تتصاعد التحذيرات من تداعيات بيئية متزايدة للحرب المستمرة في السودان، وسط مخاوف من أن تؤدي الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والخدمات الأساسية والموارد الطبيعية إلى أزمة طويلة الأمد قد تستمر آثارها لسنوات بعد توقف القتال.
وفي هذا السياق، دعا تجمع البيئيين السودانيين وقطاع السياحة والبيئة بحزب المؤتمر السوداني إلى وقف الحرب معتبرا اياها أكبر تهديد يواجه البيئة السودانية في الوقت الراهن.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تشير فيه تقارير الأمم المتحدة إلى أن السودان يواجه واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، مع نزوح أكثر من 12 مليون شخص داخل البلاد وخارجها منذ اندلاع الحرب في نيسان/ابريل 2023، الأمر الذي فرض ضغوطاً إضافية على مصادر المياه والأراضي الزراعية والخدمات البيئية في مناطق الاستقبال والنزوح.
ويرى خبراء بيئيون أن الحرب تسببت في خلق مجموعة من المخاطر البيئية المباشرة وغير المباشرة، تبدأ من تدمير البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، ولا تنتهي عند تراجع قدرة المؤسسات المختصة على مراقبة التلوث وإدارة الموارد الطبيعية.
وفي الاتجاه نفسه، أشار قطاع السياحة والبيئة بحزب المؤتمر السوداني إلى أن النزاع المسلح ألحق أضراراً واسعة بالموارد الطبيعية والبنية التحتية والخدمات الأساسية، متحدثاً عن تلوث بعض مصادر المياه، وتراكم النفايات والمخلفات الخطرة، وتدهور الأراضي الزراعية والمراعي، فضلاً عن التأثيرات السلبية على التنوع الحيوي والحياة البرية.
ويحذر مختصون من أن تدمير شبكات المياه ومحطات الضخ والخدمات البلدية قد يؤدي إلى تلوث مصادر الشرب وانتشار الأمراض المرتبطة بالمياه، خاصة في مناطق النزوح والتجمعات السكانية المكتظة. كما أن تعطل خدمات جمع النفايات ومعالجة المخلفات يرفع من احتمالات التلوث البيئي والمخاطر الصحية، في وقت تشهد فيه عدة ولايات تفشياً لأمراض وأوبئة مرتبطة بضعف خدمات المياه والإصحاح البيئي.
ومن بين التحديات التي يسلط عليها الخبراء الضوء أيضاً، المخلفات الناتجة عن العمليات العسكرية، بما في ذلك بقايا الذخائر والمواد الخطرة والأنقاض الناتجة عن تدمير المباني والمنشآت. ويشير مختصون إلى أن هذه المخلفات قد تشكل مصدراً مستمراً للتلوث إذا لم تتم معالجتها وإزالتها وفق معايير بيئية متخصصة خلال مرحلة ما بعد الحرب.
وفي هذا الإطار، دعا قطاع السياحة والبيئة إلى إعداد برنامج وطني للتعافي البيئي وإعادة الإعمار الأخضر، يتضمن إجراء تقييم شامل للأضرار البيئية وإزالة المخلفات الخطرة وتأهيل مصادر المياه والموارد الطبيعية وحماية التنوع الحيوي ومكافحة التصحر وإدماج الاعتبارات البيئية في جميع مشروعات إعادة الإعمار.
من جانبه، شدد تجمع البيئيين السودانيين على أهمية تمكين الكفاءات والخبرات البيئية الوطنية وإشراكها في جهود التعافي وإعادة البناء، معتبراً أن معالجة آثار الحرب تتطلب الاعتماد على المعرفة العلمية والتخطيط طويل المدى إلى جانب توفير الإرادة السياسية اللازمة لحماية البيئة.
وأشار إلى أن إعادة إعمار السودان لن تقتصر على إعادة بناء الطرق والجسور والمنشآت الخدمية، بل ستتطلب أيضاً معالجة ما يمكن وصفه بـ«الديون البيئية» التي خلفتها الحرب، بما يشمل استعادة النظم البيئية المتضررة وتأهيل الأراضي والمياه والموارد الطبيعية. ويشير خبراء إلى أن تجاهل هذا الجانب قد يؤدي إلى استمرار آثار النزاع لعقود مقبلة، حتى في حال التوصل إلى تسوية سياسية وعودة الاستقرار الأمني.
وفي ظل استمرار العمليات العسكرية في عدد من المناطق، تبقى المخاوف البيئية جزءاً من المشهد العام للأزمة السودانية، حيث يرى مختصون أن حماية البيئة أصبحت مرتبطة بشكل وثيق بجهود السلام والتعافي، وأن أي مسار لإعادة بناء البلاد سيظل ناقصاً ما لم يتضمن خطة واضحة لمعالجة الأضرار البيئية واستعادة الموارد الطبيعية التي تشكل أساس حياة ملايين السودانيين ومستقبل الأجيال القادمة.
القدس العربي
المصدر:
الراكوبة