمة الفعلية للراتب أصبحت أقل بكثير مما كانت عليه قبل الحرب”.
وبين أن “السلة الاستهلاكية للأسرة السودانية تغيرت بصورة جذرية خلال الأعوام الثلاثة الماضية. فالأسرة التي كانت تخصص جزءاً من دخلها للادخار أو لتحسين جودة الغذاء، أصبحت تنفق معظم دخلها على الاحتياجات الأساسية فقط، بينما اختفت بنود مثل الملابس والأجهزة المنزلية والترفيه من ميزانيات عدد كبير من الأسر”.
وأردف أن “أخطر ما في هذه التحولات أنها ليست مرتبطة بارتفاع الأسعار فقط، بل أيضاً بانخفاض الدخول وتعطل النشاط الاقتصادي وفقدان ملايين الأشخاص وظائفهم أو مصادر رزقهم. لذلك فإن الأسرة تتعرض لضغط مزدوج متمثل في انخفاض الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة في الوقت ذاته”.
ولفت إلى أن “البيانات الاقتصادية توضح أن التضخم لم يعد مجرد ظاهرة نقدية، بل أصبح نتيجة مباشرة لاختلالات الإنتاج والنقل وسلاسل الإمداد، فضلاً عن تراجع قيمة العملة الوطنية. ولهذا فإن معالجة الأزمة لن تتحقق فقط عبر استقرار سعر الصرف، وإنما بإعادة تنشيط الاقتصاد والإنتاج وخلق فرص عمل جديدة تعيد للأسرة قدرتها على الإنفاق والاستهلاك”.
ومضى الباحث الاقتصادي في القول إن “المؤشر الحقيقي لتعافي الاقتصاد لن يكون من خلال انخفاض سعر الدولار وحده، بل عندما تتمكن الأسرة من العودة إلى شراء احتياجاتها الشهرية كاملة من دون أن تضطر إلى حذف بند أساس من ميزانيتها”.
ليس ارتفاع الأسعار وحده هو الذي أعاد تشكيل ميزانية الأسرة السودانية، بل تزامن ذلك مع تراجع غير مسبوق في مصادر الدخل. فمع اتساع رقعة الحرب، توقفت آلاف المنشآت عن العمل، وأغلقت متاجر ومصانع، وتعطلت أعمال يومية كانت تعتمد عليها أعداد كبيرة من الأسر. وفي المدن التي شهدت معارك مباشرة، فقد كثير من العاملين وظائفهم أو اضطروا إلى النزوح بعيداً من أماكن عملهم، بينما واجه أصحاب الأعمال الصغيرة خسائر في رأس المال والمخزون.
يوضح المحلل الاقتصادي محمد إبراهيم أن “هناك دراسة للمعهد الدولي لبحوث سياسات الغذاء (IFPRI) أشارت إلى أن الصراع في السودان أدى إلى انخفاض متوسط دخل الأسر بصورة كبيرة، مع ارتفاع معدلات البطالة واتساع الاعتماد على الأعمال غير المنتظمة والمساعدات والتحويلات المالية، وهو ما غيّر طبيعة الاقتصاد الأسري في هذا البلد. وأصبح الراتب، حتى عندما يستمر صرفه، غير قادر على مواكبة الارتفاع المتسارع في الأسعار”.
وتابع إبراهيم أن “الأسرة التي كانت تخصص نسبة من دخلها للتعليم أو الإدخار أو صيانة المنزل، أصبحت تعيد توزيع الميزانية بصورة أسبوعية، وأحياناً يومية، وفقاً للأسعار المتغيرة وتوفر السلع”.
واستطرد أن “التحويلات المالية من الأقارب في الخارج، التي كانت تمثل دعماً إضافياً لكثير من الأسر، تحولت في حالات كثيرة إلى المصدر الرئيس لتغطية الاحتياجات الأساسية، خصوصاً في المدن التي تعطلت فيها الأنشطة الاقتصادية”.
ولفت إلى أن “الأزمة الحالية تختلف عن الأزمات الاقتصادية السابقة، لأنها جمعت بين انهيار النشاط الإنتاجي واضطراب الأسواق وارتفاع التضخم في وقت واحد. فالاقتصاد فقد خلال الحرب جزءاً كبيراً من قدرته على خلق فرص العمل، وهو ما انعكس مباشرة على الأسر. فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بارتفاع أسعار السلع، وإنما بانخفاض عدد الأفراد الذين يملكون دخلاً ثابتاً داخل الأسرة الواحدة”.
وواصل أن “كثيراً من الأسر أصبحت تعتمد على مصدر دخل واحد بعد أن كانت تعتمد على مصدرين أو ثلاثة، إضافة إلى أن عدداً كبيراً من العاملين انتقل من وظائف مستقرة إلى أعمال يومية غير مضمونة، وهو ما جعل التخطيط المالي للأسرة أكثر صعوبة”. منوهاً إلى أن “هذا التراجع انعكس على أنماط الاستهلاك، إذ أصبحت الأسر تؤجل الإنفاق على الصحة والتعليم والصيانة، وهي بنود كان يُنظر إليها قبل الحرب بوصفها استثمارات ضرورية، لكنها أصبحت اليوم تخضع لأولويات البقاء”.
وخلص المحلل الاقتصادي إلى القول إن “التعافي الحقيقي للقوة الشرائية لن يتحقق عبر استقرار الأسعار فقط، وإنما عبر استعادة النشاط الاقتصادي وعودة فرص العمل والإنتاج، لأن أي تحسن في قيمة العملة لن ينعكس على الأسرة إذا بقي دخلها منخفضاً أو غير مستقر”.
في الأزمات الاقتصادية، غالباً ما يكون الغذاء أول القطاعات تأثراً، لكنه بات في السودان أكبر مستهلك لدخل الأسرة.
تشير المتخصصة في الأمن الغذائي سالي حيدر إلى أن “أخطر ما تكشفه الأزمة الحالية ليس ارتفاع الأسعار في حد ذاته، وإنما تراجع تنوع الغذاء داخل الأسرة. فالتغذية المتوازنة أصبحت أكثر صعوبة، ليس بسبب غياب السلع من الأسواق دائماً، وإنما بسبب عدم قدرة كثير من الأسر على تحمل كلفتها”.
وأضافت حيدر أن “الأسر عادة لا تقلل كمية الطعام مباشرة، بل تبدأ أولاً بتغيير نوعيته، ثم تخفض الكميات لاحقاً إذا استمرت الضغوط الاقتصادية، وهو ما ينعكس على الوضع الغذائي، خصوصاً لدى الأطفال وكبار السن”.
ونوهت المتخصصة في الأمن الغذائي إلى أن “استمرار هذا النمط لفترة طويلة قد يترك آثاراً اجتماعية وصحية تتجاوز الحرب نفسها، لأن سوء التغذية لا يرتبط فقط بنقص الغذاء، وإنما أيضاً بانخفاض جودته وتنوعه”.
عند نهاية كل شهر، لا تقيس الأسرة السودانية قيمة راتبها بما تتقاضاه من نقود، بل بما تبقى منه بعد شراء الضروريات، وهنا تظهر الصورة الأكثر وضوحاً لانهيار القوة الشرائية. فالراتب الذي كان يغطي الغذاء والمواصلات والدواء وبعض الاحتياجات الأخرى، أصبح يستهلك بالكامل تقريباً في البنود الأساسية، بينما تحولت بقية الاحتياجات إلى نفقات مؤجلة.
يؤكد الباحث الاقتصادي هيثم فتحي أن “القوة الشرائية ليست رقماً يعكسه سعر الدولار، وإنما هي نتيجة مباشرة للعلاقة بين الدخل والأسعار والإنتاج”.
وزاد أن “أي اقتصاد يستطيع السيطرة على التضخم موقتاً، لكن استعادة القوة الشرائية بصورة مستدامة تتطلب زيادة الإنتاج المحلي وتحسين الدخول واستقرار الأسواق، لأن الاعتماد على الواردات في ظل ضعف العملة يجعل الأسعار عرضة لموجات ارتفاع متكررة”.
وأردف أن “الأسرة السودانية أثبتت خلال أعوام الحرب قدرة كبيرة على التكيف، لكنها دفعت ثمناً اجتماعياً واقتصادياً مرتفعاً، تمثل في تراجع مستوى المعيشة وانخفاض الإدخار واستنزاف المدخرات وبيع بعض الأصول لتغطية الاحتياجات الأساسية”.
ورأى الباحث الاقتصادي أن “التحدي الحقيقي في مرحلة ما بعد الحرب لن يكون في إعادة بناء الأسواق فقط، وإنما في إعادة بناء القدرة الشرائية نفسها، لأن تعافي الاقتصاد لن يقاس بحركة التجارة وحدها، بل بقدرة الأسرة على استعادة نمط حياتها الطبيعي”.
اندبندنت عربية
المصدر:
الراكوبة