آخر الأخبار

هل تقود الرياض السودان إلى انتقال سياسي هادئ؟

شارك

إذا كانت الدبلوماسية تُقاس بحجم المؤتمرات وثقل البيانات، فإنها في الرياض تقاس بمقياس مختلف: كلما انخفضت الضجّة، زادت الجدية. هذا هو جوهر التحرك السعودي في السودان، بلد أنهكته ست سنوات من الاضطراب المتواصل، من سقوط عمر البشير عام 2019 إلى الحرب الأهلية التي أشعل فتيلها الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع في نيسان/أبريل 2023. الرياض تدخل الملف السوداني بخطوات محسوبة، بعيدا عن كاميرات الأضواء، ساعيةً إلى بناء توافق مدني – عسكري يملأ فراغا لم تستطع قوى أخرى ملأه.

السؤال الجوهري ليس إن كانت السعودية تتدخل، فتدخلها بات واقعا موثّقا. السؤال هو: هل يمكن أن تفتح بابا للاستقرار في بلد بات يشكّ شعبه في كل مبادرة تطرق بابه؟

لفهم الرهان السعودي، لا بد من استيعاب عمق الأزمة السودانية. حين سقط البشير تحت وطأة احتجاجات شعبية واسعة، بدا للوهلة الأولى أن السودان يقف على عتبة تحول تاريخي. لكن المشهد تعقّد سريعا: الوثيقة الدستورية التي وُقّعت بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير في أغسطس من العام ذاته أسّست لفترة انتقالية مشتركة، لكنها أسّست أيضا لأزمة ثقة هيكلية بين المدنيين والعسكريين لم تُحسم يوما.

الانقلاب الذي قاده الفريق عبدالفتاح البرهان في أكتوبر 2021 أجهز على ما تبقّى من مسار انتقالي، وأعاد رسم الخريطة السياسية بشكل بات معه المدنيون مشرذمين والمنابر الدولية عاجزة. ثم جاءت حرب نيسان/أبريل 2023 لتُضيف طبقة جديدة من الكارثة: مئات الآلاف من النازحين، مناطق شاسعة خارجة عن سيطرة الدولة، وإنهاك اقتصادي لم تشهده البلاد منذ عقود.

المبادرات السعودية ليست محصّنة من التعقيدات التي أعجزت سواها، وثمة تحديات هيكلية تتحدى أي مقاربة دبلوماسية مهما كانت مدروسة

المشهد اليوم يمثّل واحدة من أعقد أزمات الحوكمة في القارة الأفريقية: جيش يتمسك بالسلطة بذريعة الضرورة الأمنية، وقوى مدنية تفتقر إلى قائد يجمعها، ومنظومة دولية أعياها الملف السوداني بعد أن أخفقت مبادرات الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والآلية الثلاثية في إنتاج نتائج ملموسة. في هذا الفراغ تحديدا، تجد الدبلوماسية السعودية مساحتها.

كلما كان الملف أكثر تعقيدا، آثرت الرياض الابتعاد عن الواجهة. هذا ليس عجزا دبلوماسيا، بل مقاربة مدروسة تقوم على ثلاث ركائز.

الركيزة الأولى هي خفض درجة الحرارة. حين تتحوّل المبادرة إلى إعلان رسمي، تتحوّل تلقائياً إلى هدف سياسي لأطراف الصراع وللخصوم الإقليميين. الصمت يحمي المسار. الرياض تتقن هذه اللعبة: مباحثات بكين عام 2023 التي أعادت العلاقات السعودية – الإيرانية لم تُعلَن إلا بعد اكتمالها.

الركيزة الثانية هي تراكم الخبرات. للمملكة تجربة بالغة التعقيد في اليمن، حتى لو تظل نتائجها موضع جدل. لكن هذه التجربة، مؤلمة في أحيان كثيرة، علّمت المفاوض السعودي أسماء الفاعلين وطبيعة التوازنات وحدود أدوات الضغط. السودان ليس يمنا، لكن الخبرة في إدارة ملفات متشعبة الأطراف قابلة للنقل جزئيا.

الركيزة الثالثة هي التركيز على النتائج لا الصورة. ما تسعى إليه الرياض في السودان، وفق ما تُشير إليه المصادر الدبلوماسية المطّلعة، هو خلق حقيقة على أرض السياسة، حتى لو بقيت بلا توقيع معلن في القريب العاجل.

التحرك السعودي في السودان يعتمد على ثلاثة محاور متوازية يصعب الفصل بينها.

على المحور المدني، تعمل الرياض على استيعاب أوسع قدر ممكن من القوى السياسية المتفرقة، بمن فيها تلك التي تتعارض مصالحها في الظاهر. الهدف ليس تشكيل ائتلاف متجانس بالضرورة، بل الوصول إلى حدٍّ أدنى من الأرضية المشتركة يُتيح قيام هيئة تكنوقراطية انتقالية قادرة على إدارة المرحلة.

على المحور العسكري، تحرص الرياض على عدم تجاوز البرهان أو استبعاده. الخطأ الذي وقعت فيه كثير من المبادرات السابقة هو محاولة فرض نموذج ديمقراطي يتجاهل ثقل المؤسسة العسكرية في التركيبة السودانية. المقاربة السعودية أكثر براغماتية: الجيش شريك لا يمكن تجاوزه، لكن هذه الشراكة ينبغي أن تكون مقيّدة بضمانات انتقالية واضحة.

على المحور الدولي، تُشير التقارير إلى تنسيق سعودي مع واشنطن والإمارات وبعض الشركاء الأفارقة. هذا التنسيق ضروري لأن أي ترتيب داخلي سوداني سيحتاج إلى غطاء دولي لضمان الشرعية وتدفق الدعم الاقتصادي الذي ستحتاجه أي حكومة انتقالية منذ يومها الأول.

المبادرات السعودية ليست محصّنة من التعقيدات التي أعجزت سواها، وثمة تحديات هيكلية تتحدى أي مقاربة دبلوماسية مهما كانت مدروسة.

أولها الانقسام المدني. القوى السياسية السودانية لا تعاني من غياب الكفاءات، بل تعاني من فائض في الأنا السياسية وشحّ في الثقة المتبادلة. كل تكتّل يرى نفسه الممثل الشرعي الأوحد للشارع، وكل حوار يتحول إلى صراع على تحديد من يجلس في أي مقعد.

ثانيها الواقع الأمني. المبادرات السياسية لا تنمو في بيئات الحرب. ما دامت بؤر النزاع مشتعلة في مناطق سودانية واسعة، تبقى المبادرات الانتقالية هشّة. أي اتفاق سياسي يحتاج إلى هدنة ميدانية مستدامة لكي يُترجم إلى مؤسسات.

ثالثها الذاكرة الجمعية للسودانيين. شعبٌ مرّ بوثيقة دستورية أُجهضت، وبلجان تسوية لم تسوِّ، وبوعود انتقالية ذهبت أدراج الرياح، لن يسلّم ثقته للمحاولة القادمة بسهولة. هذا الشكّ ليس عائقاً عاطفياً، بل هو ذكاء سياسي متراكم. ولا تستطيع الرياض تجاوز هذه الذاكرة بالضمانات وحدها.

ما تستطيع الرياض فعله هو فتح الأبواب وتوفير الغطاء وتيسير الحوار. ما لا تستطيع فعله هو أن تُنيب عن السودانيين في اتخاذ قرارهم بأنفسهم

على الجانب الآخر، ثمة فرص حقيقية تمنح هذه المبادرة وزناً يستحق الرصد.

للمرة الأولى منذ سنوات، لدى بعض الفصائل المدنية دوافع عملية للجلوس معاً: الإنهاك من الصراع، والإدراك المتنامي بأن الاستمرار في التشرذم يُسهّل فرض الأمر الواقع العسكري. هذا الإنهاك المشترك قد يكون أفضل رصيد دبلوماسي تشتغل عليه الرياض.

وإن نجح السودان في إنتاج انتقال سياسي ولو جزئيا، فإن الأثر الإقليمي سيتجاوز حدوده. بلدٌ يمتد على مساحة شاسعة ويتشارك حدوداً مع سبع دول هو عامل استقرار أو زعزعة إقليمية بامتياز. استقراره يعني تخفيف ضغوط الهجرة على دول الجوار وتراجع احتمالات التمدد الأمني عبر الحدود المفتوحة.

أما للرياض تحديداً، فنجاح المبادرة السودانية سيُعزّز صورتها كوسيط إقليمي ناضج يُنتج حلولا لا خطابا، وهو رأس مال دبلوماسي بالغ القيمة في مرحلة تسعى فيها المملكة إلى إعادة تعريف دورها الإقليمي بعيداً عن لغة القوة المباشرة.

الدبلوماسية الهادئة ليست ضعفا، لكنها ليست سحرا أيضا. ما تستطيع الرياض فعله هو فتح الأبواب وتوفير الغطاء وتيسير الحوار. ما لا تستطيع فعله هو أن تُنيب عن السودانيين في اتخاذ قرارهم بأنفسهم.

الرهان السعودي في جوهره هو أن السودانيين، مدنيين وعسكريين، بلغوا درجة من الإنهاك تجعلهم أكثر استعدادا من أي وقت مضى لتقديم تنازلات مؤلمة من أجل وقف النزيف.

السودان يستحق رهانا حقيقيا هذه المرة. والسؤال المفتوح ليس إن كانت السعودية جادّة، بل إن كان الوقت قد حان.

العرب

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك

الأكثر تداولا اسرائيل أمريكا إيران لبنان

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا