في منطقة صحراوية نائية تمتد على طول الحدود السودانية المصرية، حيث يقضي آلاف المعدنين أيامهم بين آبار الذهب ومساكن مؤقتة أقيمت وسط الرمال، تحولت مواقع التعدين الأهلي خلال ساعات إلى مسرح لمأساة إنسانية بعد غارات جوية أوقعت قتلى وجرحى ومفقودين، وفق إفادات ناجين وشهود عيان.
وتتزايد الاتهامات الموجهة إلى الجيش المصري بالوقوف وراء الضربات التي استهدفت مناطق العقيدات ووادي الأنصاري وسوق الأنصاري، وهي مناطق تشهد نشاطاً كثيفاً للتعدين التقليدي وتستقطب آلاف السودانيين الباحثين عن الذهب.
لكن الهجوم لم يفتح فقط ملف الأمن الحدودي، بل أعاد إلى الواجهة تساؤلات أوسع حول الاستثمارات التعدينية المثيرة للجدل في المنطقة، وعلاقة بعض الشركات والجهات الحكومية بها، وما إذا كانت المصالح الاقتصادية المرتبطة بالذهب تقف خلف ما يصفه ناشطون وسياسيون بـ”صفقة الموت”.
الساعات الأخيرة قبل القصف
بحسب شهادات متطابقة حصلت عليها “إدراك”، شوهدت طائرات حربية تحلق فوق المنطقة قبل ساعات من وقوع الهجوم. ويقول حافظ عمر ، وهو أحد الناجين من القصف “استهدفت الغارات مواقع تجمع المعدنين في السابعة صباحاً. سقط قتلى وجرحى في الدقائق الأولى، ولم يتمكن كثيرون من إسعاف المصابين بسبب الخوف من تجدد القصف.” وأضاف أن عشرات المعدنين فروا إلى عمق الصحراء، بينما ظل آخرون عالقين داخل آبار التعدين العميقة التي تعرض بعضها للانهيار نتيجة الانفجارات.
أثار الإتفاق بين المعادن وشركة “ديب ميتالز” المصرية موجة من الإنتقادات”
أردول ونور الدائم تحت الإتهام
أعادت الحادثة الجدل حول الدور الذي لعبه مسؤولون وشركات مرتبطة بملف التعدين في الترتيبات الاستثمارية الأخيرة.وتوجه أطراف سياسية انتقادات إلى المدير العام لشركة “ديب ميتالز” مبارك أردول ووزير المعادن نور الدائم محمد أحمد طه بسبب الاتفاقيات المرتبطة بمشروعات التعدين الحدودية.
غير أن هذه الاتهامات لا تزال في إطار المواقف السياسية والاتهامات المتداولة، ولم تصدر حتى الآن نتائج تحقيقات رسمية أو أحكام قضائية تثبت مسؤولية أي طرف عن الهجوم أو تربطه مباشرة بالأحداث الأخيرة.
ويرى منتقدو الصفقة أن ما حدث يستوجب مراجعة شاملة لكل العقود والامتيازات الممنوحة في المناطق الحدودية، بينما يؤكد مؤيدوها أنها استثمارات قانونية تستهدف تطوير قطاع التعدين وزيادة الإنتاج.
اتفاق التعدين الذي سبق المأساة
وقبل أشهر من الهجوم الذي استهدف المعدّنين السودانيين قرب الحدود المصرية، أثار اتفاق استثماري في قطاع التعدين جدلاً واسعاً عقب توقيعه بين شركة “ديب ميتالز”، التي يمثلها المدير العام مبارك أردول، ووزارة المعادن بقيادة الوزير نور الدائم محمد أحمد طه.ونص الاتفاق على تنفيذ مشروعات للتنقيب عن الذهب والحديد باستثمارات تتجاوز 277 مليون دولار، تشمل مواقع امتياز في ولايات الشمالية والبحر الأحمر ونهر النيل والقضارف، إلى جانب إنشاء مصنع لمعالجة مخلفات التعدين ومصفاة حديثة للذهب.
وأثار الاتفاق موجة من الانتقادات والاعتراضات من قوى سياسية ومكونات مجتمعية، طالبت بمراجعته وكشف تفاصيله للرأي العام، وسط تساؤلات بشأن طبيعة الامتيازات الممنوحة للشركات المشاركة وحجم العائدات المتوقعة للدولة.
وفي هذا السياق، أعلنت الهيئة الشعبية للإقليم الشمالي رفضها التوقيع على ما وصفته بـ”الصفقة المشبوهة”، معتبرة أن الاتفاق يمنح شركة “ديب ميتالز” امتيازات واسعة مقابل استثمارات تبلغ 277.3 مليون دولار في مجالات الاستكشاف والإنتاج لمعدني الذهب والحديد، إضافة إلى مشروعات البنية التحتية المرتبطة بالتعدين، بما في ذلك مصنع لمعالجة المخلفات ومصفاة للذهب.
ماتم في من هجوم مصري يعيد للأذهان سيناريو السيطرة المصرية علي منطقة حلايب وشلاتين
شهاب إبراهيم الطيب قيادي بصمود
حلايب جديدة في مناطق الذهب؟
وقال القيادي بتحالف صمود شهاب إبراهيم الطيب لـ”إدراك” إن ثبوت وجود صلة بين اتفاقات التعدين المصرية في المناطق الحدودية وما أعقبها من أحداث مأساوية، إلى جانب ما وصفه بالاعتداء الذي نُفذ عبر الطيران والقوات البرية المصرية، سيشكل تطوراً بالغ الخطورة في مسار العلاقات بين البلدين، ويعيد إلى الأذهان سيناريو السيطرة المصرية على منطقة حلايب وشلاتين.
وأضاف أن ما جرى، إذا تأكدت هذه الوقائع والاتهامات، لا يمكن النظر إليه باعتباره حادثاً معزولاً، بل باعتباره امتداداً لسياسة تستغل حالة الضعف والانهيار التي تعيشها الدولة السودانية لفرض أمر واقع جديد على الحدود، بما يتيح التمدد داخل مناطق غنية بالموارد الطبيعية والمعادن النفيسة، وعلى رأسها الذهب.
وأشار إلى أن الخطورة لا تكمن فقط في الخسائر البشرية التي صاحبت الهجوم، وإنما في ما قد يمثله من محاولة لفرض نفوذ سياسي واقتصادي وأمني على أجزاء من الأراضي السودانية، مستفيداً من حالة الحرب والانقسام الداخلي. ورأى أن الحركة الإسلامية والسلطة القائمة في بورتسودان تتحملان مسؤولية مباشرة عن تهيئة الظروف التي سمحت بهذا الوضع، من خلال سياساتهما التي أضعفت سيادة الدولة وفتحت الباب أمام التدخلات الخارجية.
وأكد الطيب أن السودان يواجه، للمرة الثانية وفق تعبيره، وضعاً يشبه ما حدث في حلايب وشلاتين، حيث تتحول السيطرة على الموارد والثروات إلى مدخل لتغيير الوقائع على الأرض وفرض ترتيبات جديدة على الحدود. واعتبر أن أي صمت رسمي أو تقاعس عن التحقيق في هذه الأحداث ومحاسبة المسؤولين عنها من شأنه أن يشجع على المزيد من التعدي على السيادة الوطنية ونهب الموارد السودانية في ظل استمرار الحرب وتراجع مؤسسات الدولة.
ثروات السودان وأطماع القاهرة
وقالت رئيسة تحرير صحيفة “التغيير”، رشا عوض، في حديثها لـ”إدراك”، إن ما وصفته بالهجمات المصرية الأخيرة على مناطق التعدين الحدودية لا يمكن النظر إليه بوصفه حدثاً عسكرياً معزولاً، بل ينبغي قراءته في سياق المصالح الاقتصادية المرتبطة بالموارد الطبيعية السودانية، وعلى رأسها الذهب.
وأضافت أن المناطق التي تعرضت للهجمات تُعد من أكثر المناطق غنى بالذهب، وتشهد نشاطاً واسعاً للتعدين الأهلي الذي يعتمد عليه آلاف السودانيين كمصدر رئيسي للرزق، مشيرة إلى وجود سوابق تتعلق بتعاقدات وشراكات لشركات مصرية في قطاع التعدين بالسودان، وهو ما يجعل مسألة السيطرة على هذه المناطق ذات أبعاد اقتصادية تتجاوز الاعتبارات الأمنية والعسكرية.
وأوضحت عوض أن العلاقات الاقتصادية بين السودان ومصر، خصوصاً في الملفات المرتبطة بالموارد الاستراتيجية، ظلت ـ بحسب رأيها ـ تفتقر إلى الشفافية والإفصاح العام، حيث تُبرم العديد من الاتفاقات بعيداً عن الرقابة الشعبية والمؤسسية. وقالت إن المستفيد الأكبر من مثل هذه الترتيبات يكون في الغالب الجهات المتنفذة، بينما يتحمل المواطن السوداني كلفة استغلال موارده الطبيعية دون أن ينعكس ذلك على أوضاعه المعيشية أو التنمية المحلية في المناطق المنتجة.
وترى عوض أن النفوذ المصري داخل المؤسسة العسكرية السودانية مكّن القاهرة، خلال فترات مختلفة، من تمرير ترتيبات اقتصادية تحقق مصالحها الاستراتيجية، مقابل دعم السلطة العسكرية القائمة. وأضافت أن ما جرى في مناطق شمال الوادي لا يمكن فصله عن هذا السياق، معتبرة أن استهداف مناطق مدنية مأهولة بالعاملين في التعدين الأهلي يثير تساؤلات حول الدوافع الحقيقية وراء العملية.
وقالت إن اللجوء إلى القوة الجوية ضد تجمعات مدنية يمثل خطوة ذات كلفة إنسانية وقانونية وسياسية مرتفعة، خصوصاً في ظل الرقابة الدولية المتزايدة على الانتهاكات التي تطال المدنيين في مناطق النزاعات. وأضافت أن الإقدام على مثل هذه العملية، وفق تقديرها، يعكس وجود مصالح اقتصادية كبيرة مرتبطة بقطاع الذهب، في وقت تواجه فيه مصر تحديات اقتصادية متصاعدة وتبحث عن مصادر إضافية لدعم اقتصادها.
كما أشارت إلى أن ملابسات الهجوم، بحسب المعلومات المتداولة في المنطقة، تثير شكوكاً بشأن وجود تنسيق مسبق بين القاهرة والسلطات العسكرية في بورتسودان. واستندت في ذلك إلى ما قالت إنه انسحاب منظم لقوات الجيش والقوات المشتركة من محيط المواقع المستهدفة قبل ساعات من وقوع الهجوم، معتبرة أن هذه المعطيات تستدعي تحقيقاً مستقلاً وشفافاً للكشف عن حقيقة ما جرى وتحديد المسؤوليات.
وختمت عوض حديثها بالقول إن استمرار ما وصفته بحالة الارتهان داخل المؤسسة العسكرية السودانية للقوى الخارجية ينعكس سلباً على السيادة الوطنية وعلى قدرة الدولة في حماية مواطنيها ومواردها، داعية إلى إجراء تحقيق دولي مستقل في الحادثة ومحاسبة المسؤولين عنها، وضمان عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات مستقبلاً.
“النفوذ المصري داخل الجيش مكّن القاهرة من تحقيق مصالحها الإقتصادية”
رشا عوض رئيس تحرير صحيفة التغيير
الذهب هو جوهر الصراع
يرى عدد من المهندسين الجيولوجيين والعاملين في قطاع التعدين أن مناطق العقيدات والجبل الأحمر الواقعة على الشريط الحدودي تُعد من أغنى مناطق التعدين الأهلي في شمال السودان، لما تحتويه من مؤشرات واحتياطيات واعدة للذهب جعلتها محط اهتمام متزايد خلال السنوات الأخيرة.
وقال المهندس الجيولوجي محمد عبد الرحمن، المتخصص في استكشاف المعادن، إن المنطقة تنتج كميات كبيرة من الذهب عبر نشاط التعدين التقليدي الذي يعتمد عليه آلاف المعدنين كمصدر رئيسي للدخل، مشيراً إلى أن الثروات المعدنية الموجودة فيها دفعت شركات محلية وإقليمية إلى إبداء اهتمام متزايد بالاستثمار في هذه المناطق.
وأضاف أن أي مشروع استثماري واسع النطاق في قطاع التعدين يتطلب إنشاء بنية تحتية متكاملة ومساحات تشغيل كبيرة ومرافق خدمية داعمة، الأمر الذي قد يخلق في بعض الأحيان احتكاكات وتنافساً مع المجتمعات المحلية والعاملين في التعدين الأهلي الذين ظلوا ينشطون في المنطقة لسنوات طويلة.
من جانبه، أوضح المهندس الجيولوجي أحمد النور أن النشاط التعديني على طول الشريط الحدودي شهد توسعاً ملحوظاً منذ اندلاع الحرب في السودان، مستفيداً من تراجع الرقابة الحكومية وضعف مؤسسات الدولة في بعض المناطق.
وقال النور في حديثه لـ”إدراك” إن اتساع نشاط التعدين الأهلي، إلى جانب غياب التنظيم الكافي، خلق واقعاً معقداً يحتاج إلى سياسات واضحة للحماية والتنظيم والإدارة الرشيدة للموارد، بدلاً من تحويل مناطق التعدين إلى ساحات للصراع والمواجهات التي تهدد حياة المدنيين وتعرقل الاستفادة من الثروات المعدنية.
وأضاف أن الذهب أصبح اليوم أحد أهم العوامل المؤثرة في التنافس على هذه المناطق الحدودية، في ظل تزايد قيمته الاقتصادية وارتباطه بمصالح استثمارية وتجارية متنامية، الأمر الذي يجعل حماية المجتمعات المحلية وضمان سيادة الدولة على مواردها مسألة بالغة الأهمية.
أسئلة بلا إجابات
حتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم تعلن أي جهة رسمياً مسؤوليتها عن الهجوم. ورغم الاتهامات المباشرة التي وجهتها أحزاب سياسية وقوى سودانية إلى مصر بالتورط في العملية، فإن سلطة بورتسودان التزمت الصمت ولم تصدر موقفاً رسمياً يوضح ملابسات ما جرى أو يرد على تلك الاتهامات.
وفي وقت أصبح فيه الذهب عنصراً محورياً في معادلة الحرب والاقتصاد والصراع على النفوذ، تبقى الحقيقة المؤكدة أن عشرات الأسر السودانية فقدت أبناءها وأقاربها في واحدة من أكثر مناطق التعدين الأهلي نشاطاً على الحدود الشمالية للبلاد.
وبين البيانات الصمت الرسمي لسلطة بورتسودان، تظل أسئلة جوهرية معلقة تنتظر إجابات واضحة: من نفذ الهجوم؟ ولماذا استُهدفت تلك المواقع تحديداً؟ وما علاقة التنافس على موارد الذهب بما حدث؟ ومن يتحمل مسؤولية حماية المدنيين والعاملين في مناطق التعدين الحدودية؟
إدراك
المصدر:
الراكوبة