في لحظة تتقاطع فيها التحذيرات الدولية مع واقع ميداني يزداد هشاشة، تبدو مدينة الأبيض وكأنها تقف على حافة سيناريو مألوف في الذاكرة السودانية الحديثة، إذ تتعرض لضغط عسكري متصاعد يعيد إلى الأذهان سقوط الفاشر بعد أشهر من الحصار والاستنزاف. وما بين دعوات الأمم المتحدة و29 دولة لوقف الهجوم عليها، وبين استمرار الضربات بالطائرات المسيّرة، تتشكل صورة مدينة تحاول الصمود بينما تتآكل مقومات الحياة فيها يوماً بعد يوم.
فبعد ساعات فقط من النداءات الدولية التي صدرت في جنيف، غرقت الأبيض في الظلام إثر استهداف محطة الكهرباء الرئيسية بطائرة مسيّرة، في حلقة جديدة من سلسلة هجمات طالت المدينة خلال الأيام الماضية، وأسفرت عن مقتل أكثر من 40 مدنياً وإصابة العشرات، وفق مصادر محلية. ويقول سكان إن الطائرات المسيّرة باتت جزءاً من المشهد اليومي، تحلق فوق الأحياء وتفرض إيقاعاً من الترقب والخوف، حتى إن بعضهم صار يتابع أصواتها أكثر من نشرات الأخبار.
وتزداد المخاوف مع استحضار تجربة الفاشر، التي سقطت العام الماضي بعد حصار طويل، إذ يرى كثيرون أن ما يجري في الأبيض يحمل ملامح مشابهة: استنزاف متواصل، ضرب للبنية التحتية، واستهداف لمحطات الوقود وشاحنات الإمداد، ما أدى إلى أزمة مواصلات خانقة وارتفاع تكلفة التنقل داخل المدينة. ويقول سكان إن الوقود أصبح “جزءاً من المعركة”، بعد أن تحولت محطات التزويد إلى أهداف متكررة للهجمات.
وتكتسب الأبيض أهميتها من موقعها الجغرافي والعسكري والاقتصادي، فهي تقع على بعد نحو 411 كيلومتراً من الخرطوم، وتشكل حلقة وصل بين دارفور ووسط السودان، وتضم مقر الفرقة الخامسة مشاة “الهجانة”، إحدى أهم وحدات الجيش. كما أنها مركز رئيسي للتجارة والنقل، وتحتضن أكبر سوق للصمغ العربي في العالم، ما يجعل السيطرة عليها هدفاً استراتيجياً في سياق الحرب الدائرة.
ورغم هذه الضغوط، يؤكد قادة عسكريون أن المدينة “لن تسقط”. فالفريق أول هاشم عبد المطلب يرى أن هجمات «الدعم السريع» تهدف إلى تعطيل الجيش ومنعه من التقدم نحو دارفور، لكنه يستبعد نجاحها في تحقيق هذا الهدف. ويذهب العقيد الباشا حكيم، قائد المدرعات بالفرقة الخامسة، إلى أبعد من ذلك، قائلاً إن الحديث عن حصار الأبيض “مجرد شائعات”، وإن القوات المهاجمة تكبدت خسائر كبيرة، مؤكداً أن السكان “سيسمعون أخباراً سارة قريباً”.
لكن هذه التطمينات لا تبدد القلق تماماً. فالخبير العسكري صالح عبد الله يرى أن تكتيكات «الدعم السريع» في الأبيض تشبه ما حدث في الفاشر: الضغط المستمر، إضعاف الخدمات، وفتح ممرات للنزوح. ويشير إلى أن استهداف البنية التحتية يهدف إلى إنهاك المدينة ودفع سكانها إلى المغادرة، أكثر من كونه سعياً لحسم عسكري سريع.
ومع ذلك، فإن الصورة ليست قاتمة بالكامل. فالصحافي زهير هاشم، المقيم في الأبيض، يقول إن الحياة “ما زالت تسير بصورة طبيعية في معظم الأحياء”، موضحاً أن أزمة المواصلات الأخيرة ارتبطت باستهداف خمس محطات وقود في يوم واحد، لا بانهيار شامل للخدمات. ويرى المحلل السياسي عثمان ميرغني أن الموقع العسكري للأبيض يجعل السيطرة عليها “أكثر صعوبة مما يتصور كثيرون”، مستبعداً سقوطها في الوقت الراهن.
لكن القلق لم يعد محلياً فقط. فقد دفعت التطورات الأخيرة الأمم المتحدة وعدداً من الدول الغربية إلى التحذير من التصعيد العسكري حول المدينة، في مؤشر على تنامي المخاوف من تدهور الوضع الإنساني إذا استمرت الهجمات بالوتيرة الحالية. وبين تطمينات الجيش وتحذيرات المجتمع الدولي، يعيش سكان الأبيض تحت وطأة أصوات المسيّرات وانقطاع الخدمات، في مدينة باتت واحدة من أكثر نقاط الحرب حساسية.
وإذا كانت الفاشر قد أصبحت نموذجاً يستحضره الجميع عند الحديث عن الحصار والسقوط، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو ما إذا كانت الأبيض قادرة على تفادي المصير ذاته، أم أن الحرب تدفعها تدريجياً نحو السيناريو نفسه، وإن اختلفت الأدوات والظروف. وفي انتظار الإجابة، تظل المدينة معلّقة بين صمود أهلها وضغط المعركة التي تقترب من أسوارها.
المصدر:
الراكوبة