آخر الأخبار

خالد عمر يوسف: "أجندة المستقبل": خطة الحرب التي رسمها المؤتمر الوطني وينفذها البرهان

شارك

خالد عمر يوسف

لم تكن حرب 15 أبريل محض مصادفة هبطت على البلاد من السماء، بل كانت نتيجة مسار مخطط قاده النظام البائد، الذي لم يتقبل حكم الشعب السوداني عليه في ثورة ديسمبر، وقرر الانقلاب على إرادته مستفيداً من نفوذه الذي بناه على مدى عقود داخل مؤسسات الدولة، ولا سيما الأجهزة الأمنية والعسكرية.

كانت المحاولة الأولى هي فض الاعتصام الذي نفذه الجيش والدعم السريع، وحين فشل في كسر إرادة الشعب، جاء انقلاب 25 أكتوبر كحلقة ثانية في المسلسل نفسه. وعندما فشل الانقلاب في اكتساب المشروعية وكاد الاتفاق الإطاري أن ينهيه، أشعل المؤتمر الوطني وحركته الإسلامية الحرب، مستغلين التناقضات داخل معسكر الانقلاب. ومنذ ذلك الحين صارت الحرب أداتهم الرئيسية لاستعادة السلطة، غير مبالين بالبشاعات والجرائم التي يرتكبها طرفا الحرب في حق الأبرياء، وغير مكترثين بالدمار الهائل الذي أصاب البلاد.

هذا ليس رجماً بالغيب ولا مجرد خصومة سياسية. من أراد اختبار هذه الفرضية، فليقرأ الوثيقة التي أصدرها المؤتمر الوطني المحلول في 18 فبراير 2025 بعنوان “مقترح أجندة المستقبل (لليوم واليوم التالي)” بتوقيع رئيسه المطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية أحمد محمد هارون، ثم يقارن ما ورد فيها بما يجري في البلاد. سيجد أن كل ما يحدث اليوم يسير وفق الخطة التي وضعت داخل مطابخ النظام البائد، والتي ينفذها البرهان وقع الحافر على الحافر.

وحتى لا نتهم بالتجني، فلنقارن ما طرحته الوثيقة بما فعله البرهان منذ صدورها، لنرى حجم التطابق بين خطة النظام البائد وما يجري على الأرض اليوم.

‎المرحلة الأولى: الحسم العسكري أولاً وقبل كل شيء:

تركز الوثيقة على فكرة محورية تقول بأن الحسم العسكري هو الأولوية وكل ما عداه يأتي لاحقاً، فالوثيقة تقول إن الحوار الحقيقي يجب أن يكون بعد أن “تضع الحرب أوزارها” وبعد “تحرير كل البلاد”، وتدعو إلى استمرار حالة “الأمة المحاربة” حتى بعد توقف القتال. فالحرب لدى التنظيم الإرهابي ليست كارثة يجب إنهائها بسرعة، بل فرصة يريدون اغتنامها لأطول زمن ممكن.

وهذا ما يجري الآن بالضبط، فما من مشروع لوقف الحرب إلا وقابله البرهان بالرفض الصريح أو شراء الوقت، وآخر تلك المبادرات كانت الرباعية، التي اضطرت الولايات المتحدة الامريكية التي تقودها، لأن تعلن على رؤوس الأشهاد بأن قيادة الجيش لا تمتلك الإرادة للمضي قدماً في مسار السلام.

‎المرحلة الثانية: حكومة الكفاءات المستقلة:

ظلت فكرة حكومة “التكنوقراط” لزمن بعيد واحدة من أهم ألاعيب النظام البائد في إفراغ الحكم من أي محتوى سياسي واجتماعي حقيقي، وقد نصت الوثيقة في البند (14/د) على أن الضرورة تقتضي الآن قيادة القوات المسلحة للبلاد بوصفها “مسؤولة عن كافة الأمور السيادية”، على أن “تساندها حكومة كفاءات وطنية مستقلة تتولى الأمور التنفيذية”. وبالفعل لم تمر سوى ثلاثة أشهر على إصدار الوثيقة، حتى عين البرهان في مايو 2025 كامل إدريس رئيساً لوزراء سلطته، ليوفر واجهة مدنية متحكماً بها، محاولاً عبر ذلك مخاطبة الخارج، وإخفاء طبيعة السلطة الحقيقية كسلطة عسكرية تتبع للمؤتمر الوطني وحركته الإسلامية الإرهابية. كما قام قبل ذلك بتعديل الوثيقة الدستورية لتكرس السلطات السيادية في يد قائد الجيش.
.
‎المرحلة الثالثة: ما يجري الآن .. حوار الداخل وشرعنة سلطة العسكر:

تطرح الوثيقة في البند (14/ب)، فكرة الحوار داخل السودان، والمقصود هنا بكل تأكيد ليس سودان نيالا أو كاودا أو طويلة، بل المقصود الجزء من السودان المتحكم فيه بواسطة المؤتمر الوطني. ليكون حواراً تحت أسنة رماح النظام البائد وبمواصفاته ومقاساته، مكرراً ملهاة “حوار الوثبة”، الذي لو كان شفيعاً لأحد لأعان البشير في الهروب من مأزقه، ولكن البرهان الذي يقلد الرجل ويتبع خطاه لم يعتبر من تجربة سلفه شيئاً فيما يبدو.

في هذا الحوار تمنح الوثيقة في البند (14/ هـ/2) القوات المسلحة موقع “الراعية والضامنة لمخرجاته” كما تدعو للمحاسبة القضائية لقوى الحرية والتغيير “المتحورة إلى تقدم” على حد تعبيرها، وتدعو “شركاء معركة الكرامة” إلى التوحد في “كيان جديد”، ومن سخرية الأقدار أن هنالك من يروجون الآن لدعوات لالتماس عفو البرهان عن القوى المدنية، فمن يا ترى هو المجرم الذي يجب أن يلتمس العفو “لولا أن الزمن ميل يا لطيف”!!

وختاماً تدلف الورقة للخلاصة التي يريد مخطط الحرب أن يصل إليها، وذلك حين تدعو في البند (14/هـ/3) إلى “مشروعية دستورية تمكّن القوات المسلحة من نيل تفويض شعبي” عبر استفتاء، لتولّي “مهام رئاسة الدولة كمؤسسة وفقاً لتراتبيتها العسكرية”، كما تتحدث عن المجلس التشريعي الذي تمثل فيه القوى السياسية والمدنية. هذا هو عين ما يجري الآن ب”الكربون”. محاولة شرعنة سلطة عسكرية بقيادة البرهان، وفي مقابل ذلك يسيطر المؤتمر الوطني وحركته الإسلامية الإرهابية -بالتواري خلف بزة العسكر- على المؤسسات الأمنية والعسكرية والإقتصادية والمدنية. هذه هي المقايضة فالتنظيم المحلول يعلم أنه لا يستطيع الحكم بوجهه السافر، فهو منبوذ داخلياً ومعزول خارجياً، لذا فهو يريد أن “يعرض” بعصا القوات المسلحة، وتاريخ البلاد يوثق لأنه ما من تنظيم أضر بالقوات المسلحة أكثر من تنظيم الحركة الإسلامية الإرهابي. فهم من اخترقوها وخلقوا قوى مسلحة موازية لها وعزلوها داخلياً وخارجياً، هذه وقائع لا يمكن تكذيبها أو إنكارها أبداً.

‎الحلقة الناقصة: البحث عن وساطة خارجية تلعب دور “المحلِّل”:

تفتقر هذه الخطة لعنصر رئيسي هو إمكانية تسويقها خارجياً لتفك العزلة عن مشروع الحرب وقادته، وقد حاول البرهان مراراً أن يجد غطاءً خارجياً لهذه المحاولات دون جدوى، فما من جهة دولية محترمة يمكن أن تقرن اسمها بأي مبادرة لا تقود لوقف الحرب ومعالجة الكارثة الإنسانية الأكبر عالمياً.

في هذا السياق فقد شهدت الساحة السياسية مؤخراً محاولات من بعض العناصر المحدودة داخل الآلية الخماسية لتجييرها لصالح شرعنة خطة المؤتمر الوطني/البرهان هذه، وذلك عن طريق محاولة هندسة حوار سياسي متحكم به، لا يوقف الحرب ولا يهتم بالكارثة الإنسانية ويسيطر عليه بواسطة واجهات المؤتمر الوطني/البرهان. هذه المحاولات لن يكتب لها النجاح، فالآلية الخماسية تتكون من مؤسسات دولية وإقليمية محترمة، ولا يمكن حرفها لاتخاذ موقف مؤسسي لا يتسق مع مبادئ ونظم هذه المؤسسات.

الخلاصة: الحرب هي الخطة:
ما نعيشه اليوم واضح ولا يحتاج كبير عناء لفهمه واستيعابه، ولا يمكن التغبيش حول حقيقته عبر حملات الكذب والتزييف، هذه الحرب الإجرامية هي الخطة. وهي مكتوبة وموثقة وليست سراً. يرمي هذا المخطط لإغراق البلاد في قتال طويل ينهكها ويدمر قواها الحية، ومن ثم ترسيخ سلطة البندقية سواء ضمن بلد موحد أو مقسم، باستخدام واجهات مدنية متحكم بها تعمل تحت إمرة العسكر لشرعنة حكمهم، وخلف هذا الستار يتحكم المؤتمر الوطني وحركته الإسلامية بكل مقدرات الدولة ويوظفونها لمواصلة مشروع فسادهم واستبدادهم.

رفض الحرب ومقاومتها يبدأ من التصدي لهذا المشروع وفضحه ومواجهته وإفشاله، وبدون ذلك لا يمكن تحقيق السلام العادل والمستدام الذي يصبو إليه غالب أهل السودان ممن أرهقتهم سنوات الحرب ودمرت حياتهم.

#لا_للحرب

خالد عمر يوسف

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا