آخر الأخبار

بين الإضرابات والعودة.. الجامعات السودانية في مواجهة تحديات الحرب

شارك

مداميك: ندى رمضان
يواجه قطاع التعليم العالي في السودان تحديات متشابكة ومعقدة في ظل استمرار تداعيات الحرب التي اندلعت في أبريل 2023، إذ تتقاطع مطالب أساتذة الجامعات المتعلقة بتحسين أوضاعهم المهنية والمعيشية مع قرارات حكومة الأمر الواقع التي تسعى لإعادة الجامعات إلى مقارها الأصلية، ما أثار جدلاً واسعاً داخل الأوساط الأكاديمية حول مدى واقعية هذه الخطوات وإمكانية تنفيذها في ظل الظروف الراهنة.
في الوقت الذي يواصل فيه أساتذة الجامعات الحكومية إضراباً شاملاً ومفتوحاً منذ أكثر من شهرين للمطالبة بإجازة الهيكل الراتبي الجديد ولائحة شروط الخدمة، أصدرت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي قراراً يلزم جميع الجامعات والمؤسسات التعليمية التي تعمل من مواقع بديلة داخل السودان أو خارجه بالعودة إلى مقارها الأصلية قبل الأول من أغسطس المقبل.
ويرى مراقبون أن القضيتين تعكسان حجم الأزمة التي يعيشها قطاع التعليم العالي، حيث تتداخل التحديات المالية والإدارية والأمنية مع تداعيات الحرب التي أدت إلى تدمير أو تعطيل عدد كبير من الجامعات والمؤسسات الأكاديمية.
إضراب مفتوح ومطالب معلقة
وتؤكد لجنة أساتذة الجامعات السودانية (لاجسو) أن مطالبها لا تتعلق بزيادات مالية طارئة أو امتيازات جديدة، وإنما باستكمال إجراءات قانونية وإدارية بدأت قبل سنوات بهدف استثناء أساتذة الجامعات من الخدمة المدنية وإقرار وضع وظيفي يتناسب مع طبيعة عملهم الأكاديمي.
وقال القيادي بلجنة اساتذة الجامعات د. فضل الله مصطفى البشير لـ(مداميك) إن لديهم مطلبين أساسيين يتمثلان في إجازة الهيكل الراتبي الجديد ولائحة شروط الخدمة الخاصة بأساتذة الجامعات الحكومية.
وأوضح أن هذه الملفات أُعدت داخل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بموجب قرار رئيس المجلس القومي للتعليم العالي والبحث العلمي رقم (288) لسنة 2022، قبل أن تُرفع إلى مجلس الوزراء الذي شكّل لجنة فنية بموجب القرار رقم (115) لسنة 2023 لدراسة المقترحات.
وبحسب د. فضل الله، فإن اللجنة الفنية أكملت أعمالها ورفعت تقريرها إلى مجلس الوزراء بتاريخ الثاني من مارس 2025، كما تلقى الأساتذة وعوداً بإجازة الهيكل الراتبي ولائحة الخدمة ضمن موازنة العام 2026، إلا أن ذلك لم يحدث حتى الآن.
لافتا الى أن تجاهل هذه المطالب دفع اللجنة إلى إعلان إضراب شامل ومفتوح اعتباراً من التاسع والعشرين من مارس 2026.
واكد أن الإضراب ما يزال مستمراً في ظل ما وصفه بعدم وجود أي استجابة رسمية جادة لمعالجة القضية.
واشار د. فضل الله الى ان الجهات المختصة تتبع سياسة التسويف والمماطلة وشراء الوقت بدلاً من اتخاذ قرارات حاسمة بشأن المطالب التي ظلوا يرفعونها منذ سنوات.
ويرى عدد من الأكاديميين أن قضية الهيكل الراتبي أصبحت واحدة من أكبر التحديات التي تواجه الجامعات السودانية، خاصة بعد التدهور الاقتصادي الكبير وانخفاض القوة الشرائية للرواتب خلال سنوات الحرب، الأمر الذي دفع أعداداً من الأساتذة إلى الهجرة أو العمل في مؤسسات خارج البلاد.
قرار العودة إلى المقرات الأصلية
في خضم هذه الأزمة، أصدرت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي قراراً جديداً يقضي بإلزام جميع مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي بالعودة إلى المقرات التي منحت التراخيص على أساسها.
وأصدر وزير التعليم العالي والبحث العلمي أحمد مضوي القرار في الثالث من يونيو الجاري، تنفيذاً لتوجيهات رئيس الوزراء الهادفة إلى استعادة النشاط الأكاديمي والإداري بالمواقع الأصلية للجامعات والمؤسسات التعليمية.
واستند القرار إلى أحكام قانون تنظيم التعليم العالي والبحث العلمي لسنة 2021، خاصة المادة (7/1/ل) والمادة (9/هـ، ز)، ووجّه إدارات الجامعات باتخاذ الترتيبات اللازمة لاستئناف الدراسة والأنشطة الأكاديمية والإدارية بصورة كاملة من مقارها الأصلية.
كما نص القرار على إيقاف العمل في جميع المراكز والمواقع البديلة أو المؤقتة داخل السودان وخارجه بحلول الأول من أغسطس 2026، مع ربط السماح للجامعات بقبول طلاب جدد للعام الأكاديمي 2026 ـ 2027 باستكمال إجراءات العودة الفعلية إلى مقارها الأساسية.
ودعت الوزارة إدارات الجامعات والجهات المختصة إلى اتخاذ جميع التدابير اللازمة لتنفيذ القرار وفق الجدول الزمني المحدد بما يضمن استقرار العملية التعليمية واستعادة النشاط الأكاديمي بالمؤسسات المعتمدة.
واقع فرضته الحرب
ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، اضطرت عشرات الجامعات إلى تعليق الدراسة أو نقل أنشطتها إلى مناطق أكثر أمناً داخل السودان أو خارجه.
وشهدت ولايات مثل نهر النيل والبحر الأحمر والشمالية وكسلا استضافة عدد من الجامعات التي نزحت من الخرطوم وولايات أخرى متأثرة بالحرب، فيما انتقلت بعض المؤسسات التعليمية إلى دول أخرى إفريقية وعربية لضمان استمرار العملية التعليمية.
وخلال العامين الماضيين اعتمدت العديد من الجامعات على نظام التعليم المدمج والتعليم الإلكتروني أو الدراسة من مقار مؤقتة، بينما تمكنت جامعات أخرى من استئناف نشاطها بصورة تدريجية بعد تحسن الأوضاع الأمنية في بعض الولايات.
ورغم ذلك، ما تزال أعداد كبيرة من الجامعات تواجه تحديات تتعلق بالبنية التحتية وتوفير المعامل والقاعات الدراسية والسكن والخدمات الأساسية.
مقومات العودة
وفي تعليقه على القرار، قال د. فضل الله إن الأساتذة لا يعارضون من حيث المبدأ عودة أي مؤسسة للعمل من مقرها الأصلي، واعتبر أن ذلك هو الوضع الطبيعي لأي مؤسسة تعليمية.
وأضاف أن الجامعات ستعود تلقائياً إلى مقارها الأصلية متى ما توفرت الظروف المناسبة، مشيراً إلى أن بعض المؤسسات بدأت بالفعل العودة التدريجية إلى العاصمة الخرطوم دون الحاجة إلى قرارات ملزمة.
وأوضح أن المطلوب من الدولة هو توفير المعينات والخدمات الأساسية وتشجيع المؤسسات الراغبة في العودة بدلاً من إصدار قرارات قد لا تجد طريقها إلى التنفيذ على أرض الواقع.
مشيرا الى أن هناك سبع جامعات تقع في ولايات إقليم دارفور وولاية غرب كردفان ما تزال خارج سيطرة الحكومة السودانية، الأمر الذي يجعل عودتها إلى مقارها الأصلية أمراً بالغ الصعوبة في الوقت الراهن.
ورأى أن التعامل مع جميع الجامعات بمعيار واحد لا يراعي التفاوت الكبير في الظروف الأمنية والخدمية بين الولايات المختلفة.
انتقادات للقرار
من جانبه وصف الأكاديمي محمد عثمان الحسن في حديث لـ(مداميك) قرار العودة بأنه “قرار سياسي مغترب عن الواقع”، واعتبر أن الظروف الحالية لا تسمح بتنفيذه بالشكل الذي طرحته الوزارة.
وقال إن الدولة لا تملك حتى الآن موازنة واضحة لإعادة تأهيل الجامعات المتضررة، فضلاً عن الحاجة إلى موارد ضخمة لإعادة إعمار المؤسسات التعليمية التي تعرضت للتخريب أو التدمير خلال الحرب.
وأضاف أن مقومات الحياة الطبيعية نفسها لم تكتمل بعد في العاصمة الخرطوم، حيث ما تزال قطاعات واسعة تعاني من تدهور الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والصحة والنقل.
ولفت إلى أن القرار يضع جامعات كردفان ودارفور عملياً خارج ولاية الوزارة بسبب الظروف الأمنية المعقدة في تلك المناطق، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مستقبل آلاف الطلاب والعاملين بهذه المؤسسات.
واعتبر الحسن أن القرار ينسجم مع ما وصفه بسياسات الأمر الواقع التي فرضتها الحرب على مختلف مؤسسات الدولة، مضيفاً أن الأزمة الحالية تعكس حالة التراجع المؤسسي التي تعيشها البلاد بصورة عامة.
تحديات المستقبل
ويرى مراقبون أن نجاح أي خطة لإعادة الجامعات إلى مقارها الأصلية يتطلب معالجة جملة من القضايا الأساسية، تشمل إعادة تأهيل البنية التحتية، وتوفير التمويل اللازم، وضمان الأمن والاستقرار، فضلاً عن معالجة أوضاع الأساتذة والعاملين الذين يمثلون الركيزة الأساسية للعملية التعليمية.
كما يشير مختصون إلى أن استمرار إضراب أساتذة الجامعات قد يعرقل جهود استعادة النشاط الأكاديمي حتى في المناطق التي أصبحت أكثر استقراراً، خاصة في ظل تراجع أوضاع أعضاء هيئة التدريس الاقتصادية والمهنية.
وبينما تتمسك وزارة التعليم العالي بخطة إعادة الجامعات إلى مقارها الأصلية باعتبارها خطوة ضرورية لاستعادة مؤسسات الدولة، يصر الأساتذة والأكاديميون على أن نجاح هذه الخطوة مرهون بمعالجة جذور الأزمة وتوفير البيئة المناسبة للعمل والدراسة.
وفي ظل استمرار الحرب وتداعياتها الاقتصادية والأمنية، يبقى قطاع التعليم العالي السوداني أمام اختبار صعب بين طموحات استعادة الحياة الأكاديمية الطبيعية وواقع مليء بالتحديات التي تتطلب حلولاً شاملة تتجاوز القرارات الإدارية إلى معالجة حقيقية لأزمة التعليم والسودان بكامله.
مداميك

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا