آخر الأخبار

الخرطوم رهينة سيطرة التشكيلات المسلحة رغم القرار بإخلائها

شارك

الخرطوم- تبدو العاصمة السودانية الخرطوم، بعد أكثر من عام على استعادتها من قبضة المعارك الواسعة التي شهدتها الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بعيدة عن الصورة التي بشّرت بها السلطات العسكرية والحكومة الموالية لها، والقائمة على عودة الحياة المدنية وإخلاء المدينة من مختلف المظاهر العسكرية. فالمشهد الميداني يكشف استمرار انتشار تشكيلات مسلحة متعددة الانتماءات، ما يطرح تساؤلات متزايدة حول مدى قدرة الدولة على فرض سلطتها الكاملة على العاصمة وحصر استخدام القوة في المؤسسات النظامية الرسمية.

وسلطت صحيفة “صوت الأمة” السودانية الضوء على هذه الإشكالية من خلال رصدها لتعدد الارتكازات العسكرية داخل العاصمة وضواحيها، حيث تتجاور نقاط التفتيش التابعة للجيش مع أخرى تتبع لحركات مسلحة وقوات شبه عسكرية شاركت في الحرب أو انخرطت في تحالفات داعمة للجيش. ويعكس هذا الواقع استمرار حالة التداخل بين الأجسام المسلحة المختلفة، رغم الوعود المتكررة بإنهاء هذه الظاهرة وإعادة الخرطوم إلى وضعها الطبيعي.

وأشارت الصحيفة إلى أنه في شارع النيل بمدينة أم درمان يمكن ملاحظة ارتكاز يتبع لكتيبة البراء بن مالك، وهي تشكيل عسكري صنفته الإدارة الأميركية في مارس الماضي ضمن الكيانات المرتبطة بالإرهاب والخاضعة للعقوبات. وعلى مسافة قصيرة من الموقع نفسه يظهر ارتكاز لإحدى الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام، ثم يبرز ارتكاز آخر تابع للقوات المسلحة السودانية. ويعكس هذا المشهد تعدد الجهات التي تمارس أدوارا أمنية وعسكرية داخل المدينة، في وقت يفترض فيه أن تكون العاصمة تحت إدارة مؤسسات الدولة وحدها.

ويجد المواطن السوداني نفسه أمام واقع معقد يصعب معه تحديد الجهة التي تملك القرار الأمني النهائي في الشارع. فوجود قوات متعددة الولاءات والمرجعيات لا يعكس فقط استمرار آثار الحرب، بل يثير أيضا مخاوف بشأن مستقبل الاستقرار الأمني وقدرة السلطات على فرض منظومة موحدة لإدارة الأمن والنظام العام.

المواطن الذي يتجوّل في أم درمان أو الخرطوم أو بحري، لا يحتاج إلى تقارير رسمية ليعرف أن المظاهر العسكرية لم تختفِ بالكامل

ويكتسب هذا الواقع أهمية خاصة بالنظر إلى أن السلطات السودانية كانت قد أعلنت منذ أشهر عن خطة واضحة لإنهاء المظاهر العسكرية في الخرطوم. ففي يوليو 2025 أصدر رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش الفريق أول عبدالفتاح البرهان قرارا بتشكيل لجنة عليا برئاسة عضو مجلس السيادة الفريق إبراهيم جابر، وكلفها بالإشراف على عملية إخلاء ولاية الخرطوم من التشكيلات العسكرية والمظاهر المسلحة، تمهيدا لعودة مؤسسات الدولة واستئناف النشاط المدني بصورة طبيعية.

وحظي القرار آنذاك بترحيب واسع باعتباره خطوة ضرورية لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطنين، خاصة أن الخرطوم كانت قد تحولت خلال الحرب إلى ساحة مفتوحة للعمليات العسكرية، وشهدت انتشارا واسعا لمختلف أنواع التشكيلات المسلحة، بما في ذلك وحدات الجيش والقوات المساندة له والحركات المسلحة ومجموعات المتطوعين.

وبعد أقل من شهر على تشكيل اللجنة، أعلن الفريق إبراهيم جابر أن عملية إخراج القوات المقاتلة من ولاية الخرطوم بلغت نسبة 98 بالمئة، مؤكدا أن العمل يسير وفقا للخطة الموضوعة وأن العاصمة مقبلة على مرحلة جديدة تتراجع فيها المظاهر العسكرية لصالح الأجهزة المدنية والشرطية المختصة.

غير أن المشهد الحالي يوحي بوجود فجوة واضحة بين ما أعلنته السلطات وما يلمسه المواطنون على الأرض. فالانتشار العسكري لم يختف بشكل كامل، كما أن تعدد الجهات المسلحة لا يزال يمثل أحد أبرز ملامح الحياة اليومية في أجزاء من الخرطوم وأم درمان وبحري. وفي بعض الحالات، أصبح هذا التعدد مصدرا للقلق والارتباك أكثر من كونه عامل استقرار أو طمأنينة.

وتعززت هذه المخاوف خلال الأسابيع الأخيرة بفعل عدد من الحوادث التي أعادت ملف الوجود المسلح داخل العاصمة إلى واجهة النقاش العام. فقد أثارت حادثة الاعتداء على أحد المواطنين من قبل عناصر تنتمي إلى قوة شبه عسكرية مرتبطة بإحدى الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا موجة واسعة من الاستياء، ليس فقط بسبب طبيعة الحادثة، وإنما لأنها أعادت طرح سؤال جوهري حول مبررات استمرار وجود هذه القوات داخل العاصمة بعد مرور أشهر طويلة على قرارات الإخلاء وإعادة الانتشار.

ولم تكد تداعيات تلك الحادثة تهدأ حتى جاءت واقعة النقيب محمد المنتصر مع أحد المتطوعين لتثير مجددا أسئلة تتعلق بالانضباط العسكري وتحديد الصلاحيات والمسؤوليات بين التشكيلات المسلحة المختلفة. ويرى مراقبون أن مثل هذه الحوادث لا ينبغي النظر إليها باعتبارها خلافات فردية معزولة، بل بوصفها مؤشرات على استمرار أزمة أعمق تتعلق بتعدد مراكز القوة المسلحة وعدم استكمال عملية دمج أو إخراج القوات غير النظامية من المدن الرئيسية.

وتشير هذه التطورات إلى أن المشكلة لا تكمن في غياب القرارات أو المبادرات الحكومية، بل في آليات التنفيذ ومدى القدرة على تحويل التعهدات السياسية والعسكرية إلى واقع ملموس. فالسلطات أعلنت خططا واضحة، وشكلت لجانا مختصة، وقدمت تقارير تتحدث عن نسب إنجاز مرتفعة، إلا أن بقاء المظاهر المسلحة على الأرض يضع هذه الإجراءات أمام اختبار حقيقي يتعلق بمدى فاعليتها وقدرتها على تحقيق أهدافها.

ويؤكد متابعون للشأن السوداني أن استعادة الخرطوم لا يمكن أن تكتمل بمجرد عودة الوزارات أو استئناف بعض المؤسسات الحكومية لأنشطتها، بل تتطلب إعادة بناء مفهوم الدولة نفسها بوصفها الجهة الوحيدة المخولة بحمل السلاح وإنفاذ القانون. فاستقرار المدن لا يقاس بعدد القوات المنتشرة فيها، وإنما بوضوح المرجعية الأمنية وخضوع جميع القوى المسلحة لمنظومة قانونية موحدة.

وفي ظل استمرار الحرب في أجزاء أخرى من السودان، تبدو مهمة فرض هذا الواقع أكثر تعقيدا، لكن كثيرين يرون أنها تبقى شرطا أساسيا لأي عملية تعافٍ سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي. فالعاصمة التي يفترض أن تكون رمزا لسيادة الدولة لا تزال تعكس، في نظر منتقدين، صورة بلد تتنازع داخله مراكز نفوذ عسكرية متعددة، الأمر الذي يجعل الخرطوم، رغم القرارات الرسمية، رهينة لتشكيلات مسلحة مختلفة لم تنجح الدولة بعد في إخراجها من المشهد العام أو إخضاعها بالكامل لسلطتها.

العرب

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك

الأكثر تداولا أمريكا إيران كأس العالم

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا