دخل الصراع في السودان مرحلة جديدة أكثر تعقيداً، إذ انتقل من المواجهات العسكرية المباشرة على الأرض إلى حرب المسيرات الانتحارية والاستطلاعية، وهي حرب يدفع ثمنها المواطن السوداني أولاً وأخيراً. فالهجمات باتت تستهدف المرافق المدنية الحيوية مثل المستشفيات والمصانع والمدارس، إضافة إلى استهداف المنازل بشكل مباشر بهدف تشريد السكان وإفراغ المناطق من سكانها.
مع دخول الحرب عامها الرابع، تتحدث تقديرات مختلفة عن عشرات الآلاف من الضحايا، بل تشير بعض المصادر إلى أن العدد قد تجاوز 200 ألف قتيل، إلى جانب نزوح ولجوء ملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها. كما تفاقمت الأوضاع الإنسانية إلى حد وصول المجاعة إلى مناطق واسعة في دارفور وكردفان، ما يجعل المشهد أكثر قتامة ويزيد من معاناة المدنيين في ظل غياب أفق واضح للحل.
مدينة الأبيض… بين أزيز المسيرات وحرائق المباني
في مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان تتساقط المسيرات على منازل المواطنين كتساقط الأمطار واحدة تلو الأخرى، مسيرات دمرت المستشفيات والمراكز الصحية وأحرقت المرافق الخدمية وقتلت أعداداً كبيرة من المواطنين وشردت آخرين.
في مشهد يختصر حجم المأساة وقفت بدور موسى من مدينة الأبيض فوق ركام منزلها الذي سوّته مسيرة انتحارية بالأرض، تقول إن المدينة شهدت خلال الأيام الماضية سلسلة من الهجمات بالطائرات المسيرة، دمرت منزلها ومنازل عدد من السكان داخل الحي، وتسببت في مقتل ثلاثة من أبناء جيرانها.
وتصف حال منزلها وأفراد أسرتها، مؤكدة أن نجاتهم كانت محض صدفة، إذ إن استعجالهم في مغادرة المنزل ومحاولاتهم السريعة لإنقاذ الأطفال حال دون وقوعهم ضحايا لتلك الضربة، مشيرة إلى أن الهجمات استهدفت حي “الموظفين”، وهو من أكثر أحياء المدينة اكتظاظاً بالسكان.
فيما ترى أنه محاولة واضحة لـ تشريد المدنيين وخلق حالة من الرعب تدفع السكان إلى ترك منازلهم، مناشدة بالتدخل لحمايتهم من المسيرات التي أحرقت منازلهم وأصبحوا في العراء هم وأطفالهم في ظل حصار المدينة من قبل قوات الدعم السريع.
تعيش الطفلة أروى منصور في أحد أحياء مدينة الأبيض وهي تحمل داخل جسدها شظايا مسيرة سقطت على منزل أسرتها قبل فترة، وما تزال تلك الشظايا تتحرك في جسدها الصغير بينما تعجز عائلتها عن علاجها بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية.
والدة أروى رفضت الظهور أمام الكاميرا خوفاً من التعرض لانتهاكات إذا حاولت مغادرة المدينة، لكنها تحدثت بصوت يختلط فيه الألم بالحذر، قائلة إن الطائرة المسيّرة سقطت مباشرة على منزلهم، فقتلت زوجها على الفور وأصابت طفلتها بشظايا ما تزال مستقرة داخل جسدها، بينما تتحرك أروى دون أن تدرك حجم الخطر الذي يهدد حياتها.
وكانت قد وجهت عدد من المنظمات المحلية منها “مجموعة محامو الطوارئ” اتهاماً مباشراً لقوات الدعم السريع بتنفيذ هذه الهجمات، قائلة إن إحدى المسيّرات استهدفت لاحقاً تجمعاً لمواطنين أثناء تشييع ضحايا الهجوم الأول في “مقابر دليل”، ما أدى إلى مقتل أربعة أشخاص وإصابة سبعة آخرين.
وفي تصريح صحفي استنكرت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان استخدام الطائرات المسيّرة في السودان، والتي أودت هجماتها بحياة أكثر من ألف مدني في الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026.
وتأتي الهجمات على الأبيض في وقت تشهد فيه جبهات كردفان تصعيداً متزايداً، إذ تحولت المنطقة خلال الأشهر الأخيرة إلى واحدة من أكثر ساحات الصراع نشاطاً نسبة لموقعها الجغرافي الذي يربط بين كردفان ودارفور، لذا تستميت الدعم السريع لسقوطها ودخول مدينة بارا التي يربط طريقها بين كردفان وأم درمان وسط العاصمة الخرطوم.
استهداف المنشآت الحيوية
ولاية النيل الأبيض وسط السودان لم تنجو من غارات المسيرات، فشهدت خلال هذه الفترة سقوط عدد منها، خاصة على مدينتي كوستي وتندلتي حيث استهدفت المسيرات فيها محطات الوقود والكهرباء وخرجت الولاية بأكملها من خط الكهرباء لعدة أيام، وكذلك استهدفت المسيرات المنشآت الحيوية وسكن جامعي للطلاب بمدينة كوستي ما أدى إلى مقتل ثلاثة منهم وإصابة سبعة آخرين.
أما في أم درمان وهي أكبر مدن ولاية العاصمة الخرطوم، فتشهد هذه الفترة تصعيداً ملحوظاً في استخدام الطائرات المسيّرة، حيث استهدفت مطار الخرطوم ومحطات الكهرباء والجسور. ووثقت “مجموعة محامو الطوارئ” مقتل 5 مدنيين في الريف الجنوبي لأم درمان جراء استهداف مركبة مدنية.
وبالتزامن مع استمرار الانتهاكات بحق المواطنين واستهدافهم بالمسيرات، كشفت رئيسة اللجنة الوطنية للتحقيق في جرائم وانتهاكات القانون الوطني والقانون الدولي الإنساني، انتصار أحمد عبد العال، عن نتائج التقرير المرحلي الخامس للجنة.
فقد وثقت اللجنة 2200 حالة اغتصاب، 14 ألف و999 حالة احتجاز واختفاء قسري، و30 ألف و971 جريمة قتل، و44 ألف و617 حالة إصابة متفاوتة.
كما أعلنت اللجنة قيد 149 ألف و860 دعوى جنائية مرتبطة بالانتهاكات المرتكبة خلال الصراع، من بينها 385 دعوى ضد عناصر من قوات النظام تم رفع الحصانة عنهم.
وبحسب البيانات الرسمية، فقد بلغت قيمة الخسائر الناتجة عن تدمير البنية التحتية والمؤسسات والمرافق العامة نحو 771 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم الدمار الذي طال قطاعات النقل والطاقة والاتصالات والخدمات الأساسية.
وكالة أنباء المرأة
المصدر:
الراكوبة